اقتصاد ما بعد الصدمة: هل يستعيد العالم توازنه مع صمت المدافع؟ 

“فاتورة سلام” لا تقل تعقيداً عن تكلفة الحرب… ملامح نظام دولي جديد تشكّله أزمة الطاقة 

تاريخياً، كانت الحروب تبدأ بطلقة وتنتهي بتوقيع، لكن في الاقتصاد المعاصر، لا تبدو النهايات بهذه البساطة. بينما كان يترقب العالم خطاب “ساعة الحسم” للرئيس الأميركي دونالد ترامب، وتتزايد الآمال في أن تنتهي العمليات العسكرية ضد إيران في غضون أسابيع قليلة، يبدو المشهد الاقتصادي العالمي وكأنه يستعد لمخاض عسير. فالسؤال لم يعد “متى تنتهي الحرب؟”، بل “ماذا سيبقى من النظام الاقتصادي الذي عرفناه قبلها؟”. إن الأسواق التي تنتعش حكماً لمجرد سماع بوادر التهدئة، تدرك في قرارة نفسها أن “فاتورة السلام” قد لا تقل تعقيداً عن تكلفة الحرب، وأن العودة إلى مستويات ما قبل فبراير (شباط) 2026 باتت طموحاً بعيد المنال في ظل جراح غائرة أصابت البنية التحتية والنمو في المنطقة. 

بين مطرقة التضخم وسندان الركود 

يصف خبراء صندوق النقد الدولي تداعيات الحرب الإيرانية بأنها “ضريبة مفاجئة وكبيرة على الدخل العالمي”. ورغم أن الحرب قد تشكل الاقتصاد بطرق مختلفة، إلا أن جميع المسارات تؤدي إلى حقيقة واحدة: أسعار أعلى ونمو أبطأ. في أوروبا، قفز التضخم في منطقة اليورو إلى 2.5 في المائة في مارس (آذار)، وهو أسرع معدل منذ عام، مما وضع البنك المركزي الأوروبي ورئيسته كريستين لاغارد في موقف حرج قد يضطرهم لرفع أسعار الفائدة إذا استمر التضخم فوق مستهدفه البالغ 2 في المائة. 

أما في الولايات المتحدة، فقد تجاوز متوسط سعر الغالون من البنزين حاجز 4 دولارات لأول مرة منذ عام 2022، مسجلاً قفزة بنسبة 35 في المائة منذ نهاية فبراير (شباط). هذا الارتفاع ليس مجرد رقم، بل هو “ضغط خانق” يجبر الأسر ذات الدخل المنخفض والمتوسط على تغيير عاداتها الإنفاقية، مما يجعل الاقتصاد الأميركي أكثر اختلالاً واعتماداً على إنفاق الأثرياء فقط. 

نزيف المنطقة 

خلف شاشات التداول الملونة بالأخضر والأحمر، تكمن مأساة حقيقية على الأرض رصدها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في تقاريره الصادمة. تشير التقديرات الأممية إلى أن الصراع المستمر قد أدى إلى نزيف اقتصادي حاد، حيث تُقدر الخسائر الإجمالية المباشرة وغير المباشرة في المنطقة بنحو 192 مليار دولار. هذا الرقم المرعب لا يمثل فقط قيمة الدمار الفيزيائي، بل يعكس الفرص الضائعة في النمو والاستثمار التي تبخرت منذ اندلاع الصراع. 

ويحذر البرنامج من أن الحرب قد تدفع  4 ملايين شخص إضافي في العالم العربي نحو خط الفقر، وأن الخسائر تؤدي إلى تراجع معدلات التنمية البشرية بما يعادل عقدين من الزمن في بعض المناطق. هذه الفجوة المالية الهائلة تعني أن التعافي لن يكون “ارتداداً سريعاً”، بل رحلة طويلة وشاقة لترميم اقتصادات استنزفتها تكاليف الحرب المباشرة وهروب رؤوس الأموال. 

