“هذه الدارُ المهدّمة داري
وذاك الدمّ المسفوح عند النهر دمي
الطفلةُ المقتولة ابنتي،
والممسكُ بالسلاح في الغابةِ أخي،
أهلي بين النازحين،
والنازحون شعبي،
فكيف لا تكون هذه الحربُ حربي؟!”
بهذه الكلمات عبّر الروائيّ اللبنانيّ ابنُ مدينة صور الجنوبيّة “محمد طرزي”، عن موقفه المتعاطف مع شعبه وأهله في الحرب الشعواء والمُدمّرة التي شنّها العدوّ الإسرائيليّ على جنوب لبنان وضاحيته منذ مطلع شهر آذار العام 2026 وما زال حتى تاريخ كتابة هذا المقال، بحجة القضاء على الوجود المسلّح للمقاومة اللبنانية المتمثّلة بـ”حزب الله” والذي يهدّد بحسب الرواية الإسرائيليّة أمن إسرائيل، وهي التي لم توقف اعتداءاتها وانتهاكاتها منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي وُضع أواخر العام 2024!
ما الذي يفعلهُ الكُتّاب والمثقّفون في الحرب؟ سؤال يطرح نفسه في هذا المقال، ويستعين بتجارب ظهرت على مواقع التواصل الاجتماعي، هل يكفي أن يُنتج المثقف كتبًا وروايات وشعرًا! هل عليه حماية ذاته فينقلب على تاريخ أمّته؟! أم يهروّل إلى أماكن بعيدة لطلب الراحة والاستجمام، واستنزال مطر الأفكار الإبداعيّة؟ أيّ إبداع يتكوّن عندما يكون الكاتب مفصولًا عن تاريخ وواقع أمّته؟
وفي الواقع الأدبيّ اللبنانيّ، هناك كتّاب التمسوا في الصمت تعزية، هناك كتّاب لم يستطيعوا أن يتعاطفوا وألبسوا مواقفهم لباس الحياد، ومنهم من تطرّف في النقد فكان ذئبًا على الضحيّة ونعجة في حضرة الجلّاد.
مُقاربة..
على صفحتها في تطبيق الفيسبوك، نشرت الشاعرة اللبنانيّة: ” فرح شمّاع”
“تمامًا كما يُبرّر تحرّش الرجل بالمرأة
بحجة ثيابها،
ويُنسى الفعل ويُدان الجسد،
يُبرّر العدوان على شعب
بحجّة أنّه “استفزّ” قاتله.
ويُطمس تاريخٌ طويل من الخروقات والاعتداءات المستمرة
في الحالتين،
يُعاد تعريف الجريمة،
كي تناسب راحة المتفرّج،
ويُطلب من الضحية
أن تُعدّل وجودها
بدل ان يُطالب المجرم بكبح عنفه.
هذا منطق لا يصنع سلامًا
بل يعلّم الظلم كيف يصبح مقبولًا،
وكيف يُمارس بلا شعور بالذنب.”
عباس الحسينيّ وتاريخ جبل عامل..
منذ حرب الستين يومًا التي شنّها العدو الإسرائيليّ على لبنان العام 2024، حتى تكرارها بوتيرة أشدّ تدميرًا وتشريدًا لِآلاف العائلات، آثر الباحث والروائيّ اللبنانيّ عباس الحسينيّ، ابن بلدة النميريّة في الجنوب، على نفسه الحديث عن جبل عامل (التسمية القديمة للجنوب)، وقام بإعداد حلقات مسجّلة على اليوتيوب عن تاريخ وحوادث جبل عامل منطلقًا من إيمانه وشعوره بالواجب اتجاه توثيق هذه الأحداث لغرض أخذ العبرة في الحاضر، حلقات تناول فيها شيعة جبل عامل بين الأمس واليوم (على اعتبار الشيعة هم المكوّن الأساسيّ لهذه المنطقة، ولهم تاريخٌ ممتد في محاربة الاحتلال ومقاومة الظلم)، وعن النكبات التي تعرّض لها جبل عامل (نكبة وادي الحجير 1920، نكبة ناصيف النصّار، ..)، مستمرًا حتى تاريخه بالنشر والتوثيق وتحليل الأحداث بسطور مقتضبة، من حينه اختزل المأساة بعبارة ” علمني يا جبل عامل كيف أرثيك”، وقد دوّن تجربته في الحرب السابقة في رواية “الحرب بيننا يا حياة”، واليوم يتابع الحسينيّ ما بدأه ببث الوعي في منشورات قصيرة لم يفصل بها نفسه عن واقع الحرب القائمة ومن مكان نزوحه كتب: “شخصيًا، أشعر بالذل والقهر من التهجير والتعب النفسي والأرق وقلّة النوم بسبب بُعدي عن بيتي وضيعتي، وتوتر واضطراب بسبب تغيير عاداتي… جلّ ما أتمناه أن أكون في بيتي، جالسًا تحت شجرة الزنزلخت، أتناول القهوة، وأتمشى على أطراف الجبل، أتبادل الحديث مع جيراني…”.
