كيف ينجو الشعراء؟

من ملحمة جلجامش إلى «الشِّعْر لا يبيع»:

  منذ مدَّة قريبة كنت أبحث عن كتب ورقيَّة للشِّعْر النسائي المُترجَم، لغاية دراسية، وفاجأني ردُّ فعل أصحاب متاجر الكتب، التي هي أساسًا قليلة في مدينتي «طرطوس». قال لي أحدهم حرفيًّا: «كتب الشِّعْر ما بتبيع… قليل حدا يشتري الشِّعْر». وعلى هذا النحو كانت أجوبتهم، كلٌّ وفق صياغته. وسرعان ما لاحظت أنَّه من بين مئات الكتب سواء المرتَّبة على الرفوف، أم المحشورة في المستودعات، ثمَّة دواوين على عدد أصابع اليد!

  تذكَّرت زيارتي إلى متاجر الكتب في الحلبوني (دمشق) منذ سنتين، التي لم تختلف كثيرًا عنها في طرطوس. ما أكَّد لي أنَّ المشكلة ليست قلَّة عدد متاجر الكتب فيها. وتذكَّرت أيضًا، أنَّه قلَّت دور النشر التي تعني بالشِّعْر، بحجَّة -سمعتها شخصيًّا- أنَّ سوق الشِّعْر لا يبيع.

  شعرت بخيبة قاسية، لا كشاعرة فحسب، بل كقارئة للشِّعْر تؤمن أنَّه ماءُ الروح، مدادٌ من نور، لحظة تجلٍّ تكتنز سرًّا من أسرار الخلود، شعورٌ يحتضن فكرتَه، فيتجسَّدا في كلمات. ما جعلني أطرح على نفسي تساؤلات، أتشاركها في هذا الاستطلاع، مع شعراء عرب:


  منذ ملحمة جلجامش، المُجمَع على أنَّها أوَّل عمل أدبي متكامل يمكن تسميته «قصيدة»، وحتَّى ما قبلها حين كان الشِّعْر شفهيًّا؛ وإلى اليوم، ما زال الشِّعْر ملاذًا للبشر. إن هاموا حبًّا، أو هجروا. إن فقدوا وطنًا، أو اغتربوا. إن رثوا موت عزيز، أو ندبوا حظًّا عاثرًا أم مصابًا جللًا. إذن لِمَ يتجنَّب معظم الناس اقتناء الكتب الشِّعْريَّة -باستثناء إن أهداهم شاعر ما ديوانه-؟ ولِمَ تتمنَّع أغلب دور النشر عن طباعتها، فإن وُجدَت دار نشر مهتمة، فهي حتمًا تهمل التسويق لها، مفضِّلة اصطحاب أجناس الكتابة الأخرى إلى معارض الكتب؟ كم يترك ذلك كلُّه من إحباط في نفْس الشاعر؟ والأهم: كيف ينجو الشعراء اليوم برغبة الاستمرار في الكتابة؟

  الشاعر إبراهيم المصري (مصر)

  سأبدأ من النهاية، من كيف ينجو الشعراء برغبة الاستمرار في الكتابة؟ أظنُّ أنَّ نجاتهم تكمن في هذه الرغبة ذاتها، بغض النظر عن مسألة النشر والانتشار، لأنَّه -في رأيي- الرغبة هي أوَّل ما يدفع الشاعر إلى كتابة الشِّعْر.

  فإن انتقلت الرغبة من الكتابة إلى النشر، واجَهَ الشاعر ما أصبح نمطًا مكرَّرًا: الشِّعْر لا يبيع، أي لا يجد قارئًا يشتري كتبه. حتَّى أنَّ معظم دور النشر ترفض نشر الشِّعْر، أو ينشره بعضها على نفقة الشاعر. لكن إن نحَّينا جانبًا كلًّا من الشاعر وكُتب الشِّعْر والناشر، وسألنا عن موقع الشِّعْر لدى الجمهور، فأظن أنَّه ليس بالاتساع الذي يجعله «سلعة رائجة»؛ هذا بافتراض أنَّ أنواع الكتابة الإبداعية الأخرى أو الفكرية أو العلمية سلعةٌ رائجة لدى الجمهور العربي.

