الجوائز تمنح الثقة لكنها لا تعفي الكاتب من القلق الضروري

الروائية المصرية نورا ناجي:

تعد الكاتبة والروائية الشابة المصرية نورا ناجي من الأقلام الشابة التي فرضت نفسها في الساحة الإبداعية في وقت قصير، فبعد إصدارها لمجموعة من الأعمال الروائية، جاء حصول روايتها الأخيرة “بيت الجاز” الصادرة عن “دار الشروق” المصرية، على جائزة الشيخ يوسف بن عيسى العربية في دورتها الأولى في فرع الآداب، ليتوج مسارها الإبداعي، الذي أخلصت فيه لفن الرواية، وجربت مجموعة من التقنيات والأشكال كـ “الميتاسرد” والتي يفرضها النص الذي تشتغل عليه، قبل أن تقرر العودة إلى الشكل الكلاسيكي في عملها الجديد، الذي تنكب على كتابته، واستفادت عبره من إقامة أدبية في الولايات المتحدة الأمريكية في الفترة الأخيرة.

تتميز رواية “بيت الجاز” ببعدها الإنساني وتركيزها على قضايا النساء كغيرها من روايات المبدعة المصرية نورا ناجي، ولكنها تنفرد بإثارتها لثورة يناير وتداعياتها الاجتماعية والسياسية على مدار عشر سنوات، وقد جاء اختيارها بالإجماع من طرف لجنة التحكيم للفوز بجائزة الشيخ يوسف بن عيسى في صنف الرواية، التي تحمل اسم أحد رواد النهضة في تاريخ الكويت، لمعالجتها السردية المتماسكة وتجريبها الفني اللافت واعتمادها على الميتاسرد وبناء الرواية داخل الرواية، حيث تتناول الرواية ثلاث شخصيات نسائية تتقاطع مصائرهن في سياق إنساني مشحون بالقلق والخوف في واقع تاريخي مضطرب.

وإلى جانب رواية “بيت الجاز” صدرت للكاتبة نورا ناجي خمس روايات: “بانا”، و”الجدار”، و”بنات الباشا” التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة ساويرس المصرية، و”أطياف كاميليا” التي توجت من خلالها بالمركز الثاني (مناصفة) في الدورة الأولى لجائزة يحيى حقي للرواية (2020-2021)، وهي جائزة مخصصة للكُتاب الشباب، ورواية “سنوات الجري في المكان”، كما صدرت لها مجموعة قصصية بعنوان “مثل الأقلام الساذجة”، وكتاب بعنوان “الكاتبات والوحدة”.

تحولت روايتها “بنات الباشا” إلى عمل سينمائي حمل الاسم نفسه، من إخراج محمد العدل، شارك في بطولته عدد من النجوم، منهم زينة، صابرين، ناهد السباعي، أحمد مجدي، ومريم الخشت، كتب له الحوار والسيناريو محمد هشام عبية، وقد عرض هذا الفيلم في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دورته 46 ضمن مسابقة آفاق السينما العربية، وتتخذ هذه الرواية من حادث تفجير كنيسة في مدينة طنطا الواقعة على بعد نحو 97 كيلومترا من العاصمة المصرية القاهرة، والحرب السورية وما تلاها من أحداث، منطلقا لأحداثها التي تتداخل وحكايات نساء يعملن في مركز تجميل، ومعاناتهن مع القهر والكبت، والمرض والموت، والحب والخيانة.

وفي شهر مارس / آذار الماضي، صدرت الترجمة الفرنسية لروايتها “بنات الباشا”، عن دار النشر الفرنسية Mirages et Lumières””، بترجمة للكاتبة ريجان الشلبي.

فعن هذه الترجمة وعن فوزها بالجائزة وروايتيها “بيت الجاز” و”بنات الباشا”، و”إقامتها الأدبية بأمريكا، كان هذا الحوار الخاص لـمجلة “الحصاد” مع الروائية المصرية نورا ناجي.

*عدتِ أخيرًا من الولايات المتحدة الأمريكية التي استفدتِ فيها من إقامة أدبية، فهل يمكن أن تقرّبينا من هذه التجربة؟ وما هي الإضافات التي تقدمها مثل هذه الإقامات للمبدعين العرب؟

**كانت تجربة الإقامة الأدبية بالنسبة لي مساحة نادرة للبطء، ولإعادة النظر في علاقتي بالكتابة خارج إيقاع الحياة اليومية وضغوطها. في هذا النوع من الإقامات، لا يُطلب من الكاتب شيء محدد، سوى أن يكون حاضرًا، منتبهًا، وقادرًا على الإنصات لما يكتبه.

