بين انتفاء إرادة المتقاتلين نحو السلام ورفضهم التفاوض، وتراجع الاهتمام العالمي
“لا تفاوض ولا سلام مع قوات الدعم السريع، لن يستطيع أحد فرض حلول لا ترضي السودانيين”.، “نسعى لسلام دائم يضمن استقرار السودان بلا إخوان، لا نريد لهذه الحرب أن تستمر، لكن لو استمر الجيش بها 40 سنة فستستمر لغاية اقتلاعهم من جذورهم”.. تصريحان لقائدي الحرب المتقاتلين في السودان؛ أولهما على لسان عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة في السودان، والثاني صادر عن حميدتي قائد قوات الدعم السريع، وهما يعكسان مدى استحكام الخصومة والعداء وتأزم الوضع في السودان وارتباط مصير الملايين من الشعب السوداني بقرارات تحكمها إرادة الجنرالاين المتصارعين ورغبة كل منهما في فرض رأيه وبسط نفوذه، ولدى كل منهما قناعة أنه على حق.
منعطف خطير ومرحلة أكثر دموية
لم يكتف الخصمان بثلاثة أعوام من الحرب التي أغرقت السودانيين في بحور من الدم، بل عقدا العزم على المضي قدما في الاستمرار والدخول في السنة الرابعة التي تشهد الحرب فيها منعطفا خطيرا مع ظهور متغير جديد في ساحة المعركة يتمثل في سلاح المسيرات الذي انتشر استخدامه بين السودانيين بشكل ملحوظ في الأونة الأخيرة، وساهم في إطالة أمد الحرب واتساع رقعتها، مما أدى إلى تراجع الآمال لدى الشعب السوداني في استعادة السلام والأمان على المدى القريب. لقد أدى وصول هذا السلاح لأيدي المتقاتلين إلى زيادة خطورة الأوضاع خاصة على المدنيين بعد أن صارت كل المواقع بمثابة ساحات للقتال، وهو ما أكدته تقارير أممية.
وكانت أخبار عسكرية وردت عن تطور منظومات الدفاع الجوي السودانية وقدراتها على رصد وإسقاط المسيرات “المعادية” مع تصاعد استخدامها في العمليات العسكرية في الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع خاصة في ولاية كردفان والخرطوم. وأعلنت الأمم المتحدة عن سقوط 880 مدنيًا على الأقل قُتلوا في ضربات بطائرات مسيّرة في السودان بين يناير وإبريل من العام الجاري، وحذرت من أن هذا السلاح يدفع الصراع نحو “مرحلة جديدة أكثر دموية” بحسب تقاريرها.
على مدار سنوات الحرب الثلاثة الماضية شهد السودان عدة مجازر كان من أبشعها ما حدث في منطقة الفاشر في ولاية دارفور تحت سمع وبصر العالم كله ودون أن يحاسب المجرمون على جرائمهم. لقد كشفت البعثة الدولية لتقصي الحقائق في السودان عن جرائم إبادة جماعية ارتكبتها قوات الدعم. وأكد مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان أن ما لا يقل عن 4400 شخص قُتلوا في مدينة الفاشر وحدهاخلال الأيام الثلاثة الأولى من هجوم قوات الدعم السريع في أكتوبر الماضي، بالإضافة إلى أكثر من 1600 آخرين قتلوا أثناء فرارهم، بينما يتضاعف العدد مع استمرار الجرائم وصمت العالم.
ومع استمرارية هذه الحرب وما تشهده من مجازر ضد السودانيين تزداد الأمور تعقيدا على الصعيدين العسكري والسياسي خاصة مع اتساع رقعة المواجهات بما يعرقل جهود الإغاثة ويزيد من خطورة الضغوط الإنسانية الأمر الذي أثار التحذيرات الدولية من تفاقم الوضع لأزمة توصف بأنها الأسوأ في تاريخ الإنسانية.