  في الحقيقة، إنَّ مساحة القراءة لدينا ضيقة للغاية، ولا يحظى فيها الشِّعْر سوى بنقطة تكاد لا تُرى، رغم أنَّنا نجد كتبًا شعرية كثيرة في معارض الكتب. وهذا يعني أن المسألة تبدأ من القراءة، مسألة ترتبط بالتربية والتعليم والإعلام والاقتصاد، التي تساهم بمجملها في جعل القراءة مسألة هامشية في حياتنا. وبذلك تزدحم الأسباب المؤدية إلى «فقر النشر الشِّعْري» أو «بوار سلعة الشِّعْر».

  وأيًّا كانت الأسباب وراء هامشية القراءة، وبشكل أكبر هامشية قراءة الشِّعْر، فإن القصيدة لا تكون كذلك -في رأيي- ما لم تجد حياتها من الشاعر إلى القارئ أو المتلقي. وهذه مسؤولية لا يكاد أحد يعرف من المنوط بها، الشاعر، أم المجتمع، أم الوسط الثقافي والإعلامي أم التعليم أم الناشرون! ولا أقول إن الشاعر وحده المسؤول عن حياة قصيدته بإيصالها إلى المتلقي. لكن ستظل القصيدة حبيسة مع شاعرها في رغبة الانتشار. الرغبة التي لها منافذ في السوشال ميديا، والأهم في النشر الرقمي، الذي لا يكلِّف ما يكلِّفه النشر الورقي. ولا أعرف كيف يرى الشعراء نجاتهم في النشر الرقمي، لكن لنقل فيه نجاةٌ مؤقَّتة! شخصيًّا أنشر رقميًّا في الفايسبوك، ولي تجربة مع نشر كتاب رقمي «ساريانومات» (دار جدار).

  وبعد كلِّ هذا، يبقى السؤال الأساسي ليس عن النشر أو التوزيع أو الانتشار، وإنَّما عن موقع الشِّعْر نفسه في العالم. وظنِّي أنَّ هذا الموقع يضيق بحيث يكاد أن يكون نخبويًّا، وقد يأتي يوم يصبح فيه الشِّعْر ناديًا مغلقًا على الشعراء كتابةً وقراءةً.


الشاعر محمد ناصر الدين (لبنان)

 ضمن منطق الاستهلاك والنفعية السائد، يعتبر مَن يتجنَّبون اقتناء الكتب الشِّعْريَّة أنَّ الشِّعْر يقع خارج هذا المنطق، خصوصًا أنَّ هندسة العالم اليوم تقوم على إيقاع سريع لا يُسمَع فيه الشِّعْر، ويتحوَّل إلى حيادية لطيفة لكن جبانة، أو إلى تشويش لا يضرُّ ولا ينفع، أو إلى هامشية لا يمكنها أن تُنقذ الحياة من قبحها. زمن يبدو فيه الشِّعْر حتَّى في الأوساط المختصَّة أشبه بالولد الدميم الذي ينبغي إخفاؤه في الغرفة الخلفية.

  لا مكان للشِّعْر والشعراء ضمن هذا المنطق! وحتَّى حينما يهدي شاعر ديوانه، يشعر بعضهم بالحرج من هدية تستحقُّ الإنصات وإصاخة السمع للآلهة المهاجرة كما يقول هايدغر، والبطء الذي هو نقيض ثورة السوشال ميديا. نضيف إلى ذلك ما درج عليه السياسيون من الحطِّ من قيمة الشِّعْر، حين يعلنون بوقاحة: «ما نقوله ليس شعرًا»، ما يؤثِّر في لاوعي من يسمعونهم.

