فخامة العربية وعقدة اللغة الأجنبية

تُعدّ اللغة من أبرز مقومات الهوية الحضارية والثقافية للأمم، فهي ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل وعاء للفكر والتاريخ والوعي الجمعي. وقد شكّلت اللغة العربية عبر قرون طويلة مركزًا حضاريًا وعلميًا أسهم في إنتاج المعرفة الإنسانية ونقلها؛ كما شكّلت عبر التاريخ عنواناً للهوية الحضارية والفكرية للأمة العربية، غير أنّ الواقع المعاصر يشهد تراجعًا ملحوظًا في مكانتها الاجتماعية أمام تصاعد الهيمنة الرمزية للغات الأجنبية، حتى أصبح بعض أفراد المجتمع ينظرون إلى المتحدث بالعربية وحدها نظرةً دونية، وكأنّ الرقيّ الثقافي لا يتحقق إلا عبر التحدث بالإنجليزية أو بالفرنسية أو بأي لغة أجنبية أخرى.

وتكشف هذه الظاهرة عن أزمة مركّبة تتداخل فيها الأبعاد الثقافية والاجتماعية والتعليمية والنفسية، حيث نشأت لدى بعض الفئات العربية ما يمكن تسميتها بـ(عقدة اللغة الأجنبية)؛ أي الشعور الضمني بتفوق اللغة الأجنبية على العربية، وربط التقدّم والتحضّر باستخدام اللغات الغربية. وتزداد خطورة هذه الظاهرة حين تتحول إلى شكل من أشكال الاغتراب اللغوي والثقافي الذي يُضعف الانتماء الحضاري ويؤثر في الهوية الفكرية للأجيال الجديدة.

ويُقصد بـ(عقدة اللغة الأجنبية) حالة الانبهار المفرط باللغة الأجنبية وربطها بالقيمة الاجتماعية والثقافية للفرد، بحيث تصبح اللغة أداة للتمييز الطبقي والرمزي داخل المجتمع.

ولا تنبع المشكلة من تعلم اللغات الأجنبية في حد ذاته؛ فتعلم اللغات يمثل ضرورة حضارية ومعرفية، وإنما تكمن الإشكاليةُ في النظرة الدونية إلى اللغة العربية وأهلها، وفي الاعتقاد بأن التفوّق الثقافي لا يتحقق إلا عبر التحدث باللغات الأجنبية.

وقد ارتبطت هذه الظاهرة تاريخيًا بالتجارب الاستعمارية التي عملت على ترسيخ صورة تفوّق المستعمِر ثقافيًا ولغويًا، مما خلق لدى بعض المجتمعات العربية شعورًا بالنقص الحضاري.

والى هذا يشير المفكر مالك بن نبي إلى أن القابلية للاستعمار لا تقتصر على المجال السياسي، بل تمتد إلى المجال الثقافي واللغوي، حيث تتبنّى الشعوب المستعمَرة لغةَ المستعمِر بوصفها رمزًا للقوة والحداثة.

ومن هنا أصبحت اللغة الأجنبية في بعض المجتمعات العربية تمثل رأس مالٍ رمزيًا يمنح صاحبه امتيازًا اجتماعيًا، سواء في الوظائف أو التعليم أو العلاقات الاجتماعية، بينما تراجعت مكانة العربية في الفضاء العام.

وهناك اسباب كثيرة لظاهرة عقدة اللغة الأجنبية منها ما هو تاريخي ومنها ما هو اجتماعي؛ فقد لعب الاستعمار الأوروبي دورًا محوريًا في تكريس هيمنة اللغات الأجنبية داخل العالم العربي. حيث سعت القوى الاستعمارية إلى فرض لغتها في الإدارة والتعليم والثقافة، مما أدى إلى إضعاف اللغة العربية في العديد من الأقطار. ففي دول المغرب العربي مثلًا، ارتبطت اللغة الفرنسية بمؤسسات الدولة والطبقات الميسورة، بينما ظلت العربية مرتبطة بالتعليم التقليدي والطبقات الشعبية.

