المشرق العربي يتدثر بغطاء أبيض، فيما يخفي تحته حقيقة صادمة للساكن خارج تلك المنطقة المنكوبة. أننا أمام واجهة الشرق الأولى على البحر المتوسط، حيث تتشارك ذلك الموقع الحضاري مع أوروبا وشمال أفريقيا.
هذه الحال تبرز بسهولة أمام الناظر العابر ليوميات الخراب في لبنان وسورية وفلسطين والعراق، وليوميات شظايا ذلك الخراب في الأردن.
هنا نلاحظ اجماعًا عربيًا ودوليًا على أن لبنان، في وحدته وانقسامه، هو عينة نموذجية من خراب المشرق في أيامنا الحاضرة، ولا يحتاج حتى المراقب المتسرع ان يلاحظ التنوع الطبيعي والديني (الطائفي) في هذا الوطن حيث تتحول الروحانيات التي يجمع عليها ملايين البشر الى حجارة صماء تشق الرؤوس وتسيل الدماء.
وفي ما يتعدى السياسة نرى ان التعبير الوجداني هو الأولى بالعناية في القلق الذي يهز المشرق العربي، ذلك ان السياسة هنا مظهر بائس يخفي حقائق أكثر بؤسًا ويعد بالكوارث لا بالانفراجات. ويحضر الفراغ باعتباره إلغاء للوجود، أي وجود.
والفراغ قرية تركها سكانها، قرية بلا سكان، فلاح وحيد وخمس بقرات. ولولا الفلاح والبقرات لكان الفراغ موتًا. يرضى الفلاح بالقرية فراغًا بين حيويتين، ما قبل الهجرة وما بعد الرجوع.
رحل الناس بسرعة هربًا من الموت الآتي. الوعد بالموت يخيف أكثر من الموت. الوعيد أبلغ من المشاهدة، والراحلون حملوا بطاقات الهوية وشهادات الملكية، هوية بلا مكان وشهادات تشهد على الغائب جوازًا.
الفراغ بعد الرعب، الفراغ أكثر رعبًا من الرعب، والفراغ ناس كانوا قد اجتمعوا بلا علاقات، ثم تفرقوا.
الفراغ هو ما تحققه اسرائيل وما مهد له محاربون في حرب أهلية توسلت الرصاص والقذائف بقدر ما توسلت الكلام المسموم الملفع بالشوك.
وحين كان المسلحون يحضرون بآلاتهم المعدنية وكلماتهم المطاطية، نلاحظ اختفاء المدنيين، لا يبقى منهم سوى مادة دعاوية عن القتل والتشنيع. كأن دور المدني أن يموت بطريقة بشعة. أن يكون ملحقًا يزين فعل المقاتلين ويبرر.
ومن تبقى من المدنيين يفتش عن سقف قبل ثلج الشتاء، يبحث عن طريق توصل إلى زاوية بلا أبطال، عن كوخ لم تلحظه خرائط المدفعية.
والمدني يبحث عن مكان فيه بعض قانون. بعض الأعراف التي داستها الكلمات الكبيرة المجنزرة.
وهو يسمع خطابًا من بعيد مفاده:
بينك وبين جسدك المعنى.
والجمال بينك وبين الأشياء.
وقال اللبناني موصيًا أولاده أن ابقوا في أماكنكم واذا غادرتم فعودوا إليها، ولتكن رياح الكون معبرًا الى رفرفات شجرة البيت العتيقة لنعرف.
وكذلك قال ان المنقلبات لا تحصى وان الأيام حبلى بالمفاجئ، فليكن لكم المطلق الجميل، ولكي يكون لكم، فلتقفوا على أرض أمان صغيرة، ولتفتدوها فلا تضيعوا بين غرفة وغرفة. ولكن، أنّى يكون لهم ذلك في ما يحصل من إبادة للبشر والحجر.
