المقالتحديات التفاوض حوار الانقاذ اللبناني أولاً


كان مؤلمًا دخول رئيس الوفد اللبناني، السفير سيمون كرم، إلى قاعة الاجتماعات مع الوفد الإسرائيلي ترافقه سفيرة لبنان في واشنطن. هو يدرك أن موضوع نزع سلاح حزب الله سيكون النقطة الأولى التي سيطرحها الوفد الإسرائيلي أثناء الاجتماع أمام وفد الولايات المتحدة، الذي لم يتعب مسؤولوه من مطالبة لبنان بذلك كي ينسحب الجيش الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية حسب الاتفاق الذي أوقف الحرب. وفي قلب هذا الجهاد الكلامي، يحمل السفير كرم توجيهات واضحة لطرح مبدأ المساواة في التنفيذ، وهو ما ترفضه إسرائيل.
يشهد لبنان في السنوات الأخيرة تحولات معقدة وصعبة، تتجلى في مجموعة من التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية. الكيان اللبناني، بتركيبته الفريدة التي تجمع بين التنوع الطائفي والمذهبي، بات يواجه مخاطر جدية تهدد وجوده. إن الاجتماع بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي في واشنطن يُعد فرصة محتملة للتقدم نحو آليات إنهاء النزاع وتخفيف التوترات، ولكنه يأتي في وقت تعم فيه الأزمات، والتي قد تؤدي إلى تفجر الأوضاع.
تاريخ لبنان الحديث مليء بالصراعات الداخلية والنزاعات المسلحة، وقد أثرت هذه الصراعات على استقرار البلد بشكل كبير. منذ الحرب الأهلية اللبنانية التي عصفت بالبلاد بين عامي 1975 و1990، أصبح الصراع الطائفي جزءاً لا يتجزأ من الواقع اللبناني. كانت الحرب الأهلية تعبيرًا عن صراع عميق الجذور بين الهويات المختلفة، مما أدى إلى تدمير النسيج الاجتماعي للبلاد وفقدان الثقة بين الطوائف. هذه الجروح لا تزال تنزف في المجتمعات اللبنانية، مما يجعل التغيير الاجتماعي والسياسي أمرًا بالغ الصعوبة. لهذا، تتطلب الأوضاع حوارًا وطنيًا حقيقيًا يشمل جميع الأطراف، دون استثناء.
إن أحد المخاطر الكبرى التي تؤثر في الوقت الراهن على وحدة البلاد هي محاولات بعض القوى إثارة صراعات بين الجيش اللبناني وحزب الله. تتصاعد هذه المحاولات من جانب بعض الأطراف السياسية التي تسعى لتأجيج الخلافات لأغراض سياسية أو مالية، في ظل غياب رؤية وطنية موحدة. إن اندلاع مواجهات بين الجيش اللبناني وحزب الله لن تؤدي إلى إشعال حرب جديدة فحسب، بل سيعرض البلاد أيضًا إلى خطر التفكك والانهيار التام، مما سيفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر تعقيدًا.
تلعب التدخلات الإقليمية، خاصة من قبل إيران، دورًا معقدًا في استمرار التوترات بالمنطقة. حزب الله، كجزء من الاستراتيجية الإيرانية في لبنان، يتمتع بدعم عسكري ومالي واسع، مما يمنحه القدرة على التنافس مع الدولة اللبنانية وفروع مؤسساتها العسكرية. وبالتالي، فإن أي تصعيد عسكري في المنطقة يمكن أن يتسبب في تدهور الأوضاع في لبنان، مما يُهدد باندلاع حرب شاملة من جديد. إن مستقبل لبنان المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالنزاعات الخارجية يُظهر أن الحلول المحلية لن تكون كافية من دون كسر الحواجز التي وضعتها القوى الخارجية.