الإضافة الأهم، في رأيي، ليست فقط في الوقت المتاح، بل في الاحتكاك بتجارب كتاب من خلفيات مختلفة، وهو ما يخلق نوعًا من الحوار غير المباشر بين نصوص تنتمي إلى عوالم متباينة. بالنسبة للمبدعين العرب، تفتح هذه الإقامات نافذة على كيفية تلقّي نصوصهم خارج سياقها المحلي، وتمنحهم في الوقت نفسه فرصة لإعادة اكتشاف خصوصية أصواتهم.

في هذه الإقامة التقيت بكتّاب من مختلف الدول، وبهرتني جديتهم الشديدة في العمل، بدوا بالنسبة لي أقرب للأكاديميين، جميعهم كانوا حريصين على العمل اليومي، وكذلك على الاستمرار في التعلم، يأخذون المشروع الذي يعملون عليه محمل الجد، ويستغرقون فيه تمامًا، وكأن حياتهم تتوقف عليه. الحقيقة أن هذا الأمر منحني الحماس والرغبة في العمل بهذا الشكل وهذه الطريقة، وبالفعل واظبت على الكتابة اليومية طوال فترة الإقامة، واكتشفت أنني في داخلي أحمل إجابات لكل أسئلتي، وأحمل كذلك النص كاملًا، ما عليّ سوى الجلوس والتأمل والكتابة.

فترة العزلة التي منحتني إياها الإقامة، كانت مثالية بالفعل، مثالية للتفكير والعمل والراحة، وأعتقد أنني بالحفاظ على روتين يومي بعيد عن الضغوطات وازدحام الحياة، قد اكتشفت النمط الذي يجب أن تسير عليه حياتي.

*توّجت روايتك “بيت الجاز” حديثا بجائزة الشيخ يوسف بن عيسى العربية في دورتها الأولى في فرع الآداب، وهي الجائزة التي تحمل اسم أحد رواد النهضة في تاريخ الكويت، فماذا يمثل لك هذا التتويج العربي الأول بجائزة في صنف الرواية؟

**يمثل هذا التتويج لحظة تقدير مهمة جدًا، ليس فقط للرواية، بل للمسار الذي قاد إليها. أن تحمل الجائزة اسم أحد رواد النهضة في الكويت يمنحها دلالة خاصة، ويضع العمل في سياق عربي أوسع. الفوز بالجائزة في دورتها الأولى كذلك شرف كبير، وهي الجائزة العربية الأولى التي أحصل عليها.

أشعر بالامتنان لهذه اللحظة، لكنني في الوقت نفسه أتعامل معها كحافز للاستمرار، لا كنقطة وصول. الجوائز تمنح الثقة، لكنها لا تعفي الكاتب من القلق الضروري الذي يدفعه للكتابة من جديد. ما فعلته لحظة الإعلان بالجائزة، هو أنني استمريت في روتيني اليومي في الكتابة، نزعت الجائزة من رأسي لمدة ساعتين واستكملت العمل على مشروعي الحالي، وكان في ذلك قمة الاحتفاء والاحترام للجائزة.

*تتميز روايتك “بيت الجاز” كما غيرها من رواياتك السابقة ببعدها الإنساني وتركيزها على قضايا النساء، وتنفرد بإثارتها لثورة يناير وتداعياتها الاجتماعية والسياسية على مدار عشر سنوات، حيث تعتمدين فيها على الميتاسرد كشكل، فهل هذا يعود لشغفك بالتجريب في الكتابة الروائية؟

**أعتقد أن التجريب بالنسبة لي ليس هدفًا في حد ذاته، بل نتيجة لمحاولة العثور على الشكل الأنسب لكل حكاية. في “بيت الجاز” تحديدًا، كان الميتاسرد خيارًا فرضته طبيعة النص، لأنني كنت أتعامل مع ذاكرة متشظية، ومع زمن غير خطي، يتداخل فيه الشخصي مع العام. أما المشروع الحالي فلا يحمل أي تجريب، فضلت شكل الرواية الكلاسيكية لأنه المناسب للنص. إذن النص هو ما يحدد طريقة كتابته، وليس مجرد الرغبة في استكشاف أنماط جديدة.

الانشغال بقضايا النساء حاضر في كتابتي، لكنه ليس طرحًا مباشرًا أو شعاريًا، بل يأتي من داخل التجربة الإنسانية نفسها، من تفاصيل يومية صغيرة تكشف هشاشة الإنسان عمومًا، لا المرأة فقط. وأعتقد أن التمسك بمناقشة قضايا المرأة هو شيء إنساني أولًا وأخيرًا، وسط ما نشهده جميعًا من ظلم وقهر للمرأة في العالم.

