المفكر والباحث اليمني البروفيسور فؤاد البنا:
في زمن تتشابك فيه المفاهيم وتتعاظم الأسئلة الكبرى المتعلقة بالفكر والهوية ومستقبل الحضارة، يبرز صوت فكري يسعى إلى إعادة وصل ما انقطع بين القيم والواقع، وبين الدين والعمران، وبين الإنسان ودوره الاستخلافي في الكون. وفي هذا السياق يأتي هذا الحوار مع المفكر والباحث الدكتور فؤاد البنا من اليمن، بوصفه أحد الأصوات التي انشغلت بإشكاليات النهضة، وسعت إلى قراءة الواقع العربي الإسلامي قراءة نقدية واعية تجمع بين التأصيل الشرعي والاستشراف الحضاري.
الدكتور فؤاد البنا صاحب عدد من المؤلفات الفكرية التي تناولت قضايا النهضة والوعي الحضاري، ومن أبرزها: “إيجاز البيان في إعجاز القرآن”، “العالم الإسلامي بين التخلف الحضاري ورياح العولمة”، “الإسلام بين الثوابت والمتغيرات”، “مباحث في الثقافة الإسلامية”، “تيارات التجديد في الفكر الإسلامي الحديث”، وحديثًا كتاب “حاضر العالم الإسلامي ومعضلاته”، الذي يُدرّس في تسع جامعات في اليمن، وغيرها. وقد نال عددًا من الجوائز العلمية، من أهمها جائزة السعيد للعلوم الإسلامية (2003)، وجائزة جامعة عدن للبحث العلمي لأفضل كتاب في العلوم الإنسانية والاجتماعية (2010). وكان للحصاد هذا الحوار معه.
الحصاد :في البداية، أريد أن أعرف كيف تشكلت ملامح مشروعكم الفكري، وما القراءات التي كان لها تأثير كبير على مسيرتكم الفكرية؟
فؤاد البنا: تشكلت هذه الملامح بحمد الله تعالى من خلال انفتاحي على سائر المشارب والاتجاهات الفكرية في الوسط الإسلامي وخارجه، مما جعلني أرى الحقائق من أبعاد عدة، بجانب انهماكي في العمل داخل الواقع الذي وضعتني الأقدار فيه، مع بذل الجهد المستطاع للنفاذ إلى العوامل التي تقف خلف الحوادث من مختلف الزوايا.
الحصاد:ألاحظ في كتاباتكم تجمع بين الفكر الإسلامي والهم الحضاري. هل يمكنكم توضيح هذه العلاقة بين الدين وبناء الحضارة؟
فؤاد البنا :ما جاء الإسلام إلا لعمارة الأرض وصناعة الحياة، كما قال تعالى على لسان نبيه صالح: {هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها} أي طلب منكم عمارتها، وهذا كان في عهد قوم ثمود، والأمر أشد وضوحا في رسالة محمد عليه السلام لمن يتأمل تعاليم الوحي، فبناء الحضارة هو معقد الابتلاء العبادي؛ لأن سُلّم العروج إلى الفردوس الأخروي هو فردسة الدنيا!
هذا من ناحية الشرع، أما من ناحية الواقع، فنحن نكتوي من الوضع الذي تعيشه أمتنا في أسفل الركب الحضاري، ونتألم لجروحها المزمنة في مناطق شتى من أرضها المترامية الأطراف والتي صارت مثل القصعة التي يتكالب عليها الطامعون النهمون من كل الجهات والاتجاهات. وبينما يعاني جل أبنائها من الغثائية والسلبية، يمارس فضلاؤهم صورًا من الانفعالات التي تزيد من الوجع لكنها لا تسهم في معالجة الداء، أما أغلب عامتهم فلا يفقهون حديثا ولا يكادون يهتدون سبيلا للأسف الشديد وديدنهم مع من غلب!
الحصاد:هناك سؤال يراودني : ما هي القضية الفكرية التي ما زالت تشغلكم منذ بداياتكم وحتى اليوم؟
فؤاد البنا: القضية التي تؤرقني كثيرًا هي الفجوة الكبيرة التي تقف بين الإسلام والمسلمين، فالإسلام يمتلك قوة ذاتية هائلة بينما يعيش أغلب المسلمين في منتهى الوهن، الإسلام يمتلك أنوار التقدم بينما يتيه أهله في ظلمات التخلف، الإسلام يتألق بقيمه الحضارية العظيمة التي جعلت أفواجا من علماء الغرب يشدون الرحال إليه ويفضلون العيش في أكنافه، بينما يغرق أغلب المسلمين في أطباق الجهل والفقر والمرض وغيرها من صور التخلف الحضاري المقيت، حتى صاروا مضحكة الأمم!