وتشير التقارير الأممية أن هناك ما بين 25 و 35 مليون سوداني بحاجة ملحة إلى مساعدات إنسانية، منهم ما يزيد عن 20 مليون عرضة للموت جوعا، في وقت تجاوز عدد النازحين 13 مليون شخص لنصبح أمام أكبر أزمة نزوح عالمية وأكبر مأساة إنسانية في العالم.
إهمال..أم نسيان !
ورغم هذه الأوضاع الكارثية والمأساة الإنسانية غير المسبوقة، لم تسجل التقارير إجراءات قوية ولا مواقف صارمة تجاه محركي الأحداث في السودان عدا الشجب والتنديد، بينما تراجع الاهتمام الدولي والعالمي بالأزمة السودانية، في ظل اهتمام عالمي بقضايا أخرى في قلب الشرق الأوسط.
فمن سوء حظ السودانيين اشتعال حربين ساخنتين في المنطقة بالتزامن مع حربهم؛ هما حرب غزة وحرب إيران، اللتان سرقتا الضوء والاهتمام الإعلامي والدولي دون إعطاء الأولوية المطلوبة للأحداث الجسام في السودان المشتعل ودون الاهتمام الكافي والعمل على التدخل لرفع المعاناة عن ملايين الضحايا الأبرياء لهذه الحرب، والتي بدت كما لو كانت خرجت من دائرة الضوء إلى ركن الإهمال وربما سقطت في غياهب النسيان في بعض الأحيان.
وتؤكد الأرقام الواردة في تقارير الأمم المتحدة هذا التراجع، ما دفع المنظمة الدولية إلى التنديد بتحول الأمر إلى أزمة إهمال على حد قول المنسقة الأممية للشؤون الإنسانية في السودان دينيس براون وهي تطالب العالم بسرعة تمويل الحدّ الأدنى من الاحتياجات الأساسية للسكان. وكشفت براون عن مستوى الإهمال المؤسف للأزمة السودانية لدى المجتمع الدولي حينما قالت أن نداء جمع تبرعات بقيمة 2.9 مليار دولار، أطلقته الأمم المتحدة للسودان لعام 2026، لم يلق سوى تمويل بنسبة 16% فقط، مع تقلص المساعدات الإنمائية وخفض الميزانيات لدى العديد من الدول المانحة ومنها ألمانيا على سبيل المثال التي خفضت مخصصاتها للمساعدات الإنسانية العالمية بأكثر من النصف منذ عام 2025.
ومع دخول الحرب في السودان عامها الرابع دون حسم يطرح السؤال نفسه مرسوما على وجوه كل السودانيين؛ إلى متى يستمر هذا الوضع وتستمر مأساتهم؟ وما هي الأسباب الكامنة وراء استمرار حرب الجنرالات؟ ولمصلحة من؟
منذ منتصف إبريل 2023 يشهد السودان حربا داخلية بسبب مباشر هو الصراع العسكري على السلطة بين القوات المسلحة السودانية بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، وهو الصراع الناتج عن خلافات حول دمج القوات وهيكلة الجيش والتنافس على الموارد والنفوذ السياسي والاقتصادي. وعلى مدار تلك الفترة فشلت محاولات الاحتواء ورأب الصدع ووقف القتال ولو في صورة هدنة مؤقتة لأسباب إنسانية. كما شهدت الفترة الأخيرة تعثر المفاوضات وضعف المبادرات وتراجع زخمها الدولي خاصة بعد اشتعال الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
ساحة للصراعات الإقليمية
يأتي ذلك في الوقت الذي يدفع فيه السودان ثمنا باهظا بتحول أرضه إلى ساحة للصراعات الإقليمية التي ارتبطت بتدخلات خارجية لعبت دورا خطيرا في زيادة اشتعال المعارك بين طرفي الحرب. وهنا يكمن سبب استمرار الحرب طيلة هذه الفترة.
لقد انعكس ارتباط حسابات المصالح، وفق الصراعات الإقليمية لدى بعض الدول بمواقفها من الأطراف المتقاتلة، سلبا على تعميق الأزمة وعدم الحسم، وجعل السودان ساحة للصراعات الإقليمية بشكل أدى إلى ضبابية المشهد المستقبلي.
