حصانة دولية لـ 39 شراعًا ثقافيًا في لبنان

درع “لاهاي” فوق قلاعنا:

​في لحظةٍ مفصلية من تاريخ الصراع مع النسيان والدمار، وفي خطوة استثنائية تكرّس مكانة لبنان الحضارية على الخريطة العالمية، انتزع لبنان اعترافاً دولياً يحوّل ممتلكاته الثقافية من “شواهد صامتة” إلى “محميات قانونية” محصنة بالشرعية العالمية. فقد أعلنت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة – اليونسكو عن إدراج 39 موقعًا أثريًّا وتاريخيًّا لبنانيًّا تحت بند “الحماية المعززة”، وهو أرفع وسام قانوني يمنحه بروتوكول لاهاي الثاني (1999) للمواقع التي تمثل قيمة إنسانية استثنائية لا تقبل القسمة أو التفريط.

​يأتي هذا القرار الصادر عن لجنة حماية الممتلكات الثقافية في حالة النزاع المسلح، كإعلان “سيادة ثقافية” في وجه العبث، وليمثل انتصارًا للدبلوماسية الثقافية اللبنانية، وتأكيدًا على أن الهوية الوطنية الراسخة في التاريخ هي ملك البشرية جمعاء لا يجوز المساس بها. فمن أعمدة بعلبك العصيّة على الزمن، إلى قلاع صيدون وصور التي تحرس الذاكرة المتوسطية، وصولاً إلى عنجر وجبيل ووادي قاديشا، باتت هذه الجغرافيا مغلفةً بتعهّدات دوليّة تُجرّم المساس بها عسكريًا أو لوجستيًا. وبالتالي، فإنّ دخول هذه المواقع إلى نادٍ ضيّق من المعالم العالمية المحمية، يضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لتنفيذ قوانينه، حيث يُصنّف أي اعتداء عليها كـ “جريمة حرب” تقع تحت طائلة الملاحقة الجنائية الدولية بلا تقادم.

​ما يميز هذا الإنجاز الثقافي هو شموليته، فهو لم يكتفِ بالمواقع الكبرى المدرجة أصلاً على لائحة التراث العالمي، بل مدّ ظله ليشمل معالم حضارية في العمق اللبناني، من الشوف إلى المتن وبيروت، مؤكدًا أن “الهوية اللبنانية” وحدة لا تتجزأ. إن هذه الخطوة تمنح المؤسسات اللبنانية الرسمية والأهلية “مظلة أمان” تتيح لها الولوج إلى برامج الدعم التقني والتمويل الدولي المخصص للصون الطارئ، والتوثيق الرقمي الذي يضمن بقاء هذه الكنوز حتى لو عصفت بها الأنواء. إننا اليوم أمام مشهدٍ ثقافي جديد، فلبنان الذي قدّم الأبجدية للعالم، يستعيد اليوم “حق الحماية” لهذا الإرث.

وبموجب هذا القرار، ستتلقى المواقع الخاضعة للحماية المعززة دعماً فنياً ومالياً وحماية قانونية، وتدابير استباق المخاطر وإدارتها، وتوفير تدريب إضافي للمختصين في المجال الثقافي والعسكري. كما تسهم الحماية المعززة في توجيه رسالة إلى المجتمع الدولي بأسره حول الحاجة الملحّة لحماية هذه المواقع.

وقالت اليونسكو في بيان: “تتمتع هذه المواقع الثقافية التسعة والثلاثون الآن بأعلى مستوى من الحماية القانونية ضد الاعتداء والاستخدام لأغراض عسكرية. ويُعدّ عدم الامتثال لهذه البنود انتهاكاً جسيماً لاتفاقية لاهاي لعام 1954 وبروتوكولها الثاني لعام 1999، ويشكّل أساساً محتملاً للمسؤولية الجنائية”.

تستكمل هذه المبادرة الطارئة الجهود التي بذلتها اليونسكو لحماية التراث الثقافي في البلدان المتضررة في الشرق الأوسط منذ بداية الحرب. وتعمل بتعاون وثيق مع وزارة الثقافة والمديرية العامة للآثار في لبنان لدعم حفظ المجموعات الأثرية والمتاحف بشكل آمن. وتمكنت اليونسكو حتى الآن من تأكيد الأضرار التي لحقت بمدينة صور اللبنانية، المُدرجة على قائمة مواقع التراث العالمي منذ عام 1984، بالإضافة إلى مواقع أخرى في الدول المجاورة.