الامي من الناس فاقت كل ما تجمع في جسدي من الام

محمد يونس القاضي: رائد التأليف المسرحي والغنائي

الشعر هو مرآة العقل العربي. يصور الحياة، يعتمد على الخيال والإيقاع والعاطفة؛ يستطيع المبدع أن يعبر عن أفكاره وعن مشاعره من خلال الصور الفنية.    وكما قال الشيخ محمد يونس القاضي عن الشعر: 

“إن الشعر لسان يترجم عمَّا في فؤاد الخيال، ولكنه لا يتحرك بإرادة صاحبه كباقي الألسنة حيث له سلطان”

يعد محمد يونس القاضي (١٨٨٨-١٩٦٩) من أبرز كتاب الأغاني في مصر في النصف الأول من القرن العشرين. كتب العديد من الأغاني الوطنية والشعبية التي كان لها بصمًةً كبيرةَ في الذاكرة الفنية والأدبية المصرية. كان القاضي من الذين أثروا الحياة بالعديد من المسرحيات والشعر اللذين كانا شعاعًا للثورة ضد الإنجليز. 

نشأته وحياته:

ولد القاضي بقرية النخيلة بمركز أبو تيج في صعيد مصر بمحافظة أسيوط لأسرة عريقة. كان والده قاضيًا، وكانت والدته من أعيان القاهرة الفاطمية. كانت لأسرته بصمة واضحة في تنشئته فقد التحق بالكتّاب وحفظ القرآن الكريم.  ثم أرسله والده في الثامنة عشر من عمره للقاهرة ليلتحق بالأزهر الشريف.

كان والده يقيم صالونًا أدبيًا ويحضره نخبة من الأدباء والمثقفين في النخيلة ويتناول فيه الشعر والزجل. عرف الشيخ القاضي منذ صغره بحبه للأدب فكان يكتب القصائد ووالده يكافئه عليها، ويشجعه على دراسة الأدب والبلاغة العربية. كان والده يمتلك مكتبة كبيرة تضم آلاف الكتب، وهذا الذي ساعده على أن يكون أديبًا وشاعرًا وزجالًا وكاتبًا مسرحيًا فريدًا.

مسيرته الأدبية والفنية:

كانت البدايات عندما أرسل معه والده خطاب توصية إلى الشيخ علي يوسف صاحب جريدة (المؤيد) ليسمح له بالعمل في جريدته، وبدأ بنشر مقالاته بعد المقابلة التي أجراها له علي يوسف؛ فكانت أغلب المقالات تنشر في الافتتاحية بأسماء مستعارة مثل :(جرير) و( الأخطل) إلى أن حدث خلاف بينه وبين علي يوسف وقرر ألا يعود ويكتب في جريدة المؤيد.

بعدها ذهب للقاء الزعيم مصطفى كامل وقدم له أول مقالاته فأعجب بها فقام بنشرها في جريدة “اللواء” 1905م.  وظل الشيخ القاضي يكتب فيها فترة طويلة. ويذكر بأنه كان يشرح خطب الزعيم كامل للشعب فيحولها من الفصحى للعامية، كما قام بنشر خطب مصطفى كامل في العديد من الصحف المصرية.

وبعد وفاة مصطفى كامل، ظل الشيخ القاضي يعمل في اللواء تحت رئاسة تحرير عبد العزيز جاويش.

وفي عام 1910 صدر كتاب اسمه( تسالي رمضان )وفيه أزجال للقاضي أثارت إعجاب الأستاذ أحمد عباس صاحب مجلة (السيف) فاتصل بالقاضي وطلب منه أن يكون زجالا للمجلة ولكنه  وافق  بعد إلحاح ، وكان يتقاضى جنيها واحدا عن كل زجل ينشر في المجلة،  وفي  العام  نفسه عمل صحفيًا بجريدة العفاف ،والمسامير، و إياك ،أما اللطائف المصورة، فقد عمل بها منذ عام 1912م وحتى عام 1942م.  كما عمل في جريدة (مصر الفتاة) لصاحبها ، سيد علي ، حيث كان يكتب فيها محكمة اللغة والأدب.

 لقد كتب الشيخ يونس القاضي فيما يقارب العشرين مجلة وجريدة من الصحف السياسية والأدبية والفكاهية، كمـا شغل الشيخ يونس منصب رئيس تحرير (مجلة مصر) عام 1919م.

كتب الشيخ القاضي آلاف الأزجال وقد لُقب بشيخ المؤلفين وزجال الشعب، كما ألف الشعر وأصدر ديوانا في عام 1911م، احتوت الكثير من أزجاله على الغزل والهزل والخلاعة والهجر والنكت والمواعظ والحكم. 