الكاتب محمد طرزي: ” لا أريد أن أنجو وحيدًا!”
في حديث للحصاد عن دور الكاتب في الحرب، يرى الكاتب محمد طرزي: ” على المثقّف أن يكون شاهدًا، يوثّق ما يجري، ويفكّك الخطابات الدعائية؛ صوتًا يحمي المعنى الإنسانيّ من الانهيار. مع ذلك، قد يختار بعض الكتّاب التعبير بطرق أقل صخبًا أو أكثر مواربة، هذا لا ينتقص من التزامهم الأخلاقي. كما لا ينبغي الحكم على جميع الصامتين بالتقصير؛ فقد ينبع صمتهم من رفضهم لنهج معين، أو من اقتناعهم بأن هذه الحرب كان بالإمكان تجنّبها.”
منذ بدء هذه الحرب يواظب طرزي على النشرـ وإبداء تعاطفه ودعمه لقضيّة وطنه، ولحقّ الجنوبيين بالدفاع والتمسّك بأرضهم، مستثنيًا نفسه من أيّ تبعيّة سياسيّة أو حزبيّة، منطلقًا من قناعاته الأخلاقيّة:
“حين أعبّر عن موقفي، خلال تدمير البيوت وقتل الناس، لا ألتفت إلى الخلافات السياسيّة. وأجد أنّه من واجبي الوقوف ضد الغزاة كلّما اندلعت الحرب.”
ما الذي يمنع الكاتب وهو يتوجه في أعماله للناس أن يكون مع الناس وللناس؟! هل النأي بالنفس خيانة أو فعل نجاة برأيك؟ عن هذا السؤال يجيبنا طرزي:
“لا أميل إلى انتقاد الكتّاب الذين يختارون عدم الانخراط في الحرب القائمة، على الرغم من أنّني اتّخذتُ خيارًا مغايرًا. أرى أن لكلّ كاتب قضيته، التي غالبًا ما تدور حولها كتاباتُه وأفكاره، وقد يرى في بعض القضايا دهاليز تُشتّت جهده وتضعف قدرته على الانتصار لما يؤمن به.
في النهاية، من الصعب الحديث عن “المثقف المطلق”، والمتاح واقعيًا هو “المثقف المُمكن”، الذي يعمل ضمن حدودٍ يفرضها واقعه. “
ويضيف: “ليس بالضرورة أن يعدّ النأي بالنفس خيانة. فالصمت قد يكون اختيارًا لحيّز آخر يُعبّر فيه الكاتب عن موقفه بطريقة مختلفة. علمًا أن هناك لحظات مصيرية، يصبح فيها الصمت عبئًا أخلاقيًا، يصعب تبريره. “
يؤمن طرزي بما للكلمة من أثر في دعم أوقات الحروب وفي لحظات الخوف والقلق من المستقبل، ولذلك يقول: “هذا أقصى ما أستطيع أن أقدّمه؛ ضوءًا خافتًا، أنسجه لبعض التائهين في هذه العتمة. فأنا جزء من هذه المعاناة، لا أسعى إلى الابتعاد عنها، لا أريد أن أنجو وحيدًا؛ نجاتي ليست منفصلة عن نجاة الناس من حولي.”