على الرغم من ذلك، يعتبر البعض أن الوضع الراهن يتطلب توازنًا سياسيًا وعسكريًا لضمان عدم انهيار البلاد. تُعد فكرة تطوير حوار شامل بين مختلف الأطراف داخل البلاد ضرورية، من أجل الوصول إلى نقاط اتفاق تُعزز من الاستقرار الداخلي. في هذا السياق، تصعد الحاجة إلى صوت المعتدلين، الذين يجب أن يقوموا بدور رائد في دفع الحوار نحو الأمام والتخفيف من حدة الانقسامات الطائفية.
وبينما يتطلع اللبنانيون، الذين سئموا من الحروب المتكررة مع إسرائيل، إلى تأجيل النزاعات الحالية، يطرح المجتمع المدني أفكارًا جديدة لحل المشاكل التي واجهوها لعقود. يقول هؤلاء انهم مع المفاوضات إذا كانت في مصلحة لبنان، وإذا كان ذلك يحل المشاكل. هناك رغبة واضحة في بناء مستقبل أفضل، ولكن يجب أن يترافق ذلك مع إرادة حقيقية من قبل القيادات لإحداث تغيير ملموس.
ومع ذلك، تواجه واشنطن ضغوطًا من جهتين، إذ تطالب باحترام السلامة الإقليمية للبنان وفي نفس الوقت تدافع عن حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها. من جهة أخرى، فإن إدارة ترامب تُصرّ على نزع سلاح حزب الله، نادمة على أن الجيش اللبناني لم يتمكن أو لم يعرف كيفية القيام بذلك حتى الآن. أحد الخيارات المطروحة هو تكثيف الدعم العسكري للبنان، ولكن مثل هذا الخيار قد يثير ردود فعل عكسية ويزيد من التوترات.
عن الاجتماع في واشنطن يدعو الكثير من المراقبين إلى توقع نتائج غير مؤكدة. “سيكون من الضروري الكثير من الخيال والتفاؤل للاعتقاد بأن الخلاف بين إسرائيل ولبنان يمكن أن يُحل غدًا في واشنطن”، كما يؤكد مسؤول إسرائيلي سابق. إذن، كيف يمكن للطرفين التفاوض في ظل كل هذه التحديات؟ إن غياب حزب الله عن طاولة المفاوضات يُعطي انطباعًا بأن الحوار قد لا يكون جادًا، مما يزيد من الفجوة بين الجانبين.
الحرب التي اندلعت في 28 شباط إثر هجوم إسرائيلي أميركي على إيران، زعزعت الاقتصاد العالمي، وأدت إلى مقتل الآلاف، معظمهم في إيران ولبنان. بعد أكثر من خمسة أسابيع من الضربات من الجانبين، أصبح هناك وقف هش لإطلاق النار منذ 8 نيسان. ولكن لا شك أن استمرار الضغوط والتحديات على الأرض يجعل تحقيق السلام أمرًا صعبًا. والأخطر هو استمرار القتال الذي قد يؤدي إلى مزيد من الانهيار الاقتصادي في لبنان، حيث إن الاقتصاد اللبناني يعاني من أزمة خانقة. ان الأحوال الاقتصادية تزداد سوءًا، حيث يعاني اللبنانيون من فقدان القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار، بالإضافة إلى تفشي البطالة. هؤلاء الناس يحتاجون إلى إجراءات سريعة تساعدهم في مواجهة الأزمات الحياتية اليومية. ولكن مع استمرار الفساد والمحسوبية، يُعتبر الحل بعيد المنال. يجب على القيادات السياسية أن تضع مصلحة الشعب فوق المصالح الشخصية والتنافسات السياسية. يأتي ذلك في وقتٍ يزداد فيه الاستياء الشعبي ويُعبر المواطنون عن مخاوفهم بشأن مستقبل البلاد.
الوقت يمر بسرعة، واللبنانيون ينتظرون نتائج ملموسة من القيادة السياسية. إن التغيير الاجتماعي والسياسي يتطلب رؤية واضحة وإرادة قوية. يجب أن يتمتع القادة بالقدرة على الاستماع إلى احتياجات الشعب والعمل بجدية نحو تحسين الظروف المعيشية. المجتمع المدني يلعب دورًا مهمًا في توجيه المطالب الشعبية، ويجب أن يكون له صوت في الحوار الذي يهدف إلى بناء لبنان الجديد.