  تتبنَّى دور النشر المنطق التجاري نفسه، وتشتكي عمومًا من صعوبة تسويق وبيع الشِّعْر، كسلعة تتصدَّر المبيعات لجمهور على عجلة من أمره، يفضِّل الاقتصاد في اللغة، لغة بحدِّ الدلالات الأدنى تختصر الواقع بإدراكه المباشر، وتتخلَّص من كلِّ ما يتجاوزه، من حصَّته من الشكِّ والمجهول والمفاجأة. حيث تقوم لعبة العولمة والسرعة اليوم على شحن مواطنيها النموذجيِّين بالأخبار والمعطيات، مع إلغاء مَلَكَة الخيال. أي بخَلْق واقع مسطَّح أشبه بالأكذوبة. وضمن هذا المنطق، تجد دور النشر نفسها مضطرة لتقديم الوجبات الأدبية الجاهزة.

  لكن على الشاعر أن لا يهِن ولا يحزن. إنَّ هذا الاعتراض بالشِّعْر والجهد هو من أجل انتزاع أنفسنا من الاعتياد على الأنساق الجاهزة والمغلقة في منظومة الوعي. وهو الثمن الذي يتوجَّب دفعه. وهو ما يحمي الشِّعْر، وسيحميه من كلِّ محاولة لانتقاص قدره، سواء بالذكاء الاصطناعي أم بالعولمة أم بالامتناع عن طباعته. التعدُّد في المعنى، انفتاح أُفق التأويل، وانتقال السلطة الدائم في الشِّعْر بين الشاعر والقارئ، الذي بمقدوره أن يقتل الشاعر الأصل رمزيًّا، ليخلق بداخله شاعرًا جديدًا كما يقول أوكتافيو باز. عند قراءة قصيدة نستفز الوعي لاختراع طريقة فَهْم جديدة وحُرَّة، ويصير فعل القراءة تمرينًا على الرؤية وتذوُّقًا لتدرُّج الألوان: إن مَنْ يعرِّض نفسه لتعدُّد أصوات القصيدة يعرِّضها إلى تعدُّد أصوات العالم، حيث يصبح هذا العالم فرصة لا عائقًا. ومن الوعي الحُرِّ ينبثق المواطن الحُرُّ، ويصير الشِّعْر شرطًا أساسيًّا لكينونة متحرِّرة، تقبل التعدُّد واختلاف التأويل.


  الشاعرة أفياء الأسدي (العراق)


  القارئ ابن وقته واهتمامه، مثلما الكاتب ابن بيئته وإحساسه.

  لطالما كان الشِّعْر مجلة أخبار العرب وقصصهم ونوادرهم، على اختلاف العصور، حتَّى وصلتنا هيبته وحضوره ومكانة مُجيديه. لكنَّ الأمم بحروبها، وبما يمرُّ عليها، حتَّى أصبح القارئ اليوم يبحث عن قصَّة تثير اهتمامه أكثر من قصَّة حياته التي يواجه شخوصها كلَّ يوم.

  مررتُ بعدَّة دور نشر لترجمة ديوان شِعر من الفرنسية، ووجدتُ ما وجدتم، بلهجة أخرى، وبالانطفاء ذاته الذي يمدُّ جذوره في المكتبات. أخبروني أنَّه من الصعب بيع كتب الشِّعْر، لكنهم مستعدِّون لشراء الروايات والقصص المترجمة، وكأنَّ الجَمع استقرَّ على ألَّا يمدَّ أحد القارئ بما قد يثير شجونه، أو يحرِّك إحساسه. ومَن أراد طباعة ديوانه فليدفع مقابل ذلك كي يُقرأ!

  مِنَ المحزن والمثير للعجب على حدِّ سواء، أنْ نرى ما آل إليه الكتَّاب عامة. تراجعت أعداد القرَّاء بشكل غير مسبوق، مع موجة التكنولوجيا التي استعمرت المجتمعات العربية فجأة، وضربت مختلف المفاصل المجتمعية بما فيها سوق الكتاب. أصبح البحث عن ملخِّص كتاب أسهل من ملء قدح ماء، ما يُغني عن قراءته بأكمله! ومشاهدة فيلم أسرع من قراءة الرواية التي يستند عليها، مع أنِّي من محبِّي الأفلام. وتصفُّح صفحة شاعر على وسائل التواصل الاجتماعي أقرب من شراء ديوانه! علاوة على توافر الكتب الإلكترونية على مختلف المنصَّات، ما يمنح القارئ السرعة والسهولة لمواكبة تسارع عقارب الساعة.

