المؤتمر الثامن في العقد السابع!

 بعد تأخير لعامين ونصف بسبب حرب الإبادة التي شنتها اسرائيل عقدت حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح مؤتمرها الثامن بعد أن كان قد تقرر عقده في  ديسمبر عام 2023 ، المؤتمر الذي سبق ” السابع ” كان قد عقد في عام 2016 وهذا هو المؤتمر الثامن للحركة التي انطلقت في يناير 65 ووفقاً لنظامها الداخلي ينص على أن تعقد  الحركة مؤتمراً كل خمس سنوات لكن ذلك لم يحدث في واقع فلسطيني تعتبر الانظمة والدساتير جزء من بنية العمل السياسي لكن الإلتزام بحرفيتها شأناً آخر كان يتم تبريره بالعادة بإسم الثورة والعمل السري .

 هذا هو المؤتمر الثالث الذي تعقده حركة فتح في الداخل الفلسطيني بعد خمسة مؤتمرات خارج البلاد آخرها كان الخامس في تونس عام 1989 وللمصادفة كانت الخمسة الأولى في عهد الرئيس الراحل للحركة وزعيمها التاريخي ياسر عرفات فيما الثلاثة التي تلتها عقدت في عهد خليفته محمود عباس وما بين الخامس في تونس والسادس الذي عقد في بيت لحم 2009 مرت عشرون عاماً بلا مؤتمر أرغمت ضرورات الحركة حينها منها غياب عدد من أعضاء اللجنة المركزية وعلى رأسهم ياسر عرفات بالوفاة إلى عقده .

خلال عهد الرئيس عباس عمل الرجل على تشديد قبضته على الحركة حيث يتهم معارضو الرئيس الفلسطيني أنه عمل على اعادة هيكلة الحركة بما تضمن تفرده في قيادتها دون معارضة تذكر وأن المؤتمرات الثلاثة بما فيها هذا الأخير الذي انتهى في السادس عشر من مايو كان يشبه إلى حد ما تلك المؤتمرات بالإضافة إلى نجاح ياسر عباس إبن الرئيس الفلسطيني بعضوية اللجنة المركزية وهي أعلى هيئة قيادية في الحركة .

عقد المؤتمر في أربع قاعات متزامنة وبحضور 2643 عضواً يحق لهم الإقتراع واحدة في غزة التي تعرضت للإبادة بحضور 386 منتسب وقاعة في لبنان بحضور 164 منتسب للحركة وقاعة في القاهرة بحضور 365 من المنتسبين أما القاعة المركزية حيث يتواجد الرئيس وطواقم القيادة فقد كانت في رام الله وبحصة الأسد من الأعضاء الذين بلغ عددهم 1728 منتسباً لذا كانت نتائج الإنتخابات تتلاءم مع توزيع الثقل ليتضح من توزيع اللجنة المركزية الثمانية عشر المنتخبين أن حصة الضفة العربية كانت أربعة عشر عضواً فيما فاز أربعة أعضاء من قطاع غزة وللمرة الأولى لم ينجح أي من مرشحي الخارج لكن النظام الذي يحدد أعضاء اللجنة المركزية بواحد وعشرين ثمانية عشر منهم بالإنتخاب وثلاثة يتم تعيينهم ربما بذلك يتم تعويض الخارج وكذلك حرصت حركة فتح دوماً على تمثيل مسيحي في اللجنة المركزية وهذا أيضاً يتم تعويضه بالتعيين .

في الجلسة الإفتتاحية للمؤتمر في رام الله قدم نائب الرئيس الفلسطيني حسين الشيخ وأمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير اقتراحاً بإعادة انتخاب الرئيس محمود عباس رئيساً للحركة وقد تم ذلك بلا معارضة وبلا منافسة كما يحدث مع الزعماء العرب في أحزابهم ثم أسفرت الإنتخابات عن تغيير تسعة من الأعضاء القدامى منهم اثنان كانوا قد غابوا بوفاة طبيعية وسبعة سقطوا في الإنتخابات منهم معظم أعضاء قطاع غزة اسماعيل جبر وروحي فتوح وصبري صيدم فيما حافظ أحمد حلس على مقعده بينما في الضفة الغربية سقط القيادي التاريخي عباس زكي وكذلك القيادي البارز عزام الأحمد وتم انتخاب الرجل القوي في الضفة مدير المخابرات العامة ماجد فرج وحافظ الأسير المناضل مروان البرغوثي على مكانته في المكان الثاني لكن اللافت أن تضم اللجنة المركزية الجديدة اثنان من الشباب الأسرى المحررين تيسير البرديني من قطاع غزة وزكريا الزبيدي القيادي السابق في العمل المسلح في الضفة الغربية وأحد أبطال عملية سجن جلبوع التي نجح خلالها ستة من أسرى من الفرار بعملية معقدة حفروا نفقهم بالملاعق قبل أن تتمكن اسرائيل من إعادة إلقاء القبض عليهم ثم يطلق سراحهم في عملية تبادل مع جنود اسرائيليين أسرتهم حركة حماس في عملية السابع من أكتوبر .

