العولمة الدموية …فجة لم تنضج بعد!

مع انهيار البرجين في 11 أيلول/سبتمبر 2001 في الولايات المتّحدة الأميركية وانهيار برج بابل في بلاد الرافدين التي غزتها الإمبراطورية الإخمينية عام 539 ق.م. تشابه غريب تاريخي وديني وأثري وعسكري يتمطّى حيث نعيش اليوم تبلبل الألسن والأفكار حول مستقبل شعوب الأرض. المعروف أن أهل العراق القديم أعني بابل لم يصلوا إلى السماء لكن أميركا هبطت بعد تلك المصيبة مع عصورها الفضائية لنتقفّى خلفها العولمة الدموية الفجّة التي ما كانت نضجت بعد وهي لم تنضج بعد.

 لماذا؟

لأنّ معظم شعوب الشرق الأوسط لم يكونوا قد استوعبوا استراتيجياتها القادمة. التبست عليهم الأفكار والنظريات المهلّلة لها فقُدّمت لكأنها تشابه الأمطار التي يمكن التحكّم بسقوطها، وها نحن نعيش مقيمين قبالة مضيق هرمز وإمكانيات التحكم بالنفط والغاز وبسقوط المطر والدماء لنحرّر أسئلتنا اللامتناهية ملفوفة بدماء لبنان والخليج والعراق وو… وإيران.

لم نكتشف بعد الأسرار الخفية تحت ركام برجين دون بثهم صور نقطة دم واحدة في وجوه البشرية عبر الشاشات. كنّا نتجادل بأن وراء إخفاء الدم الأميركي أنهار من دماء عربية وإسلامية تنتظر في الشرق الأوسط لتقوى بعدها البشارة العظمى بعدم الفعاليات السياسية في العالم دون الفعاليات «الرقمية» المعقدة بل الملتبسة التي تحصي أنفاس المقيمين في الدنيا وخطاهم.

نتذكّر بروز توجس دولي يخفي هويات جديدة فضائية وتحولات كبرى تطول أو تقصر طبقاً للحروب المقبولة المفتوحة. أحدث الهجوم على أميركا انقلاباً جذرياً شاملاً في سياساتها العالمية وخصوصاً الشرق الأوسطية منها، وأظهر الأميركيون مواقف مفرطة الحساسية تجاه مشاكل الأمن القومي والعالمي ليستقر يقينهم بأن الشرق الأوسط هو أحد أهم مصادر التهديد الرئيسية، ان لم يكن المصدر الأول لتصدير «الارهاب» وتهديد الأوضاع الأمنية في العالم.

ظهرت «المصيبة» الأكبر في العالم كما أبرزتها أميركا، واحتلّ الأمر القرن الراهن على المستويات العسكرية والسياسية والمالية والأمنية والثقافية. وهنا أسأل:

أليست الولايات المتحدة الأميركية هي الدولة الأكبر في العالم؟

يكفي مراقبة اسمها الطويل وأبراجها وجاداتها وسياراتها وثلاجاتها وقوة الـ bits في حواسيبها، ولنتذكّر 11 ايلول «المصيبة» الدولية الأكبر بين قوسين في العالم. هنا تسكنني الملاحظة الظريفة والطريفة التي لطالما زوّدني بها جدنا المرحوم فارس الخوري التي تؤكد لنا قناعاته بأن الدول مثل الافراد غالباً ما يسقطون أحجامهم عبر تطلعاتهم وافكارهم ، بما يجعلنا ندرك سلفاً أن المشروع المسمى بـ «مشروع الشرق الأوسط الكبير» هو كبير ومعقَد الى درجة لا يمكن تصّورها، وتكفي مقاربة تفاصيله لندرك مدى حجم «المصائب» الآتية التي تشكل حافزاً واضحاً لتغيير معالم الشرق الأوسط بل العالم كله، لكأن الفكر العالمي اليوم، بهذا المعنى، أمام دولة العولمة أمّا العالم الباقي أجمع فهو من ناحية ثانية. هكذا تتساقط تسميات العالم الثاني أو الثالث عند متابعة توصيف الدول لتبدو أميركا وحيدة والعالم كله ثالثاً وهذا ما يتراجع اليوم.