وقد ترك هذا الإرث أثرًا نفسيًا وثقافيًا عميقًا استمر حتى بعد الاستقلال، حيث بقيت اللغة الأجنبية تمثل لدى بعض الفئات رمزًا للسلطة والمعرفة والرقي.

ومن الأسباب المهمة أيضا العولمة وهيمنة النموذج الغربي؛ إذ مع تصاعد العولمة والثورة الرقمية، ازدادت هيمنة اللغة الإنجليزية بوصفها لغة الاقتصاد والتكنولوجيا والبحث العلمي. وقد أدى ذلك إلى ترسيخ الاعتقاد بأن النجاح المهني والاجتماعي مرتبط بإتقان الإنجليزية، الأمر الذي دفع كثيرًا من الأسر العربية إلى تفضيل المدارس الأجنبية أو الثنائية اللغة على حساب التعليم العربي.

ويؤكد الكاتب التونسي عبد السلام المسدي أن الأزمة اللغوية العربية ليست مجرد أزمة تعليم، بل هي أزمة وعي حضاري، إذ أصبح العربي ينظر إلى لغته من زاوية النقص مقارنة باللغات الغربية.

وربما يقف على رأس أسباب هذه العقدة ضعف المؤسسات التعليمية العربية؛ فلقد أسهمت المناهج التقليدية لتدريس العربية في تعميق الفجوة بين الطالب ولغته الأم. حيث ارتبط تعليم العربية، خصوصًا النحو، بالحفظ والتلقين بدل التذوّق والاستعمال الوظيفي، ما جعل كثيرًا من الطلاب ينظرون إلى العربية بوصفها لغة معقّدة وصعبة. وفي المقابل، تُقدَّم اللغات الأجنبية بطرائق حديثة تعتمد على التواصل والتفاعل، الأمر الذي يعزز صورة اللغة الأجنبية بوصفها أكثر مرونة وعملية.

ولا ننسى الإعلام والثقافة الاستهلاكية، فقد ساهم الإعلام الحديث ومنصات التواصل الاجتماعي في تكريس الهيمنة الرمزية للغة الأجنبية، إذ أصبحت الكلمات الإنجليزية تُستخدم في الإعلانات والعلامات التجارية والخطاب اليومي بوصفها رمزًا للعصرية. كما أن بعض المؤثرين وصنّاع المحتوى يتعمّدون المزج بين العربية والإنجليزية لإضفاء صورة اجتماعية معينة، مما يؤثر في وعي الشباب اللغوي.

وقد تجلّت مظاهر (عقدة اللغة الأجنبية) في المجتمع العربي بأمور عدّة منها التفاخر باستخدام اللغة الأجنبية؛ إذ أصبح استخدام الإنجليزية أو الفرنسية في الحديث اليومي وسيلة لإظهار المكانة الاجتماعية لدى بعض الفئات، حتى في المواقف التي لا تستدعي ذلك. وقد أدى هذا السلوك إلى خلق نوع من التمييز الرمزي بين المتحدثين بالعربية والمتحدثين باللغات الأجنبية. وكذلك تهميش اللغة العربية في التعليم بعدد من الجامعات العربية حيث تُدرَّس التخصصات العلمية والطبية والهندسية باللغات الأجنبية، مما رسخ فكرة أن العربية عاجزة عن استيعاب العلوم الحديثة، رغم أنها ليست عائقًا في ذاتها، بل إن المشكلة ترتبط بضعف حركة الترجمة والتعريب.