لا نشكِّك بالطبع أنَّ هناك من يقرأ بحقٍّ، بدليل كلٍّ مِن: قارئ كلماتنا هذه، الذي يشاركنا وقته وثقته. ومَن استطاع الحفاظ على جذره في الأرض ولم يزرعه في وسائل التواصل الاجتماعي. وذلك الذي ما زال يحبُّ ملمس الورق حين يريد غسل روحه بالأدب، وما زال يتذوَّق طعم الجملة بحواسِّه الخمس، ويؤمن أنَّ: «مَن فات قديمَه؛ تاه». يبحث هؤلاء عن الشِّعْر مكتوبًا وغالبًا لا يجدوه، لأنَّ معظم دور النشر ترى أن كتب الشِّعْر لا تباع، فلا تطبعها، إلَّا إذا دفع الشاعر مالَهُ فوق إحساسه ثمنًا لذلك!

  الشاعرة سوزان إبراهيم (سوريا)

  أعتقد أنَّ سوق الشِّعْر تراجع ليس لأنَّه فقد قيمته، بل عبر تضافر عوامل عدَّة متداخلة ثقافيًّا واقتصاديًّا وذائقةً: التحوُّل الاقتصادي (مقياس الربح والخسارة). تغيُّر ذائقة القرَّاء. ضعف التسويق. وعدم مواكبة الشِّعْر دائمًا لوسائط العصر؛ ففي عصر السرعة والسوشال ميديا ثمَّة محتوى سريع ومباشر، وقد لا ينسجم الشِّعْر بطبيعته التأملية مع هذا الإيقاع!


  إذن الشِّعْر لم يمت، بل انتقل جزئيًّا من كتاب ورقي إلى أشكال أخرى (أمسيات، منصَّات رقمية، وسائل التواصل).

  أعتقد أنَّ مشكلة الشِّعْر ليست في أنَّه «لا يُباع»، بل في تغيُّر علاقة الإنسان مع اللغة. نعيش عصرًا لا يحب الانتظار، بينما الشِّعْر حالة وعي تحتاج صبرًا وتأمُّلًا. ارتبط الشِّعْر في الماضي بتجارب وجودية عميقة كالحب، الفقد، الحرب، والأسئلة الكبرى. أمَّا اليوم، أصبح التعبير عنها بمعظمه سطحيًّا، وسريع الاستهلاك، وقابلًا للنشر الفوري (بوست، تغريدة…). دون أن ننسى تضخم الإنتاج مقابل تراجع الجودة؛ إذ لا يمكن اعتبار كل ما يُكتب شعرًا.

  وأرى أنَّه لا يمكن للشاعر أن ينجو بالطرق القديمة، بل تبدأ النجاة من داخله: عندما يتحرَّر من فكرة «أكتب كي أُقرأ» ويكتفي بـ «أكتب لأنِّي لا أستطيع إلَّا أن أكتب». وأنَّه لابدَّ له من التكيُّف دون خيانة الشِّعْر، ودون أن يتحوَّل إلى صانع محتوى سطحي. قد تتمثَّل الطرق الذكية للنجاة في: إلقاء الشِّعْر (أمسيات، أداء صوتي). استخدام المنصات الرقمية بوعي. تحويل القصيدة إلى تجربة (صوت، صورة، فيديو). ففي النهاية تجاهله لمتطلبات العصر هو نوع من العزلة القاتلة.

    نعم، يمرُّ الشِّعْر في أزمة، لكنَّه يتحوَّل. فهو ربَّما خسر مكانته الجماهيرية، لكنَّه استعاد حريَّته وفرادته كما أظن. لكنَّه لم ينتهِ ولن. إنَّه في مرحلة انتقالية مؤلمة، يعبر فيها من فنٍّ جماهيري مركزي إلى فنٍّ شخصي عميق.