كتب ما يزيد على ألفي طقطوقة وموشح سجل أغلبها على أسطوانات بأصوات كبار الفنانين في ذلك العصر مثل: منيرة المهدية زكي مراد، ومحمد القصبجي، وداوود حسني، وكامل الخلعي، وحامد مرسي وعبد اللطيف البنا، وأم كلثوم ومحمد عبد الوهاب. كان يقف دائمًا وراء نجاحات شخصيات الطرب في ذلك الزمان. كما كتب اثنتي عشرة رواية ومن أهمها:(المظلومة)، (حرم المفتش)، (حماتي) بالإضافة إلى إنه كتب كمًا كبيرًا من المسرحيات.

تعد شخصية القاضي  شخصية دؤوبة وغزيرة الإنتاج الفني منذ كان أديبًا مُلما بأسس كتابة الرواية والشعر والزجل والمسرحية الغنائية، كما ساعده عمله في الصحافة بتوطيد علاقاته بالمطربين والأدباء والمثقفين وهو ما ظهر جليًّا في صداقته لهم ومتابعته للإنتاج الفني الذي استفاد منه بعد ذلك. 

التعاون مع كبار الفنانين:

جميع الأغاني التي استحوذت على أسماع الشعب المصري في ذلك العصر والتي بقيت حية نابضة بالنغم الجميل حتى الآن هي من كلمات الشاعر والزجال الشيخ محمد يونس القاضي. 

لقد ارتبط القاضي بالزعيم مصطفى كامل ارتباطًا روحيًا ووطنيًا، وتجلت عبقريته في الأغنيات الوطنية التي قدمها، ولا تزال أغنياته التي نظمها من الموروث الشعبي المصري، حيث أنها تردد حتى الآن. 

أخذ الشيخ القاضي  كلمات نشيد (بلادي بلادي لك حبي وفؤادي) من خطبة للزعيم مصطفى كامل الذي كان يرعى الشاعر القاضي ثقافيًا ومعنويًا. ويذكر بأنه كتبها كأغنية وطنية يصف فيها مشاعر الشعب المصري بعد نفي سعد زغلول والوفد الممثل لمطالب الشعب المصري خلال ثورة ١٩١٩ لكي يقوي عزيمتهم ويمنحهم الصمود. لقد عانى القاضي من تجاهل أهل الفن والتجاهل الإعلامي حيث كان يظن الكثير من الناس بأن سيد درويش هو مؤلف نشيد (بلادي بلادي لك حبي وفؤادي)، وقتها ظهر استياؤه من ادعاء البعض بملكيته للنشيد، ففي ذلك الوقت لم يكن هناك جمعية للمؤلفين والملحنين، لذلك تم تسجيل هذا النشيد مع عشرات الأناشيد الأخرى في المحكمة المختلطة عام ١٩٢٣. لقد غنى ذلك النشيد محمد بهجت والست تودد.

لقد اعتمده الموسيقار محمد عبد الوهاب نشيدًا وطنيًا عام ١٩٧٨، ثم أعيد توزيعه مرة أخرى ولكن اسم مؤلف الأغنية مازال ينساه الجميع في وقت لا يتذكر الناس فيه سوى المغني واللحن. 

والجدير بالذكر بأن المطرب سيد درويش كان من أقرب أصدقائه والذي بدوره رافقه طوال مشواره الفني من خلال كتابته لأهم وأشهر أغانيه مثل أغنية (يا بلح زغلول) وأغنية (زورني كل سنة مرة) حيث كتب هذه الأغنية لمصالحة أخته بعد خلاف أدى إلى قطيعة بينهما وقد سمعت أخته الأغنية التي انتشرت في مصر كلها وفهمتها وتصالحت معه. وأغنية (أنا هويت وانتهيت) كتبها القاضي مستلهمًا فيها عشق سيد درويش للراقصة جليلة. كما تم التعاون بينهما في الأوبريتات الغنائية من خلال فرق الكسار والريحاني ومنيرة المهدية.

ألف الشيخ القاضي عددًا من الأغاني العاطفية التي تعبر عن الحب والغزل العفيف  التي ساعدت على تحفيز  المشاعر للشعب المصري والعرب إجمالًا، والتي نسمعها حتى يومنا هذا ويصل عمر كل أغنية بما يقارب المئة عام مثل أغنية: ليلة في العمر ما فيش منها، يمامة بيضاء، مصر الجديدة، يا ليل أسير الغلابا ، يا حنينة يا عيني حنينة، ألو ..ألو، يسعد صباح الحبايب، أيتها الأزهار، حبيب غاب وبقاله زمان، سيبوني يا ناس في حالي ، بالزمة قولولي، خفيف الروح، وأنا عشقت، وضيعت مستقبل حياتي، وبطلوا ده واسمعوا ده، وغيرها

كما ألف الكثير من الطقاطيق التي يشار إليها بالخلاعة وعبر فيها عن الحب بأسلوب الغزل الصريح، وكان أول من ألغاها في اليوم الأول من تعينه رقيبًا على المصنفات الفنية والتي كانت وقتها تابعة لوزارة الداخلية.  ومن تلك الطقاطيق: ارخي الستارة اللي في ريحنا، بعد العشا، فيك عشرة كوتشينه، أنا مالي هي اللي قالتلي، عدى عليكي يا قمورة، فلفل..فلفل، حرج عليّ بابا مارحش السينما، يا لابس ع السترة نجمة، يا حليلة يا حليلة، ما تخافش عليهَّ، الساعة كام يا سي محمد، يا ميت مسى على العيون الكويسَّ. وغيرها.

