رعاية اميركية وغياب الشهود الدوليين المحايدين 

مفاوضات سياسية “غير متكافئة” بين لبنان واسرائيل 

   لم يكن دخول حزب الله في الحرب الى جانب ايران مجرد قرار اعتباطي او متسرّع، فقد كانت كل المؤشرات تدل ان الامور في المنطقة متجهة نحو التصعيد الواسع، بعد الاستعدادات العسكرية الاميركية الضخمة وحشد الاساطيل في الخليج والبحر الاحمر وشرق البحر المتوسط، بما كان ينبىء بأن الضربة قادمة الى ايران ومن بعدها حزب الله في لبنان حسب ما كان يعلن قادة الكيان الاسرائيلي صبح مساء. 

   وقبل التوصل الى اتفاق على هدنة مؤقتة بين الولايات المتحدة  وايران في العشر الاوائل من شهر نيسان الماضي، وبعده، وبغض النظر عن نتائجه المتوقع ان تتظهر بشكل نهائي امكانيات تنفيذ ما يتفق عليه خلال وقت ليس بطويل، لم توقف اسرائيل عدوانها التدميري على لبنان، مرة بغارات ضخمة على بيروت أدت الى عشرات الشهداء ومئات الجرحى. ومرة بغارات على مناطق الجنوب لا سيما سرايا النبطية الحكومي، حيث ارتقى عدد كبير من الموظفين الرسميين شهداء من مدنيين وعسكريين وحصلت اضرار واسعة في الاحياء المدنية.  

ولعل شرط ايران ان يشمل اتفاق وقف الحرب كل الجبهات ومنها لبنان، اسفر عن موافقة بيروت وتل ابيب على عقد مفاوضات سياسية مباشرة برعاية اميركية في واشنطن وليس برعاية دولية كما كان يطلب لبنان على  ان يتم قبلها تحييد بيروت وضواحيها الجنوبية والشمالية والشرقية عن الغارات، ووضعت اسرائيل للتفاوض ثلاثة شروط: ان يؤدي التفاوض الى سحب سلاح حزب الله من كامل الاراضي اللبنانية، واقامة منطقة عازلة امنية خالية من السكان في الحدود، وصولا لاحقا الى التوصل لإتفاق سلام، مع التأكيد على لسان نتياهو نفسه ان المفاوضات ستجري تحت النار… وهكذا كان في اليوم التالي للإعلان عن موافقة الطرفين على التفاوض حيث تواصل العدوان بشكل مكثف يومي على مناطق الجنوب والبقاع الغربي… بينما كان شرط لبنان الوحيد وقف اطلاق النار والتمسك بالثوابت الوطنية التي سبق ان اعلنها خلال التفاوض عبر لجنة الاشراف على تنفيذ اتفاق تشرين الثاني 2024 (لجنة الميكانيزم). لكن اسرائيل رفضت هذه الشروط وواصلت عدوانها الواسع مستهدفة مراكز رسمية ومستشفيات وفرق الاسعاف والدفاع المدني للضغط اكثر على لبنان، وبموافقة اميركية صريحة عبرت عنها وسائل الاعلام الاميركية والعبرية، برغم الكلام عن ان الرئيس ترامب طلب من نتينياهو تخفيف حجم التصعيد، وهو امر نفته الوقائع الميدانية. 

  بالتوازي مع التصعيد كانت قوات الاحتلال تحاول التوغل نحو مدينة بنت جبيل لإحتلالها، نظراً لرمزيتها الايجابية في ذاكرة اللبنانيين، والسلبية بنظر الاحتلال الاسرائيلي بعد فشل احتلالها في حرب العام 2006.  ولأنها على عقدة تقاطع قرى مهم بين القطاعين الغربي والاوسط للجنوب، ومفتاح الوصول الى القطاع الشرقي لإحتلال مدينة الخيام الواقعة عند سفح جبل الشيخ الذي احتلت اسرائيل الجزء السوري والجزء اللبناني منه، والقريبة ايضا من مزارع شبعا المحتلة، وهي المدينة الثانية التي حاول الاحتلال السيطرة عليها مؤخراً. وايضا حاول الاحتلال التوغل من بلدة الطيبة نحو مجرى نهر الليطاني الفاصل بين جنوب الجنوب وشماله، لتقطيع اوصال الجنوب بعد قصف كل الجسور القائمة على النهر. وقام بتفجير منازل قرى الحافة الامامية الحدودية وتجريفها لمنع عودة الجنوبيين اليها بحجة اقامة منطقة عازلة امنية لحماية المستوطنات في شمال فلسطين المحتلة. 