وايضا هناك الازدواجية اللغوية؛ حيث يعاني كثير من الشباب العربي من ازدواجية لغوية وثقافية، فيتحدث العربية بوصفها لغة انتماء عاطفي، بينما يستخدم الإنجليزية أو الفرنسية أو غيرها بوصفها لغة علم وعمل. وينتج عن ذلك أحيانًا نوع من الاغتراب اللغوي وفقدان الثقة بالهوية الثقافية.  وان مما يدعو الى الألم ان أحد مظاهر تجلّي هذه العقدة هي السخرية من الفصحى؛ ففي بعض البيئات الاجتماعية، يُنظر إلى المتحدث بالعربية الفصحى نظرة ساخرة أو متكلّفة، بينما يُنظر بإعجاب إلى المتحدث بالإنجليزية. ويكشف هذا التناقض عن اضطراب في سُلَّمِ القيم الثقافية داخل المجتمع.

وإذا كانت هناك أسباب ذكرناها لعقدة اللغة الأجنبية في المجتمع العربي ومظاهر لهذه العقدة فلا بد ان تكون هناك آثار ثقافية واجتماعية لها يمكن حصرها في اربع نقاط اساسية هي: تآكل الهوية الثقافية والانقسام الطبقي وضعف الانتاج المعرفي بالعربية والاغتراب النفسي والثقافي. حيث ان تراجع مكانة اللغة العربية لا يمثل مجرد تغير لغوي، بل يعكس أزمة هوية حضارية، لأن اللغة تحمل داخلها منظومة القيم والتصورات الثقافية للأمة. وكلما ضعفت العلاقة باللغة الأم، ضعفت الصلة بالتراث والتاريخ والذاكرة الجمعية. وقد أصبحت اللغة الأجنبية في بعض المجتمعات العربية أداة للفرز الطبقي، حيث يحصل خريجو المدارس الأجنبية على فرص أفضل في العمل والحياة الاجتماعية، بينما يتعرض خريجو التعليم العربي للتهميش، مما يعمق الفوارق الاجتماعية. ففي حين تتراجع الثقة باللغة العربية، يقلّ الإنتاج العلمي والثقافي بها، ويزداد الاعتماد على المعرفة المستوردة. وهذا يؤدي إلى تبعية فكرية تجعل المجتمعات العربية مستهلِكة للمعرفة أكثر من كونها منتِجة لها. وفي النتيجة يشعر بعض الشباب العربي بانقسام داخلي بين انتمائه الثقافي العربي ومتطلبات الواقع المعاصر، مما يولّد نوعًا من الاغتراب وفقدان التوازن الهوياتي.

ونحن إذ نعرض لهذه المشكلة المهمة التي باتت تهدد قيمنا ومجتماعتنا وهويتنا كعرب يعن لنا أن نسأل هل المشكلة في اللغة العربية؟

وللجواب على هذا السؤال نقول إنّ من الخطأ اختزال الأزمة في اللغة العربية ذاتها، فالعربية لغة غنية تمتلك نظامًا نحويًا وبلاغيًا متماسكًا، وقد أثبتت عبر التاريخ قدرتها على استيعاب العلوم والفلسفات. غير أن المشكلة تكمن في طريقة التعامل معها، وفي السياسات الثقافية والتعليمية التي لم تستطع تحديث تعليم العربية وربطها بالحياة المعاصرة.

ويرى طه حسين أن اللغة العربية قادرة على مواكبة العصر إذا توافرت الإرادة الحضارية لتطويرها، لأن اللغة كائن حي ينمو بالتفاعل مع المجتمع والمعرفة.

ومن هنا نرى ضرورة التأكيد على حل هذه المعضلة ومعالجتها بأدوات موضوعية وعملية يمكن إيجازها في أربعة أمور هي: تحديث تعليم اللغة العربية وتعزيز مكانتها في العلوم ومن ثم تحقيق التوازن اللغوي وأخيرا ينبغي للإعلام العربي ومؤسساته الثقافية بما فيها الفضاء الرقمي أن يأخذ دوره الفعال في حل هذه الإشكالية. وعليه يجب الانتقال من أساليب التلقين والحفظ إلى طرائق تعليمية حديثة تجعل العربية لغة للتفكير والإبداع لا مجرد مادة دراسية جامدة. كما لا بد من دعم حركة الترجمة والتعريب وتشجيع البحث العلمي باللغة العربية، حتى تستعيد مكانتها بوصفها لغة معرفة. بالاضافة الى التأكيد على ان المطلوب ليس رفض اللغات الأجنبية، بل تحقيق توازن صحي يقوم على الاعتزاز بالعربية مع الانفتاح على اللغات الأخرى بوصفها أدوات للمعرفة لا بدائل عن الهوية. وفي النهاية ينبغي على الإعلام العربي أن يقدم نموذجًا لغويًا متوازنًا يحترم العربية ويعزز حضورها في الفضاء العام، بدل تكريس صورة اللغة الأجنبية بوصفها معيارًا للرقي.