بالإضافة إلى ذلك، فإن التعاون مع المجتمع الدولي يبقى عنصرًا أساسيًا في مواجهة التحديات الاقتصادية. الدعم من الدول الصديقة لللتعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار قد يكون مفتاحًا لإنقاذ لبنان من أزمته الحالية. لكن تحقيق ذلك يتطلب التزامًا من القادة اللبنانيين للتخلص من الفساد وتحقيق الإصلاحات الهيكلية اللازمة.
الحوار مع الأطراف كافّة مبني على تحقيق مصالح ثابتة تساعد اللبنانيين على تجاوز الأزمات التي عانوا منها لعقود. تسعى العديد من المنظمات غير الحكومية إلى تقديم دعم فعّال للمجتمعات المتضررة، مما يُظهر القدرة على التجمع والتعاون في أوقات الأزمات. كما أن دور هيئات المجتمع المدني أصبح أكثر أهمية في المطالبة بالتغيير، فعلى الرغم من الأزمات، فإن هناك أمل في بناء لبنان الجديد.
إن التحولات الجيوسياسية في المنطقة تجعل من لبنان ساحة محورية للتسويات الدولية. يتطلب ذلك من اللبنانيين أن يكونوا واعين لأهمية مصالحهم الوطنية في سياق النزاعات الإقليمية. قد تكون هناك فرصة للتغلب على الانقسامات الحالية والتوجه نحو مستقبل واعد. يجب أن يُشجع حوار الإنقاذ الوطني جميع الأطراف على التفكير في المصلحة العليا للبنان داخليًا وخارجيًا، حيث إن أي موقف متشدد قد يؤدي إلى نتائج كارثية.
يبقى الأمل في القدرة على معالجة الأزمات بالتفكير الإبداعي وبناء جسور الثقة بين مختلف المكونات الطائفية. إن الأحداث الجارية تمثل فرصة للبنان، لكن يجب استغلالها بشكل فعّال، وإلا فإن الوضع سيبقى معقدًا ومتأزمًا. لن يكون من السهل تحقيق الاستقرار، لكن الأمل موجود دائمًا في إمكانية التغيير الإيجابي.
تتجه الأنظار نحو العاصمة الأمريكية، حيث يأمل الجميع أن تسهم المحادثات المباشرة في تحقيق فوائد إيجابية تضفي الأمن والسلام في المنطقة. ولكن، إذا استمرت الأمور على حالها في ارتفاع اعداد الضحايا كل يوم وارتفاع عدد البلدات الجنوبية التي يسحقها الاجرام الاسرائيلي كل يوم، فإن الفوضى والمآسي قد تكون العواقب المترتبة، مما سيؤدي إلى آثار تمتد إلى أبعد من لبنان، مما يهدد استقرار الشرق الأوسط بأسره.
إن التحديات كبيرة، ولكنها ليست مستحيلة. فبالتعاون والتفاهم، يمكن للبنان أن يستعيد مكانته كدولة تنبض بالحياة والطموحات اذا ادّى حوار الانقاذ الوطني وقف الحرب وانقاذ ما تبقى من المناطق الجنوبية بشراً وحجراً. إن خطوات صغيرة نحو السلام والاستقرار يمكن أن تثمر في المستقبل. يحتاج لبنان إلى نموذج جديد من القيادة يتجاوز الأطر التقليدية ويفتح الأبواب للتفاهم والمصالحة.
همسة أمل ترفرف في سماء لبنان، حيث يتمسّك اللبنانيون بأنفسهم ومبادئهم حتى في أحلك الأوقات. كل ما يحتاجونه هو ذلك الأمل القوي الذي يمكن أن يتحول إلى واقع مُشرق لأجيال قادمة.