من هذا المنظار التصعيدي الواسع والخطير العسكري – الجغرافي والسياسي، يمكن قراءة اتجاهات كيان الاحتلال الاسرائيلي والادارة الاميركية من وراء التصعيد، ومن وراء الضغط للذهاب الى المفاوضات تحت قبة وزارة الخارجية الاميركية وبلا شهود دوليين على التعهدات التي يمكن التوصل اليها. وتحدثت معلومات اميركية عمّا يمكن وصفه تنازل آخر من لبنان بعد التنازل عن الرعاية الدولية للمفاوضات، إذ ذكر موقع أكسيوس: “ان لبنان اقترح على إسرائيل العودة إلى اتفاق تشرين الثاني – نوفمبر 2024 والاكتفاء باستهداف التهديدات الوشيكة من الحزب”! وإذا صحّت هذه المعلومات فهي تعني استمرار الضربات الجوية لأهداف تزعم اسرائيل انها للحزب واستمرار الاغتيالات في اي منطقة، كما تعني ان الحزب سيرد على اي اعتداء ما يؤدي الى استمرار الوضع العسكري المتوتر ولو بحدود دنيا. 

لكن اشارت مصادر رئيس الجمهورية جوزيف عون الى إن “المسار التفاوضي انطلق ونقطة الانسحاب الإسرائيلي مهمّة جداً، ولبنان لن يفرّط بأي شبر من أراضيه”. وان “سفيرة لبنان في واشنطن ندى حمادة أبلغت الرئيس عون أنّ الأميركيين كانوا ممتازين في المحادثات اللبنانية – الإسرائيلية.  

جولة تفاوض مباشر 

 وعلى هذا جرت الجولة الاولى من المفاوضات في واشنطن تحت النار وبتوازن غير متكافيء، وبرغم الكلام عن ضغط اميركي على اسرائيل بعد جولة التفاوض مع ايران، لوقف إطلاق نار في لبنان لمدة أسبوع، غير أن إسرائيل أصرت على فصل الجبهتين اللبنانية عن الإيرانية ومواصلة الضغط العسكري، واعلنت تسريباتها أنه لا توجد أي خطط لوقف إطلاق النار مع لبنان. كما اكد  جيش الاحتلال  الإسرائيلي انه يعمل على إنشاء مواقع عسكرية إضافية في جنوب لبنان ومضاعفة عددها، وإن طريقة عمل قواتنا في لبنان تشبه طريقة العمل في قطاع غزة. وقواتنا تهدم منازل في جنوب لبنان بهدف إخلاء مناطق وفرض منطقة عازلة، ولاحقا اعلن رئيس اركان الجيش ايال زامير ان الجيش صادق على خطط جديدة للهجوم على لبنان وايران.  

ونقلت المعلومات عن مصدر أميركي، “أن التوصل إلى وقف لإطلاق النار في لبنان لم يكن مطروحاً بشكل واضح خلال الاجتماع الثلاثي الذي جمع مسؤولين أميركيين وإسرائيليين ولبنانيين يوم الثلاثاء 14 نيسان. وأن الاجتماع تضمن طرح اقتراح يشمل تدابير لبناء الثقة بين الجانبين، حيث كان أبرز ما قدمه الجانب الإسرائيلي هو وقف إطلاق النار”. 

مستقبل التفاوض 

   وهنا يطرح السؤال كيف ستستمر المفاوضات بين لبنان وكيان الاحتلال، طالما ان النزعة الحربية ما تزال تسيطر على  المستويين السياسي والعسكري في القيادة الاسرائيلية؟ وكيف سيوافق نتنياهو على وقف الحرب على لبنان وايران بعد كل الخسائر التي تكبدها سياسيا وعسكريا ما سيضعه لاحقا امام محاسبة سياسية وقضائية قد تقضي على مستقبله السياسي؟  