تصدع الوضع الطبيعي 

يخطئ من يعتقد أن توقف هدير الطائرات فوق مضيق هرمز سيعيد أسعار الطاقة إلى خانة العشرينات أو الثلاثينات من الدولارات. إن التحذيرات الصارمة التي أطلقتها وكالة الطاقة الدولية والاتحاد الأوروبي والمؤسسات المالية المختصة تعكس واقعاً هيكلياً جديداً؛ فالحرب الإيرانية لم تكن مجرد اضطراب عابر في الإمدادات، بل كانت “زلزالاً” أعاد رسم خريطة تدفقات الطاقة العالمية. 

يعتبر المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية فاتح بيرول أن أزمة الطاقة الناجمة عن الحرب الإيرانية أسوأ من التأثير المُجتمع لأزمات النفط في سبعينات القرن الماضي، محذراً من أن حلها سيستغرق وقتاً طويلاً حتى لو انتهت الحرب قريباً، قائلاً: “سيستغرق الأمر بعض الوقت للعودة إلى الوضع الطبيعي الذي كنا عليه قبل اندلاع الحرب”. 

لقد تسببت الحرب في قفزات سعرية بلغت 70 في المائة للغاز و60 في المائة للنفط في القارة العجوز، وهي أرقام لا تُمحى بمجرد فتح الممرات المائية. إن شركات التأمين البحري، التي رفعت علاوات المخاطر إلى مستويات قياسية، لن تخفض رسومها بين عشية وضحاها. كما أن سلاسل التوريد التي اعتمدت على مسارات بديلة أكثر تكلفة، ستستغرق أشهراً، إن لم يكن سنوات، لإعادة ضبط عقودها الآجلة. نحن نعيش الآن في عصر “التضخم الهيكلي” المستدام، حيث أصبحت تكلفة تأمين الطاقة جزءاً لا يتجزأ من السعر النهائي للمنتج، سواء استمرت الحرب أو توقفت. 

ترجح “كابيتال إيكونوميكس” أن تبقى أسعار النفط مرتفعة حتى لو انتهت الحرب الإيرانية قريباً، وتشير إلى أن انسحاب الولايات المتحدة خلال أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع لا يزال يتماشى مع توقعاتها الأساسية لسعر خام برنت عند حوالي 80 دولاراً بحلول نهاية عام 2026، مما يُبقي على علاوة مخاطر الطاقة قائمة. وترى “كابيتال إيكونوميكس” أن السيناريو الأساسي قد يشمل أضراراً متوسطة في البنية التحتية للطاقة. 

لكن المعضلة لا تتوقف عند حدود المنطقة؛ فالحصار الفعلي الذي فرضه النزاع على مضيق هرمز طال عصب الغذاء العالمي. يمر نحو ثلث الأسمدة في العالم عبر هذا الممر الحيوي، ومع بداية موسم الزراعة في نصف الكرة الشمالي، فإن نقص الأسمدة اليوم يعني حصاداً فقيراً وأسعار غداء فلكية في الصيف والخريف القادمين. ولا يقتصر الأمر على الغذاء، بل امتد النقص ليشمل مواد صناعية حيوية مثل الهيليوم، والكبريت، والنافتة المستخدمة في صناعة البلاستيك، مما يهدد بتباطؤ الإنتاج الصناعي العالمي برمته. 

من “المضائق” إلى “المناطق الآمنة” 

لقد كشفت أسابيع الحرب عن هشاشة الاعتماد على ممرات مائية بعينها. وبينما كان العالم يحبس أنفاسه مع كل تهديد بإغلاق مضيق هرمز، برزت أهمية المشاريع الاستراتيجية التي راهنت على “أمن البدائل”. لقد نجحت السعودية، عبر تطوير خط أنابيب “شرق-غرب” للوصول إلى سعة 7 ملايين برميل يومياً، في خلق وسادة أمان منعت أسعار النفط من الوصول إلى مستويات كارثية. 