أرى القليل واشهد بشكل غير كاف لأنني على ضفة البحر أدير ظهري للتراب والعمران واتوجه حائرًا نحو أفق الغرب، مشدودًا الى هجرة تعانق الانتحار. عند حدود الفصول في وقت بين الشمس والرياح، كمن يشهد حدودًا كانت تتحول في وقت بين الكلام والجسد.
يتداخل الضباب هادئًا في مجال الرؤية، يوحد الأشياء، ولا تبقى لك سوى أوهام شجرة الحديقة، أوراق الشجرة عند اطراف الغصون تتحرك دونما وجهة، كأنما تحاول تسلق الجدار الزلق.
واقف عند عتبة العري واللون. تهب ريح باردة فتهمد أعصاب الشجر ويسكن وعد العشب، ثم ريح حارة فتمتد أعصاب الغصون، تبرز في مفاصلها انتفاخات لا تقوى بعد على التفتح.. لمسة الحرارة تطوف فوق مدى الأرض، تهدهد وعدها فتطل في الوعد خيوط الأخضر بين ذرات التراب، يتفتت الوحل ويتنفس خصبًا.
هذا الجسد شجرة.
هذا الجسد وعد المجهول.
وهذه الروح ضباب حبيس.
تساءل اللبناني: ماذا رأيت وماذا أرى؟
وأجاب: بعدما غاب وجداننا لبناننا، وإذ نبحث عنه في الآلام لا نراه بل نرى حطام المدينة، وإذ ننصت إليه تمنعنا ضوضاء الكلام والسلاح والصنوج، وإذ نطالعه نطالعنا في المرايا، تتكسر المرايا أو تكون مصبوغة بانعكاسات جاهزة.
ويا لبنان، غيبوك في ايقاعات تكسير الزجاج وتحطيم الأرزاق وفي لعبة التحريم والتحليل دونما شهادة موثقة ودون شهود عدول، وغيبوك في كلمات هجينة تستعير إلى شخصيتك اشخاصًا والى لونك الوانًا والى خطابك خطبًا، حتى تمسي بين أيديهم عجينة لمقتضى الحال، أي حال، ثم يتنصلون.
ويا لبنان الذي كنت رفعته الى مرتبة القداسة:
افهم ان المثالية شأن يطلع من الذات وانها مجاهدة تجاه الذات والآخر، وافهم أنه لا يمكن ان تكون هناك مضخة توزع المثالية على الرؤوس كنافورة احتفالية. المثالية ليست فكرة عابرة تستخدم في مرحلة وتهمل في مرحلة ولا غرسة تزرع في فصل لتقطف في فصل آخر. إنها عملية تكوين وليست موقعًا في طابور ينتظر التعليمات وكميات الذخيرة.
ويا لبنان، افهمك فداء وحالة ضغط دائمة في جانب العدل وفي مواجهة الظلم والافتئات، ولأنك حالة ضغط فجماعتك هي كل جماعة، تضغط من أجل العدالة، من أجل تقريب السلطة من العدالة والتخفيف من اثم التسلط، وانك يا لبنان لا تطلب سلطة، لا تطلب اثمًا.
قبل التاريخ أي قبل الحرب، في التاريخ السويّ الذي لم يبق تاريخًا، قبل التاريخ صورة الرجل على منبر الصف، الرجل البريء يعلّم لغة عربية ويقرأ أشعارًا في الأرض والانتماء. قبل التاريخ الرجل الفقير النقي، يقول أفكارًا، أفكار الأسئلة وقليل الجواب.
بعد التاريخ في الحرب، الرجل في المعرض يرعى ويستحسن ويقيس ابتسامة ولمعة العينين. الرجل في المعرض وحوله المستقبلون وقربه الحشم تتحرك أيديهم كأنهم يصعدون درجًا عاليًا. الرجل في المعرض يمشي كمن ينزلق على الأرض، ثم يبتعد سريعًا ومعه الازلام.