وهناك من يرى أن تلك المواقف الخارجية – وخاصة من الدول الكبرى- لعبت دورها السلبي في تعريض حياة السودانيين للخطر في بعض المواقف حينما غضت الطرف عن التدخل لمنع بعض الجرائم رغم وجود مؤشرات تشي بعلم تلك الأطراف باحتمالات حدوثها. وهو ما يؤكده إعلاميون سودانيون منهم حسام محجوب الذي عبر عن ذلك في مقال بصحيفة الجارديان البريطانية وأشار إلى إحدى الوقائع الكارثية في السودان، التي كان من الممكن تجنبها، وهي مجزرة الفاشر بعد سقوطها في أيدي قوات الدعم السريع، وقال أنه كان بالإمكان تجنب هذه المأساة لو اتخذت القوى الكبرى القرارات الصحيحة في الوقت المناسب، مشيرا إلى إخفاق المجتمع الدولي في منع الكارثة الدموية على حد وصفه. وهو ما يعكس أهمية الدور الخارجي وتأثيره على مجريات الأحداث في الداخل السوداني وخاصة اتجاهات الحرب الأهلية الدائرة بين الجيش وقوات الدعم السريع.
وجاءت اتهامات وزير خارجية السودان محيي الدين سالم، في مؤتمر صحفي بالخرطوم، لكل من الإمارات وإثيوبيا بالهجوم على مطار الخرطوم بطائرات مسيرة مؤكدة لذلك. ومن نفس المنطلق صدر قرار الخرطوم في السادس من مايو 2025 بقطع العلاقات الدبلوماسية مع الإمارات، متهمة إياها بتسليح قوات الدعم السريع.
وعليه فإن السودان لم يتضرر فقط من الإهمال أو تراجع الاهتمام الدولي بأزمته، وإنما زادت محاولات التدخل الخارجية للعبث في أمنه ووحدته، بشكل أدى إلى تعميق أزمته وزيادة معاناة شعبه.
الوضع في الميدان
بالنظر إلى الوضع الحالي في السودان وتطورات الحرب بها تبدو هناك ملامح أساسية يمكن تلخيصها في هذه النقاط:
- حدوث تصعيد خطير في بعض الأقاليم ومنها إقليم النيل الأزرق بعد توسع القتال فيه عقب سيطرة قوات الدعم السريع على مناطق قرب الحدود مع إثيوبيا.
- سيطرة حالة من الانسداد السياسي والاستعصاء الميداني على المشهد العسكري في السودان مع تشدد طرفي القتال في الاستمرار في عدم إنهاء الحرب إلا بتحقيق كل منهما هدفه والذي يتمثل في القضاء على الآخر.
- تحول صراع الجنرالات إلى حرب استنزاف حيث يسعى كل طرف لتعزيز موقعه عند أي تفاوض، دون أن يدري -أو ربما يدري ولكن لا يهتم- أنه يستنزف مقدرات السودان وحياة أهله.
- يتزامن مع ذلك تعدد المجموعات المسلحة ذات الأجندات الخاصة، كما تتداخل معها المصالح القبلية والتدخلات الخارجية التي تعمل كلها على مزيد من اشتعال الأوضاع.
- في المقابل نجد هناك تعدد غير فعال لمبادرات السلام، تشتت معه جهود الوساطة الدولية والإقليمية ومنها منبر جدة، الاتحاد الإفريقي، والإيغاد، بجانب جهود فردية من بعض الأطراف الإقليمية لحلحلة الوضع ومنها مصر والسعودية اللتان تعملان للدفع نحو ا لتهدئة، ولكنها جهود غير كافية وتتطلب دعما إقليميا ودوليا مشتركا حتى يتم تفعيلها. وفي نفس الوقت اكتفت الخارجية الأمريكية بتصنيف جماعة الإخوان في السودان كيانا إرهابيا، وفرض عقوبات على شبكة تجند مقاتلين كولومبيين في قوات الدعم السريع.
- أدى كل ذلك إلى انهيار الخدمات في ظل الدمار الواسع الذي خلفته الحرب، إلى جانب مزيد من التردي في الأوضاع الإنسانية وانتشار المجاعات وتهديد الجوع لأربعة ملايين طفل.