هذا التحول الجيوسياسي يعني أن الاستثمارات القادمة في قطاع الطاقة لن تتوجه فقط نحو زيادة الإنتاج، بل نحو “أمن المسار”. إن تصريح ترمب للحلفاء بضرورة “تأمين نفطهم بأنفسهم” ينهي حقبة الحماية الأميركية المجانية للممرات المائية، ويؤسس لواقع جديد تضطر فيه الدول المستهلكة (خاصة في أوروبا وآسيا) لتحمل تكاليف عسكرية وأمنية إضافية، ستنعكس حتماً على الموازنات القومية وأسعار المستهلك النهائي. 

الهروب إلى “الملاذات الحارقة” 

في ظاهرة اقتصادية تستحق التأمل، شهد شهر أبريل (نيسان) صعوداً متزامناً للذهب والأسهم، وهو أمر يخالف المنطق التقليدي للأسواق. بيد أن هذا الصعود لم يكن مفروشاً بالورود؛ فقد سبقه “مارس القاسي” الذي سجل فيه المعدن الأصفر أكبر انخفاض شهري له منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2008، فاقداً أكثر من 11 في المائة من قيمته. حينها، لم يشفع للذهب بريقه كملاذ آمن، إذ سحب الدولار البساط من تحت الجميع مع اندلاع الحرب الإيرانية في 28 فبراير (شباط)، وبرزت العملة الخضراء كـ “الملاذ الوحيد” وسط توقعات بسياسات نقدية متشددة ورفع وشيك لأسعار الفائدة. 

ومع تبدل النبرة السياسية في واشنطن وبوادر التهدئة، استعاد الذهب أنفاسه ليحلق في مستويات تاريخية، مدفوعاً بضعف الدولار وترقب السياسات النقدية للاحتياطي الفيدرالي الأميركي.  

ولم يتوقف الأمر عند الذهب؛ إذ دخلت سوق السندات العالمية نفقاً من التقلبات الحادة؛ فبينما ارتفعت العوائد على السندات قصيرة الأجل لتعكس مخاوف التضخم المستدام، شهدت السندات طويلة الأجل إقبالاً كـ “ملاذ آمن” من مخاطر توسع الصراع الجيوسياسي. 

هذا الارتباك في منحنى العائد يشير إلى أن المستثمرين لا يهربون من جبهات القتال فحسب، بل يفرون من “تآكل القوة الشرائية” الذي بات الشبح الحقيقي الذي يطارد المحافظ الاستثمارية. ومع استبعاد خفض أسعار الفائدة في ظل هذه الضغوط، يجد المستثمر نفسه أمام خيار أحلاهما مُر: هل يثق في انتعاش أسواق المال الآسيوية التي قفزت بآمال السلام، أم يحتمي بالسندات السيادية والذهب كدرع واقٍ من تقلبات السياسة “المزاجية” التي قد تعيد إشعال الصراعات –والتضخم– في أي لحظة؟ 

إعادة الحسابات 

بينما نستقبل شهر مايو، يدرك الخبراء أن صمت المدافع ليس إلا بداية لمعركة اقتصادية من نوع آخر. إن العالم الذي يطمح لاستعادة توازنه يواجه اليوم فاتورة باهظة من التضخم، والديون السيادية، وتغير مراكز القوة في الطاقة. السلام، وإن كان مرغوباً بشدة، لن يمحو أثر الـ 14 مليار يورو التي فقدها الاتحاد الأوروبي، ولن يعيد البنزين في أميركا إلى ما دون 4 دولارات بسهولة. 

نحن ندخل حقبة الاقتصاد الحذر، حيث ستكون الكلمة العليا للدول التي تمتلك سيادة الطاقة وتنوع المسارات. فهل ينجح العالم في ترميم ما أفسدته الحرب، أم أننا أمام ولادة نظام اقتصادي عالمي جديد، يكون فيه الأمن هو العملة الأكثر ندرة وغلاءً؟.