و حسب المتابعين، بدا واضحاً أن التساؤلات لن تجد الأجوبة الوافية والحاسمة بسهولة ودقة حول مسار التطورات التي سيسلكها الوضع في لبنان، في ظل مفاوضات لبنانية إسرائيلية منفصلة عن مسار المفاوضات الأميركية الإيرانية، ولكن من دون تجاهل ترابط ما في مناخ وأجواء وحسابات كل من المسارين. ويواجه لبنان خصوصيات حساسة  في المفاوضات، إذ إن جانباً إيجابياً برز في عودة لبنان إلى أجندة الاهتمامات الأميركية، خصوصاً أنه أمكن عبرها اختراق الانسداد الذي كان سائداً حيال طلب لبنان التفاوض كخيار لا بد منه لوقف الحرب، ولكن ذلك لا يخفي العوامل المثيرة للشكوك وعدم اليقين حيال ما يمكن أن تفضي إليه المفاوضات نظراً للتعقيدات التي تحوطها، لا سيما اعلان حزب الله رفضه التفاوض السياسي المباشر مع كيان الاحتلال، وما يمكن ان يحصل إذا اتت نتيجة التفاوض على غير ما يريد لجهة إلزام اسرائيل بمندرجات اي اتفاق يضمن انحساب قواتها من الجنوب وضمان عدم تجدد الاعتداءات واطلاق سراح الاسرى وعودة المهجرين قسراً من اهالي الجنوب والسماح بترميم ما تضرر واعادة اعمار ما تهدم. وهي نفسها المطالب – الشروط التي طالما اعلنها رئيسا الجمهورية والحكومة ولم تستجب لها اسرائيل.  

وكل ما امكن التوصل اليه بعد جولة المفاوضات الاولى التي اعتبرت تمهيدية ومخصصة لوضع الاطار العام للتفاوض قبل البحث في التفاصيل ومطالب وشروط الطرفين، هو كلام ايراني واميركي عن طلب الطرفين من اسرائيل إقرار وقف لإطلاق النار في لبنان لمدة أسبوع واحد، “كبادرة حسن نية تجاه الحكومة اللبنانية وأن الولايات المتحدة ترغب بتهدئة على جبهة لبنان للتركيز على المفاوضات مع إيران “. وكان يفترض ان تبدأ الهدنة يوم 15 نيسان – ابريل الماضي وتمتد حتى نهاية فترة وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة. لكن جيش الاحتلال الاسرائيلي واصل ضغطه العسكري على مدينة بنت جبيل وغاراته على قرى الجنوب والبقاع الغربي. مع تحييد بيروت والضاحية الجنوبية بناء لطلب الرئيس ترامب. وحسب المعلومات الاسرائيلية، “فإن اجتماع المجلس الوزاري الأمني ​​الإسرائيلي المصغر (الكابينيت) انتهى  من دون اتخاذ قرار بشأن وقف إطلاق النار في لبنان، وأنه برغم تصريحات الرئيس ترامب، فإن وقف إطلاق النار في لبنان لن يحدث، كما أعلنت قيادة جيش الاحتلال أنها لم تتلقَّ أي تعليمات من القيادة السياسية للاستعداد لوقف إطلاق النار في لبنان، مع عدم استبعاد وقف الهجمات في العمق اللبناني ضمن وقف محتمل لإطلاق النار مع استمرار الهجمات جنوب نهر الليطاني” .  

 وترافق الاعلان الاميركي عن الهدنة مع معلومات اسرائيلية عن حصول اتصال هاتفي بين نتنياهو والرئيس عون، وهو امر نفته اوساط رئاسة الجمهورية. لكن  مصادر دبلوماسية كشفت ان الجانب الأميركي والمنسقة الخاصة للأمم المتحدة جينين بلاسخارت يقومان بوساطة بين لبنان وإسرائيل لترتيب اتصال بين عون ونتنياهو.  ولاحقا نفت بلاسخارت اي دور لها في هذا التواصل. وبدا ان الهدف من هذه التسريبة هو إحراج الرئيس عون لدفعه الى مزيد من التواصل المباشر مع الكيان الاسرائيلي ومن دون اي شروط او مطالب او عوائق. 

الحصيلة، ان الصورة ما زالت ضبابية وغامضة والتصريحات لاميركية والاسرائيلية تحمل تناقضات كبيرة حول التهدئة او استمرار القتال، وهو امر يفتح الباب امام تاويلات كثيرة ليس اقلها ان الحرب الاسرائيلية على لبنان مستمرة ولو بنمط اخف من السابق، لان الهدف الابعد للحرب كما تقول كل الاطراف حتى اللبنانبة انهاء الوجود المسلح لحزب الله في لبنان، والتوصل الى اتفاقات لبنانية – اسرائيلية ذات طابع امني اولا تمهّد تلطريق لتفاوض سياسي حول اقامة سلام او اتفاغق عدم اعتداء وليس بالضرورة تطبيعاً كاملاً في الوقت الحاضر.