يبلغ عمر الرئيس الفلسطيني أو الموجه العام لحركة فتح وفقاً للتسمية التنظيمية تسعون عاماً وهو عمر متقدم يفتح مجالاً للتكهنات حول صراع الوراثة عزز ذلك مفاجأة دخول الإبن ياسر عباس ليعيد للذاكرة ظواهر حدثت في بعض المناطق العربية عدي صدام في العراق وجمال مبارك في مصر وسيف القذافي في ليبيا أحمد علي صالح في اليمن قبل سقوط الآباء وإن كان هناك من ينفي الأمر وبأن ياسر عباس لا يطمح للرئاسة لكن يبقى هذا التقدير ضعيفاً أمام الإستدعاء المفاجيء للإبن فقبل أشهر لم يكن الامر مطروحاً على الإطلاق فقد ظهر فقط قبل حوالي شهر .

حركة فتح الحركة التي قادت الحركة الوطنية الفلسطينية منذ معركة الكرامة عام 1968 التي تصدت فيها قوات فلسطينية يقودها الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات لإجتياح اسرائيلي في منطقة الكرامة الأردنية لتنتشر بعدها وتتسلم قيادة منظمة التحرير والكفاح الفلسطني والبرنامج السياسي الفلسطيني الذي شهد تحولاً من تحرير فلسطين التاريخية كل فلسطين نحو ما عرف بالبرنامج المرحلي بإقامة دولة فلسطينية على أية أرض يتم تحريرها وعلى أثره ألقى ياسر عرفات خطابه التاريخي في الأمم المتحدة عام 1974 قبل ثماني سنوات من المعركة الأبرز مع اسرائيل عام 1982 في لبنان والتي استمرت ثمانية وثمانون يوماً وانتهت برحيل حركة فتح من ذلك البلد  نحو تونس المستقر الجديد الذي ستبدأ منه فتح مشوارها السياسي بعد إدراكها لحدود السلاح والتغيرات في البيئة العربية في غير صالح الفلسطينيين .

شهدت الحركة في تاريخها الطويل عدداً من الهزات والتحولات التي أثرت على مسارها ولعبت دوراً في تغيير بعض هوية الحركة التي انطلقت كحركة مسلحة في مؤتمرها الاول الذي عقد في دمشق أواخر عام 64 إلى حركة سياسية تدعو للكفاح الجماهيري  في مايو 2026 وما بين المؤتمر الأول والثامن جرت مياه كثيرة في نهر الحركة أحدثت كل تلك التغيرات لم تستطع خلالها الحركة مقاومة عوامل التعرية التاريخية والسياسية والجغرافية والبيولوجية أيضاً كانت المحطة الأبرز عام 1993 حين أقدمت الحركة على مغامرة تاريخية بتوقيع اتفاق أوسلو الذي نص على إقامة سلطة تدير الفلسطينيين في الداخل تتولى حركة فتح إنشائها ونص أيضاً على البدء بمفاوضات مع اسرائيل وأن تتوقف المنظمة التي تقودها حركة فتح عن العمل المسلح معتمدة الحوار مع اسرائيل هذا فرض تحولاً هائلاً يفرض على الحركة المسلحة أن تنحي سلاحها جانباً وأن تتحول من ثورة بثقل مسلح في مؤسساتها يقوم بفعل الصدام مع اسرائيل إلى مؤسسة مدنية تدير شؤون الفلسطينيين وتلك أدوار لم تعتادها الحركة ولم تكن مؤهلة لها وبفشل مشروع التسوية مع اسرائيل كانت الحركة تخسر من رصيدها لصالح قوة صاعدة هي حركة حماس التي قدمت بديلاً عسكرياً للصدام لتعبئ فراغاً تركته حركة فتح كان هذا الصعود يبلغ ذروته في الإنتفاضة الثانية التي بدأها ياسر عرفات لتلتقط حركة حماس الفرصة لتجسيد رؤيتها المسلحة وفي إطار منافسة تثبت فيها جدارة موقفها وموقعها وهو ما اتضحت نتائجه في انتخابات عام 2006 التي فازت بها الحركة الإسلامية في انتخابات المجلس التشريعي .