الحصاد:غالبًا ما نتحدث عن ضرورة تجديد الفكر الإسلامي. ما هو المقصود بالتجديد في تصوركم؟
فؤاد البنا: التجديد عندي يقوم على إزالة أتربة التقاليد عن الأصول والكليات والمقاصد الإسلامية، بحيث تعود غضة طرية بفاعليتها الأصلية المعهودة في تفتيق مدارك الفرد وتفجير طاقات المجتمع، بجانب تطوير الجزئيات والفروع والوسائل والأساليب بحيث تتسق المتغيرات مع الثوابت، ويقتضي ذلك نبذ المتغيرات في الفكر والفقه التي أكل عليها الدهر وشرب ولم تعد تناسب العصر، مع إعمال العقول في البحث عن الأفكار والرؤى التي تجلب للمسلمين المصالح وتدرأ عنهم المفاسد بصورة مستمرة، بما في ذلك اقتباس كل ما هو نافع من الأمم الأخرى مهما كانت أديانها وثقافاتها، فالحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها!
الحصاد:بصفتكم مهتماً بفقه العمران والاستخلاف، كيف تنظرون إلى الذكاء الاصطناعي، هل هو أداة تساعد على تعزيز دور الإنسان في الكون أم أنه يهدد مركزية الإنسان؟
فوائد البنا: الذكاء الاصطناعي هو آلة يمكن للإنسان استثمارها في ما ينفعه أو يضره، ويمكن أن يحصد منه الإنسان خيرًا كثيرًا إن أحسن استثماره بعقل واع وفكر راشد، لكنه في كل الأحوال لا يهدد مركزية الإنسان، فالإنسان هو من صنعه، ولا يعمل إلا من خلال المدخلات التي أنجزها الإنسان، وميزته هي قدرته الهائلة على اختصار الأزمنة وطي الأمكنة!
الحصاد: هل تعتقدون أن أزمة العالم العربي اليوم هي أزمة أفكار، أم أزمة أخلاق، أم أزمة إدارة؟
فؤاد البنا:يعاني العالم العربي والإسلامي المعاصر في المقام الأول من أزمة أفكار، وتتفرع عنها أزمات أخلاقية واقتصادية وإدارية واجتماعية وغيرها.
ولقد كان العرب الأوائل في عصر تنزيل القرآن يعيشون في (ضلال مبين) بحسب وصف القرآن، أي تتخبطهم أزمات في مختلف مناحي الحياة، فكانت البداية هي تخليصهم من ضلال الأفكار، حينما تنزلت سورة العلق بمطلعها الذي يقول: {اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق.}، تلك القراءة الشاملة لآيات القرآن وآيات الأنفس والآفاق، وهي القراءة التي تمثل العلقة الأولى للحضارة التي أسست مداميك (خير أمة أخرجت للناس)، كما يشير إلى ذلك وضع فريضة القراءة تحت عنوان (العلق) الذي هو عنوان لأول سورة في القرآن الكريم.
الحصاد:يعتقد البعض أن الخطاب الفكري الإسلامي المعاصر غارق على التنظير ولا يقدم حلولاً عملية. كيف تردون على هذا الطرح؟
فؤاد البنا: هناك جزء من الخطاب الفكري ينطبق عليه ما يقال عنه، حيث يكتفي بوصف المشكلة ولا يبحث عن الحل، ويتحمس في إيراد الأزمات والمأزق ويبرد عند المطالبة بـ الحلول والمخارج، لكن يوجد جزء آخر مليئ بالحلول والمخارج، غير أنه حبيس الأدراج ورفوف المكتبات في الجامعات ومراكز الأبحاث التي تزخر بأعداد غير قليلة من الدراسات الجادة، دون أن يلتفت إليها من بيدهم القرار ومقاليد الأمور، ولن يتم ردم الفجوة بين مجتمعاتنا وبين التقدم، ما لم تردم الفجوة بين البحث العلمي وبين القيادات التنفيذية.
الحصاد: وما هو الدور الذي يمكن أن يلعبه الوعي الحضاري في إعادة بناء المجتمعات العربية والإسلامية؟
فؤاد البنا: إن امتلاك الوعي الحضاري يعني القدرة على رسم خارطة النهوض لأصحابه، ويمنحهم بوصلة السير، ويرتب لهم الأولويات، ويساعدهم على استحضار البواعث والدوافع المطلوبة للتسلح بالإرادة والإدارة.