وداخل هذه الملامح تكمن أسباب استمرار الحرب في السودان حتى اللحظة وفي مقدمتها التحول من صراع داخلي إلى حرب استنزاف بين خصمين يسعى كل منهما لتعزيز موقعه التفاوضي بالعمل على السيطرة على مزيد من المواقع الاستراتيجية خاصة تلك التي تحتضن حقول النفط أو المدن المحورية كالأبيض، ما يعني استمرار الاقتتال، وعدم وجود قناعة لديهما للتفاوض.
وساعدهم في ذلك بعض القوى الإقليمية التي تتيح لهم سلاسل الإمداد بما يعطيهم القدرة على تعويض الخسائر بسرعة والحيلولة دون سقوطهم، فلكل طرف من طرفي الحرب وجهاته الإقليمية التي يتلقى منها ذلك الدعم. وفي ذلك ساهم صراع المحاور الإقليمية على استغلال الفوضى السودانية للدخول وممارسة نشاطها وفق مصالحها ومن ثم تقوم بتوجيه دعمها لأحد طرفي القتال ما يبقي الوضع العسكري على ما هو عليه دون منتصر.
ومن جهة أخرى فإن تعدد مبادرات السلام وعدم توحيدها أدى إلى تشتيت جهود الوساطة، ونزع فاعليتها في قدرتها على الضغط على طرفي القتال لوقف الحرب.
المستقبل ومعوقات السلام
في ظل هذا الوضع الميداني لصراع الجنرالات لا تلوح علامات السلام في الأفق القريب حيث توجد معوقات كثيرة تقف كحجر عثرة أمام الوصول لمرحلة إنهاء الحرب. تأتي في مقدمة هذه المعوقات التطور النوعي في الأسلحة المستخدمة في الحرب سيما بعد استخدام الطائرات المسيرة التي جعلت ساحة الحرب أكثر اتساعا وفتحت شهية الطرفين المتقاتلين للإصرار على استمرار الحرب طمعا في المزيد من المكاسب الاستراتيجية والاقتصادية، ومن ثم لا توجد إرادة حقيقية للسلام في الوقت الحالي على الأقل. كما أن وجود أكثر من 70 حركة مسلحة مشاركة في الحرب أدى إلى تشابك القوى السياسية والمسلحة في الصراع على الموارد دون اهتمام بالأزمة السياسية محل الصراع وحلها.
وهناك من يرى دورا مؤثرا للحركة الإسلامية في السودان في تقويض جهود السلام وتعقيد المبادرات الدولية، وهي حركات تعمل في الغالب بدعم أو تواصل مع أطراف خارجية لها أجنداتها الخاصة بصرف النظر عن مصلحة الشعب السوداني. كما أدت الأزمة الإنسانية في بعض المناطق السودانية المحاصرة إلى تأجيج الصراع العرقي والقبلي نتيجة نقص الغذاء وصعوبة وصول المساعدات، بما لا يدع فرصة لوقف القتال.
ومن ثم فإن الورقة الباقية هي ورقة الضغط الدولي وقد فشلت أيضا حتى اللحظة في فرض تسوية نظرا لتفاوت المواقف الدولية والإقليمية من طرفي القتال وعدم وجود إجماع دولي على وقف الحرب. وما زاد الأمر سوءا هو انشغال العالم أجمع بما يحدث عند مضيق هرمز من صراعات فرض النفوذ بين إيران وأمريكا وتوابع ذلك على الاقتصاد العالمي والخسائر التي منيت بها الدول جراء حالة الجمود التي فرضتها حرب الشرق الأوسط. وبالتالي تراجع الاهتمام العالمي بالوضع في السودان.
وختاما
يبقى الوضع في السودان على ما هو عليه إلى حين، حتى تتغير المعطيات الخارجية ويعود الاهتمام العالمي وتتحرك الإرادة الدولية لحل أزمة السودان بجدية وحسم من فرض ضغوط قوية وفعالة لوقف الحرب.