عبد الرحمن جاسم: الحقّ هو طريق الثقافة ولا تحيد عنه
لم يُدخر عبد الرحمن جاسم الكاتب الصحفيّ وأُستاذ الكتابة الإبداعية في “دار المجمّع الإبداعيّ” في بيروت الحمرا، جهدًا بتحليل الوقائع ضمن إطار المصطلحات، وشرح ما يحدث بالرجوع إلى الكتب والمصادر العلميّة، وعن توصيف الوضع القائم، يقول: ” الحرب حدثٌ جلل. هذا الحدث مصممٌ لا لمجرّد قتلنا الجسديّ، بل أيضًا النفسيّ، والحياتيّ، واليوميّ والعاديّ أيضًا. باختصار: هو مصمم لتخريبنا، وهذا ما يريده العدو أصلاً من شنّه للحرب. أن يغيّر نمط اعتيادنا اليومي على الحياة. حتى الأشخاص البعيدون كل البعد عن سياق الحرب ونطاقها المدمّر الماديّ، تتأثّر حياتهم كثيراً بما يحدث، يتأثر نظام وقتهم، نومهم، شربهم ومأكلهم.”
يقرأ جاسم الواقع والتاريخ بعين الرقيب الخبير، فهو ليس من أنصار النظرة التفاؤليّة العاطفيّة، لذا وبكلّ وضوح يرى أنّ في عالمنا العربي كحضارة قائمة اليوم: ” ليس لدينا نخب مثقفة في الوضع/العصر الحالي” ويُعلّل ذلك:” منذ تقريباً أكثر من أربعين عامًا، تغيب النُخب عن أيّ دور مباشر وحقيقي في تطوير الحضارة المشرقيّة/العربيّة خصوصًا. دور المثقّف العربي ينحصر فعلياً في التطبيل للأنظمة، حضور المؤتمرات التي لا تفيد أحد شيئًا، والأهم الحصول على الجوائز والشهادات العليا. أما في القضايا الكبرى؟ غياب تام كما لو أنّهم غير موجودون نهائيًا. مثلاً 90% من الكتّاب ومدّعي الثقافة العرب لم يفتحوا فاهاً أو أشاروا إشارةً للحدث الفلسطيني منذ عامين وحتى اللحظة في غزّة. فهمت الأنظمة العربية أنَّ للمثقفين دورٌ كبيرٌ في مناهضتها، ودفع الناس للثورة ضدّها، فدجّنوهم بالمال أو بالتهديد، ومن هنا غاب دور هؤلاء كلياً، وما غيابهم اليوم سوى نتيجةٌ لذلك. “
فهو يؤكد أن دور المثقف الطبيعيّ الوقوف مع الحقّ في وجه الباطل، ” فلسطين هي قضية الحق، وعدوّها هو الباطل -أياً كان هذا العدو-. “فلسطين هي آخر احتلالٍ امبريالي غاشم ظالم على وجه الكرة الأرضية، بالتالي الوقوف ضده هو أكثر أمر منطقي، عقلاني”
ويصرّح بأنّ الكاتب الذي يقول رأيه بصراحة، سيُكلّفه ذلك أن يكون منبوذًا على صعيد حضور المهرجانات الأدبيّة والجوائز المرموقة، ومحاربته من قبل الأنظمة والمؤسسات.
وعن تجربته يضيف:” شخصياً، الأمر لا يعنيني، بالنسبة لرأيي أعتقد أنه معروفٌ للغاية، وأقوله كل يوم تقريباً على صفحات مواقع التواصل، ناهيك عن برنامجي السينمائي “عين الكاميرا” على شاشة تلفزيون العالم، وكلاهما له بعد ثقافي. أنا لا أفهم السياسة، كل ما أكتبه هو “ثقافة”، السياسة تعني تغليب المصلحة الشخصية على الحق، فالكلمة أتت من تعبير “ساس الخيل” أي قادهم لموقع الماء -أو أي موقعٍ آخر- هذا بافتراض هنا النية الحسنة لمن يقود هذه الخيل، ماذا لو كانت نيته شراً؟ إذا “الساس” هنا معناها يحتمل السوء قبل أي شيء، لأنها مرتبطة بالنية. أما الثقافة، فهي لا شأن لها بكل هذا: الثقافة -كما أقول دائماً لمتدربي في ورشة الكتابة الإبداعية- الحق هو طريقها، ولا تحيد عنه، ولا تعرف غيره”.