كما ألف أجمل الأغاني الوطنية ومنها:(حب الوطن فرض علي)، (أحنا الجنود زي الأسود)، و (امتى بقي نشوف قرش المصري في بلده ولا يطلعش) وغيرها. لقد قضى حياته بالكتابة ودعم الفن باكتشاف المواهب التي كان لها بصمة مميزة على الفن العربي عمومًا والمصري بصفة خاصة. فهو لم يتخيل بأن الأغاني التي ألفها خالدة حتى الآن وتتردد على ألسنة الشعب المصري والعربي وتغنيها أجيال تلو الأخرى. 

مسرحياته:

يحمل الشيخ القاضي الشاعر الغنائي والزجال والمسرحي تاريخًا مميزًا من الإبداع ونشر الثقافة الوطنية ضد الاحتلال الإنجليزي. تعد مسرحياته من الأعمال الرائدة في تاريخ المسرح المصري. لقد كانت كتاباته في المسرح السياسي والاجتماعي هي أعمق الكتابات الموجودة في ذلك العصر بل وأهمها.  

لقد قدم ٥٨عملًا مسرحيًا متعدد الأوجه، كما كتب مسرحيات لفرقة عكاشة ومنها:(اللي وقع يتصلح)، (البدر لاح)، (حاجب الظرف)، (المظلومة)، (حماتي)، (كلها يومين)، (الفهلوية)، (الدنيا وما فيها)، (مملكة الحب)، (عروس الشرق)، (البربرية في باريس)، (كليو باترا ومارك انطوان) ،(سلموا القط مفتاح الكـرار)،(زقزوق وظريفة )، (ابن العمدة)،( كلام في سرك )،( الدموع )،(حسن أبو على سرق المعزة (، (التالتة تابتة)، (مبروك يا مصر) وهي آخر مسرحياته التي كتبها في الستينيات وتعتبر المسرحية الثالث عشرة من مسرحياته.

ففي ذلك الوقت كان المسرح المصري يعاني من ضعف تيار المسرح التراجيدي نتيجة لفرض الحماية الإنجليزية على مصر علاوة على سوء الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، فكان الميل إلى المسارح الكوميدية للترفيه والتسلية، كما انتشرت الدعوى إلى التمصير بعد ثورة ١٩١٩ وإلى التأليف المحلي الذي يعالج المشكلات المصرية متجهة إلى الميلودراما التي ارتبطت منذ نشأتها بالقضايا المصرية وهمومها. لقد جسد الشيخ القاضي بكلماته المجتمع وانتقد الأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية بأسلوب فكاهي. واعتمد  في مسرحياته على المفاجآت والمصادفات وفضل النهايات السعيدة التي تلبي رغبة الجمهور الذي كان وقتها يطالب بالنهايات السعيدة. لم يعرض له في المسرح الكثير من مؤلفاته المسرحية؛ لأن المسارح كانت تفضل عرض المسرحيات الأجنبية المعربة.

إلى جانب أعماله المسرحية الغنائية، والاجتماعية والفكاهية التي كانت ذات محتوى سياسي الأمر الذي أدى في كثير من الأحيان إلى خروج الجمهور بمظاهرات ضد الإنجليز بعد العرض فقام الإنجليز بوقف عرض مسرحياته. كما تم اعتقاله أكثر من ١٩ مرة. 

وفاته:

 أجرى شيخنا  القاضي عام ١٩٦٦ حوارا لجريدة “الأخبار” بعد أن أقعده المرض والفقر والنسيان من جهة الجمهور والمطربين يقول فيه:” أنا أعيش في ضياع. أريد أن تمر أيامي بسرعة. أعيش الآن تائهًا. صرفت كل ما أملك على الأدوية والعلاج. الخوف من الأيام يطاردني. إن آلامي من الناس فاقت كل ما تجمع في جسدي من آلام”. 

رحل أديبنا  القاضي بعد طول معاناة مع المرض والعوز دون أدنى دعم من أصدقائه الذين أصبحوا نجومًا متألقةً في سماء الفن مثل الراحلين أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب.

ذلك الشاعر والزجال الشيخ محمد يونس القاضي الشخصية التي لم ينصفها التاريخ ولم يضعها في دائرة النجومية  التاريخية ، ولم تلتفت الجامعات في الدراسات العليا إليه ، رغم غزارة انتاجه  واهميته ,