الحصاد: في كتاباتكم، ركزتم على سؤال الأخلاق. هل تعتقدون أن المنظومة الأخلاقية الغربية كافية لضبط التقنيات الحديثة، أم أن العالم يحتاج إلى بوصلة مقاصدية إسلامية؟
فؤاد البنا: لقد تراجعت المنظومة الأخلاقية الغربية في العقود الأخيرة حتى بدأت تنحدر في السنوات الأخيرة بصورة مخيفة، والإسلام بالطبع يمتلك البديل لملئ الفراغ، لكن المسافة القائمة بين الإسلام والمسلمين ما تزال تحول دون رؤية الغربيين لما يملكه هذا الدين من مقومات أخلاقية وإمكانات حضارية، وعسى أن تؤدي هذه الرزايا التي تملأ حياة المسلمين إلى الاستيقاظ من غفلتهم والانتباه لما يمتلكه دينهم من كنوز فكرية ونفائس حضارية، فيتقدمون نحوه وينهون القطيعة معه و يستأنفون العروج الحضاري، منقذين لأنفسهم وللبشرية مما تتعرض له من تحديات.
الحصاد: البروفيسور فؤاد البنا، اليمن عُرفت تاريخياً بـ ‘العربية السعيدة’ وكانت رمزاً للحضارة والعمران (سد مأرب، القصور المدرجة)؛ كيف يمكن لليمن اليوم، من خلال ‘فقه الاستخلاف’، أن يستعيد ذاته الحضارية وسط هذا الركام؟
فؤاد البنا: آفة اليمن هي تسيد الفرقة وشيوع التشظي بين أبنائه، فمنذ تغيرت الأوضاع وبرزت المظاهر التي جعلت العرب يطلقون المثل الذي يقول: “تفرقت أيدي سبأ”، فإن صورًا من العصبيات المختلفة قد هيمنت على الأوضاع وذهبت بهيبة اليمنيين وسعادتهم!
ولا شك بأن قاعدة العودة باليمن إلى سعادته المتبددة وفردوسه المفقود، هي الوحدة، عبر الانتصار على العصبيات الطائفية والسلالية والقبلية والمناطقية التي تتسيده في هذه الظروف.
الحصاد:وكيف يمكن للفكر الجاد أن يتحول من ‘ترف نظري’ إلى ‘حماية مجتمعية’ في بلد يعاني ويلات الحرب؟
فؤاد البنا: الفكر الجاد ليس ترفا نظريا، بل هو أساس ضروري لكل نهوض، وفي ظل حالة الحرب لا يمكن للفكر أن يجد بيئة خصبة للأسف الشديد ، حيث تنبثق الغرائز التي تعادي العقل وتنشط العصبيات التي تمتهن الفكر، وتنشط الدعوات التي تزهد بالثقافة، وسيستمر هذا الأمر حتى تصطدم رؤوس النخب في جدران التحديات الصماء، عندها ستشعر بقيمة الفكر وأهمية الثقافة، لتبدأ قافلة التغيير بالانطلاق!
الحصاد: كيف تقرؤون التحولات السياسية والثقافية التي يشهدها العالم العربي اليوم؟
فؤاد البنا: يمر واقعنا بأحداث كبيرة، تحركها مشاريع عديدة ذات أجندة تخريبية في الغالب، لكن السنن تعمل في صالح الذين يريدون تحقيق النهوض بأمتهم بعد آماد من التيه والتبعيات العمياء، وعليه فإني متفائل بالمستقبل الذي سيخرج من رحم الواقع الذي سيشتد ظلمه وظلامه، قبل أن ينبلج الفجر المنشود!
الحصاد: كيف تصفون علاقتكم بالقارئ العربي، وهل تشعرون أن الفكر الجاد ما يزال يجد طريقه إلى الجمهور؟
فؤاد البنا: للأسف أن الواقع يعج بظلمات من التفاهة والتسطيح والمواعظ التي تستفز العواطف ولا تستثير الأفكار وتشبع العقول، إلا من قلة يشتد عليها الحصار وتتوجه نحوها الحراب من كل مكان، لكن المخرجات التي تشتد غثائيتها ستجبر كثيرين على إعادة النظر في المدخلات، مما يحتم العودة إلى طريق الجادة، وسيذهب الزبد ويبقى ما ينفع الناس في الأرض!
الحصاد: لو طُلب منكم توجيه رسالة إلى الجيل العربي الجديد، فما هي الفكرة التي ترون أنها الأكثر إلحاحًا اليوم؟
فؤاد البنا: أقول لهم: كونوا أحرارًا، واعتزّوا بأنفسكم، وحافظوا على كرامتكم، وحرّروا عقولكم من كل ما ينتقص من فاعليّتكم وتكريمكم الإلهي؛ فمن امتلك حريته حقًّا أصبح عنصرًا فاعلًا في مجتمعه، ولن يكون لقمةً سائغةً أو هدفًا سهلًا لدعاة التبعية الذليلة للغرب أو للتقليد الأعمى للأسلاف.