وحريٌّ بالذكر ان الأدباء والشعراء العرب تنبّهوا مبكرا لخطورة هذا التحوّل، فعبّروا عن أزمة اللغة بوصفها أزمة وعي حضاري وهوية ثقافية.

وقد تجلّى هذا التنبيه من خلال كتاباتهم وأشعارهم؛ فهذا حافظ ابراهيم يؤكد على عمق العربية وان لا ضرورة للاستغناء عنها لأي سبب من الأسباب فيقول على لسان حال اللغة العربية:

أَنا البَحرُ في أَحشائِهِ الدُرُّ كامِنٌ

فَهَل سَأَلوا الغَوّاصَ عَن صَدَفاتي

فَيا وَيحَكُم أَبلى وَتَبلى مَحاسِني

وَمِنكُم وَإِن عَزَّ الدَواءُ أَساتي

ثم يقول:

أَرى لِرِجالِ الغَربِ عِزّاً وَمَنعَةً

وَكَم عَزَّ أَقوامٌ بِعِزِّ لُغاتِ

أَتَوا أَهلَهُم بِالمُعجِزاتِ تَفَنُّناً

فَيا لَيتَكُم تَأتونَ بِالكَلِماتِ

أَيُطرِبُكُم مِن جانِبِ الغَربِ ناعِبٌ

يُنادي بِوَأدي في رَبيعِ حَياتي

 ثم يردف:

أَيَهجُرُني قَومي عَفا اللَهُ عَنهُمُ

إِلى لُغَةٍ لَم تَتَّصِلِ بِرُواةِ

سَرَت لوثَةُ الإِفرِنجِ فيها كَما سَرى

لُعابُ الأَفاعي في مَسيلِ فُراتِ

فَجاءَت كَثَوبٍ ضَمَّ سَبعينَ رُقعَةً

مُشَكَّلَةَ الأَلوانِ مُختَلِفاتِ

وهذا أحمد شوقي يقول:

و دَع لِسانَكَ وَاللُغاتِ فَرُبَّما

غَنّى الأَصيلُ بِمَنطِقِ الأَجدادِ

إِنَّ الَّذي مَلَأَ اللُغاتِ مَحاسِناً

جَعَلَ الجَمالَ وَسَرَّهُ في الضادِ

ان ظاهرة عقدة اللغة الأجنبية في المجتمع العربي تكشف عن أزمة أعمق من مجرد تفضيل لغوي، فهي ترتبط بتاريخ طويل من التبعية الثقافية والاختلالات التعليمية والاجتماعية. وقد تحولت اللغة الأجنبية في بعض البيئات إلى رمز للمكانة الاجتماعية والحداثة، بينما تراجعت مكانة العربية في الوعي الجمعي، الأمر الذي أسهم في نشوء اغتراب لغوي وثقافي لدى الأجيال الجديدة.

غير أن معالجة هذه الأزمة لا تكون برفض اللغات الأجنبية أو الانغلاق الثقافي، بل ببناء وعي حضاري متوازن يعيد للعربية مكانتها بوصفها لغة هوية ومعرفة، مع الانفتاح في الوقت نفسه على اللغات العالمية. فالأمم المتقدمة لا تتخلى عن لغاتها من أجل الحداثة، بل تبني حداثتها بلغتها أولًا.