*تم تحويل روايتك “بنات الباشا” التي تتناول هشاشة الإنسان وتقتحم مناطق مسكوت عنها من خلال حكايات نساء يعملن في مركز تجميل، وتكشف عن معاناتهن مع القهر والكبت، والمرض والموت، والحب والخيانة، إلى فيلم سينمائي تم عرضه أخيرا في مهرجان القاهرة السينمائي في دورته 46، فكيف وجدت الفيلم؟ وماذا يمكن أن تضيفه السينما برأيك للعمل الروائي؟

**السينما وسيط مختلف تمامًا، له لغته الخاصة وأدواته، لذلك لا أنظر إلى الفيلم بوصفه “نقلًا” للرواية، بل قراءة بصرية لها. كنت مهتمة برؤية كيف ستُعاد صياغة الشخصيات والعلاقات داخل هذا الوسيط.

أعتقد أن السينما يمكن أن تمنح العمل الروائي حياة أخرى، وأن تفتح له بابًا للوصول إلى جمهور أوسع، لكنها في الوقت نفسه تعيد تفسيره، وهذا جزء من جمال العلاقة بين الأدبين. أحببت رؤية الشخصيات وكأنها تكتسي باللحم والدم على الشاشة، كانت تجربة ملهمة جدًا، سعدت بها، والأهم أنها تفتح الباب للأدب العربي أن يتم تجسيده على شاشات السينما.

*صدرت حديثا الترجمة الفرنسية لرواية “بنات الباشا” عن دار النشر الفرنسية “Mirages et Lumières”، فهل أنت التي سعيت لتحقيق هذه الترجمة أم الرواية هي التي فرضت نفسها على المترجمة الكاتبة ريجان الشلبي أم الرواية هي التي فرضت نفسها؟

**يمكن القول إن الأمر جاء من تلاقي رغبتين. كنت دائمًا مهتمة بوصول أعمالي إلى قرّاء من لغات أخرى، وفي الوقت نفسه كان هناك اهتمام حقيقي من المترجمة بالنص.

الترجمة، في النهاية، ليست قرارًا فرديًا من الكاتب فقط، بل علاقة ثقة بينه وبين المترجم، تقوم على الإحساس المشترك بالنص ورغبتهما في منحه حياة جديدة في لغة مختلفة. وما حدث أن الناشر الفرنسي السيد بيتر ثورن تعرّف على تلك الرواية في أحد المعارض العربية وتحمس لها، وتواصل معي، بل وزارني بنفسه في مدينتي طنطا ليسأل عن كامل التفاصيل، ثم توالت خطوات عملية الترجمة، وقد حرصت المترجمة الرائعة ريجان الشلبي على التواصل معي مرات عديدة للاستفسار عن التفاصيل الدقيقة للرواية، تجربة ملهمة. وأعتقد أنني حاليًا سأركز على ترجمة كتبي إلى اللغات الأخرى وبالذات الإنجليزية.

*كتبتِ القصة القصيرة والترجمة إلى جانب الرواية، فما الذي تمنحه لك هذه الأجناس على مستوى الكتابة والحضور؟

**كل جنس أدبي يمنحني مساحة مختلفة للتجريب. القصة القصيرة تدرّبني على التكثيف والاقتصاد، بينما تمنحني الرواية مساحة أوسع للتفكير والتفصيل. أحب كذلك كتابة الأعمال غير التخييلية، وربما تمنحني فرصة للتعبير عما أفكر وأشعر به بانكشاف أكبر.

أما الترجمة، فهي تجربة مغايرة تمامًا، لأنها تضعني في موقع القارئ والكاتب في الوقت نفسه، وتجعلني أكثر وعيًا باللغة، وبالفروق الدقيقة في التعبير. أعتقد أنها أثّرت بشكل واضح على حساسيتي تجاه الجملة والإيقاع. كما أنني أعدها بمثابة استراحة بين كل مشروع وآخر، يحافظ على استمرارية العمل مع منحي مساحة للتفكير.

*وما هي مشاريعك المستقبلية؟

**أعمل حاليًا على مشروع روائي جديد يتقاطع مع انشغالاتي السابقة حول الذاكرة والفقد، لكن من زاوية أكثر هدوءا وتأملًا. وبطريقة لا تجريب فيها، بل كتابة منسابة خرجت مني دون إرادة، وكأنها تكتب نفسها. كما أفكر في استكمال بعض مشاريع الترجمة التي بدأتها بالفعل.

في هذه المرحلة، أحاول أن أمنح نفسي وقتًا كافيًا للكتابة دون استعجال، وأن أذهب إلى مناطق جديدة، حتى لو بدت أقل أمانًا.