ويختم كلامه: “بقيت نقطة أخيرة، بالنسبة للمستقبل، إن أشدّ لحظات الليل حلكةً هي آخره، وبعدها ينبلج الفجر، نحنُ في أيامٍ من هذا النوع، بالتالي إن شاء الله لن يكون إلا الحق منتصرًا.”
الشاعرة حنان فرفور؛ المحابرُ الجنوبيّة عبوات ناسفة حينًا ونوافذ ضوء..
لم تنغلق الشاعرة حنان فرفور على معاناتها، وهي ابنة بلدة العباسيّة قضاء صور، وقد نزحت قسرًا بعيدًا عن مدينتها، فشاركت حزنها وأبدعته أبياتًا ونثرًا يحاكي أزمة الوعيّ الحاصلة وما أفرزته الحرب من بغضاء ونقمة داخليّة، فكانت صوتًا هادئًا على الرّغم من الغضب، روّضته بالحكمة وبلغة ناعمة بعيدًا من الاستفزاز وإطلاق الأحكام والتفرّد بالرأيّ.
في حديثها للحصاد تقول: “نحن في لبنان وتحديدًا في الجنوب اللبنانيّ، مذ خلقنا، كنا في قلب المعاناة، لا ينفصل الحبر كما لا ينفصل الدم الجنوبيّ عن المعاناة التي ورثنا صليبها عن أجدادنا، حملنا في جيناتنا معاني الرفض والاستعداد للتضحيات الجِسام لأجل أرض حكمت جغرافيّتها وجيرتها المرّة أن تظل مطمعًا يدغدغ أحلام المستعمّر والمحتل والمنتدب…لذا تصبح المحابِر الجنوبيّة وما أكثرها عبوات ناسفة حينًا ونوافذ ضوء أحيانًا، والكاتب الذي ينأى بنفسه وينجح في بتر الجنوب من جسد نصّه سيكتب نعم ولكن بحبر نصفه ماء ونصفه رمل، فلا هذا يبقى ولا ذاك يعيش..”
تؤمن فرفور بوجوب اشتباك المثقف وانخراطه في قضايا مجتمعه وأمّته، لأن أزمة الإنسان المعاصر برأيها هي أزمة البحث عن المعنى في خضم عالم ماديّ متوحّش سقطت فيه القيَم الأخلاقيّة والروحيّة، لذا من واجب المثقف اليوم أن يحاول ما استطاع تقويم هذا الانحراف الحاد في المفاهيم الإنسانية البديهية.”
وترى أنّه من “أوجب الواجبات أن يتصدى المرء القارئ والمفكر لسرديّة المحتل وخطاب الرأسماليّة وكذب الأقنعة الغربيّة التي صدعت رأسنا بعد الحرب العالمية الثانية بالحقوق والحريات وما كانت في الحقيقة سوى سلم لديموقراطياتها الزائفة من أجل السيطرة الأحاديّة على عالم فُطر على التعدد”.
وتختُم: “قدر الأرواح المظلومة أن تتحرّر وقدر الجنوب أن يظل قربانًا للمجد وقبلة للأحرار، إنّ ترابًا جُبِل بدمّ الشّهداء لن يحمل الطغاة ولن يحتملهم.”
لوركا سبيتي: شخصيّة جدًا
الإعلامية والشاعرة والقاصّة اللبنانية الجنوبيّة لوركا سبيتي، لم تتوان عن إعلان موقفها الداعم للبنان في حربه مع الطغيان، وحرصت على إظهار تعاطفها وتضامنها مع المظلومين، وأمام هول المجزرة التي ارتكبها العدوّ الصهيوني في مدينة بيروت بتاريخ 8 آذار، هنا مقطع من نص نشرته على صفحتها الفيسبوكيّة:
“مشكلتي مع العدو الإسرائيليّ… شخصية جداً.
كمن قُتل مرتين…
مرة بالقصف…
ومرة حين يُطلب منه أن يشرح لماذا لا يزال مقاوماً.
عدوي… يتكلم بثقة، يقتل بثقة، ويُبرَّر له.
وأنا…يُطلب مني أن أخفض صوتي، أن أُسلّم سلاحي،
أن أستسلم.
عدوي… يأخذ أرضي وبيتي وحياتي،
ويُصرّ أن يُقنعني أن ما أخذه ليس لي.
يقتل…ويقتل…
والثأر سيكون شخصيّا جدًّا”..