هكذا تتقن الإدارة الأميركية الحفاظ على مصالحها الحيوية الواسعة الأطراف، وهي لم ولن تتردد من التذكير بها في الشرق الأوسط، منذ 11 أيلول على الاقل بأن النظم العربية المشرقية والإسلامية خصوصاً، والتي رعت انشاءها وساهمت كثيراً في تعزيز سيطرتها وبقائها، قد أصابها الوهن ولم تعد تقوى على حمل المسؤوليات التي كانت الأسباب الأساسية في تقديم الدعم الشامل لها.

يأتي في رأس هذه المسؤوليات تحقيق الاستقرار والسلام الاقليمي والعالمي، والرد الجزئي على حاجات مجتمعاتها المحلية وضمان الأمن والاستقرار فيها. لماذا؟ لأنّ هذه النظم خسرت معارك الاستقرار والسلام الاقليميين ولم تنجح في ضبط القوى والمنظمات الأهلية المقاتلة ضد إسرائيل، وهي لم تقبل أيضاً بتسويات عربية إسرائيلية تضع حداً لمناخ المواجهة والعنف في المنطقة، لتنفتح الطرق أمام ما يبدو استراتيجيات اخضاع وتهدئة شاملة لمجتمعات المنطقة وشعوبها. المفارقة في المنظار الأميركي دوماً أن عدداً من هذه الانظمة المتضامنة في إطار الجامعة العربية قد لا تتورع هي نفسها عن دعم المقاومات «الارهابية»، وتشجع على العنف وزعزعة الاستقرار الاقليمي والعالمي.

والواقع ان الشعور العميق بولادة نمط تهديدات جديدة وخطيرة على الأمن الأميركي والعالمي، لم ينشأ بسبب من هذا الهجوم النوعي من الناحية الاستراتيجية، ولكن أكثر من ذلك بسبب ارتباطه بمنظمات اسلامية كانت تعتبر حتى ذلك الوقت احدى أدوات الصراع السياسي الرئيسة التي تستخدمها الولايات المتحدة نفسها، سواء اكان في ضغوطها السياسية على الأنظمة العربية، أم في مناوراتها الاستراتيجية الكبرى، كما في أفغانستان، وقبلها في «تحويق» الاتحاد السوفياتي والمنظمة الاشتراكية، تسهيلاً لبذر الديمقراطية في أرجائها ومحاولة إلحاقها بركابها. وفقاً لهذا التحليل لفهم أدق مقومات المشروع الأميركي، لم يحمل هجوم 11 ايلول هزيمة عسكرية خطيرة جداً للولايات المتحدة لكنه أورثها تحديات جديدة كبرى منتظرة لا مناص من مواجهتها.

كان الشرق الأوسط “الإسلامي”، البقعة التي منها انطلقت الضربة القوية التي ألّمت بالولايات المتحدة وأظهرت هشاشة أنظمتها الدفاعية الرقمية، ولذا كان من المتوقع أن تختاره الإدارة الأميركية كموقع أول تصفّي حساباتها معه. وهو الموقع الذي يتجاوز أي منطقة أخرى من العالم تشعر فيه الولايات المتحدة بأن اصدقاءها وحلفائها قد انقلبوا عليها فيه، وأنها لن تتمكن من استعادة هيبتها وصدقيتها وكرامتها من دون ان تعيد هؤلاء الذين خدعوها أو خانوها الى «الطريق القويم».

عزز هذا المكَّون تقارير الأمم المتحدة التي أظهرت بالفعل الحجم الهائل لهدر الموارد والطاقة والفرص في منطقة الشرق الأوسط، مما جعلها مادة دسمة تبرر بها غضبها واستراتيجياتها، وراحت الأقنعة تتساقط تباعاً عن وجه الإدارة الأميركية لتصوغ للنظم العربية صورا سلبية من ناحية يقترن فيها الاستبداد بالخديعة وانعدام الصدقية والاخفاق الخطير، ومن ناحية أخرى صياغات مشاريع تعيد النظر في معظم دول الشرق الأوسط لإعادة بنائه من الصفر.