هذا الفوز أحدث زلزالاً في الحالة الفلسطينية ورجة عنيفة لحركة فتح ودفعها للمعارضة وهو الدور الذي لم تعرفه منذ بداية الثورة وهي تتزعم منظمة التحرير التي تنطوي تحتها كل الفصائل منذ ستينات القرن الماضي لكن الوضع الملتبس الذي كانت به الحركة أن حدث فوز حماس في ظل أن فتح كانت قد فازت بالرئاسة في انتخابات العام الذي سبقة ليصبح الوضع الفلسطيني في غاية التعقيد حماس شكلت حكومة لكنها معارضة للرئاسة صاحبة الصلاحيات وفتح التي تقود السلطة من خلال الرئاسة لكنها معارضة للحكومة هنا التبس الأمر أكثر على حركة فتح التي كانت تقوم بدور السلطة والمعارضة في آن واحد فعجزت أن تكون سلطة وكذلك فشلنت في أن تكون معارضة وهنا حدث الإنقسام الكبير الذي قامت خلاله حركة حماس بعد صدام مع الشقيقة الوطنية فتح بطرد الاخيرة من قطاع غزة والإستيلاء على السلطة التي كان مركزها القطاع .

وبقدانها لغزة فقدت فتح جغرافيا النشأة التي لعبت الدور الأبرز في تشكيل الهوية الفتحاوية فقد تأسست الحركة على يد مجموعة من اللاجئين الفلسطينيين الذين لجأوا إلى القطاع اثر نكبة عام 1948 وضمت الخلية الأولى للجنة المركزية العدد الأكبر من أبناء القطاع منهم ياسر عرفات وصلاح خلف وخليل الوزير وصبري صيدم وأبو يوسف النجار وقد حملت الحركة سمات الشخصية الغزية المندفعة الكفاحية وحين انتقالها للضفة الغربية ونقل مركز الثقل القيادي هناك كان لا بد وأن تشهد الحركة قدر من التغير في هويتها التي ولدت بها مندفعة تمتشق سلاحها نحو تحرير الوطن فالصدام جزء من شخصية تلك المنطقة الساحلية التي شاء قدرها أن تضم الكتلة الأكبر للاجئين الفلسطينيين ليقيموا فصائلهم وقواهم الوطنية ومنها حركة فتح .

التغيرات في مؤتمر حركة فتح لم يحمل أية أبعاد سياسية فالنتيجة حملت تغيرات في الطبقة القيادية الأولى والثانية للجنة المركزية والمجلس الثوري ” برلمان الحركة ” فلم تشهد الحركة اتجاهات سياسية ففي عهد الرئيس عباس اختفت الأجنحة في الحركة لذا لم ينتظر الفلسطينيون وهم يتابعون مؤتمر فتح التي نجت نسبياً من ضربة السابع من أكتوبر وتداعياتها لكنها لم تنجو من المناخات التي تولدت ووضعت كل الفلسطينين وبضمنهم حركة فتح أمام أسئلة شديدة الصعوبة حين بدا فشل تحقيق المشروع الوطني بالسلام أو بالسلاح لقد ذهب الفلسطينيون لأقصى طاقتهم في السلام بمفاوضات أسدل يمين اسرائيل الستار عليها منذ عام 2014 وذهبوا لأقصى طاقتهم بالحرب في السابع من أكتوبر وفي كلا المسالتين كان الثمن فادحاً دون نتائج وهنا تقف حركة فتح التي تصدرت لعقود أمام معضلة كبيرة حول البرنامج .

هذا ما غاب عن مؤتمر فتح فلا نقاش سياسي سوى كلمة ألقاها رئيس الحركة ولا جدل حول انسداد الخيارات وأمام ما تفعله اسرائيل في الضفة التي وصلت للمناطق التي تسيطر عليها السلطة وحركة فتح وتسحب البساط من تحت أقدامها وتفقدها دورها الوظيفي التحرري وأبعد من ذلك تفقدها دورها كسلطة خدماتية تقوم اسرائيل بإقتطاع ومصادرة أموال السلطة لتعجز عن دفع رواتب موظفيها كاملة وتلك معضلة أخرى لم تتوقعها حركة فتح التي تفقد أدوارها الوظيفية تباعاً لصالح وجود تحت الإحتلال عاجز عن القيام بأي فعل كفاحي سوى الوجود على الأرض وهذا مهدد لأن اليمين الذي يحكم اسرائيل يعمل على إزالة إوسلو الذي وقعه يسار الوسط في اسرائيل في ظل معارضة اليمين الذي وصل الحكم لينهي هذا الإتفاق ويضع فتح من جديد أمام معضلة هي الأخطر فماذا لو فعلتها اسرائيل وألغت اتفاق أوسلو وقد كادت تناقش الأمر خلال مايو في لجنة الخارجية والكنيست قبل عرضه للتشريع لكنه توقف في اللحظة الأخيرة وهذا ما غاب عن المؤتمر الذي لم يسأل عن مصير فتح فيما لو قام اليمين بتنفيذ مشروعه وإلغاء الإتفاق الذي تحولت حركة فتح بعده لتصبح حزب سلطة ماذا ستفعل ؟ بالإضافة لاسئلة وطنية كبرى لا تجد لها إجابات …!