Home / فنو ن / الأدب بأقلام نسائية في مهرجان الآداب المرتحلة بالرباط

الأدب بأقلام نسائية في مهرجان الآداب المرتحلة بالرباط

تحت شعار “العالم بأقلام نسائية” وبمشاركة ثلاثين كاتبة من العالم، جدد مهرجان “الآداب المرتحلة / Littératures Itinérantes” لقاءه مع جمهور العاصمة الرباط، ومع عشاق الثقافة والأدب والقراءة يومي 10 و11 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي بفضاء المكتبة الوطنية للمملكة المغربية، وخصص دورته السابعة للاحتفاء بالأقلام النسائية والكتابات التي تخطها المرأة في مختلف الأجناس ومن مختلف البلدان: تونس، لبنان، الجزائر، فلسطين، سوريا، فرنسا، سويسرا، إسبانيا، الكاميرون، جزيرة لاريونيون، كندا، جزيرة المارتينيك، والمغرب.

شارك في الدورة السابعة من مهرجان “الآداب المرتحلة” المنظمة من قبل الجمعية التي تحمل اسمه بدعم من وزارة الثقافة المغربية لتدخل في إطار تظاهرة الرباط عاصمة عالمية للكتاب لعام 2026، مجموعة من الكاتبات لهن إصدارات مهمة خلال السنتين الأخيرتين، ومنهن من توجن بجوائز أدبية رفيعة، نذكر من بينهن: ماري فانغتراس وفانيسا شنايدر وأديل روزنفيلد من فرنسا، وبياتريس ريان من سويسرا، وجورجيا مخلوف من لبنان، وسامية عيسى من فلسطين، وفوزية الزواري وآمال مختار وأميرة غنيم من تونس، وأوزفالد لوات من الكاميرون، وغايل بيلم من جزيرة لارينيون، وماري جوزيه ألي-مونتيو من جزيرة المارتينيك ومرام المصري من سوريا، وغزلان تواتي من الجزائر، ومن المغرب: أسماء المرابط وزكية داوود ونزهة جسوس ولطيفة لبصير وهاجر لمفضلي.

العالم بأقلام نسائية

توزعت أنشطة هذا المهرجان الوفي لـ “أدب الشارع” خلال يومين بفضاء المكتبة الوطنية للمملكة المغربية، على أربع موائد مستديرة، ثلاثة باللغة الفرنسية تناولت فيها المشاركات مواضيع من قبيل: “العالم بأقلامهن”، و”الكلمات والنساء”، و”حين تنسج النساء روابط الضفتين”، ومائدة رابعة باللغة العربية “العالم بأقلام نسائية” تحدثت فيها المشاركات من العالم العربي عما يشغلهن ككاتبات وعن القضايا التي تؤرقهن وتغذي أعمالهن، إضافة إلى جلسات لتوقيع الكتب وقراءات لمقاطع أدبية في خيام نصبت في الفضاء الخارجي للمكتبة، الذي تحول إلى مكتبة مفتوحة استقطبت زوار المكتبة من باحثين وطلاب، وحظيت باهتمام بالغ من القراء المغاربة والمهتمين بالأدب والثقافة، وهو ما يدل، كما قال إدريس اليزمي، الناشط المغربي والرئيس السابق للمجلس الوطني لحقوق الإنسان وعضو جمعية “الآداب المرتحلة”، على أن أزمة القراءة في المغرب هي “أزمة عرض بالأساس”، فإذا ما تمت تقوية هذه الواجهة الأساسية، وتم عرض الكتب بالطرق اللائقة والتي تحبب القراءة، وتم غرس مبادرات مواطنة من مثل الذهاب بالكتاب إلى السجون التي تقوم بها الجمعية، وتكسير حاجز الحرمان من الحرية بتقديم الكتاب إلى السجناء، وجعل الكتاب يزورون تلك القلاع المحصنة للقاء السجناء، فإننا بكل تأكيد سنساهم في خلق مواطن قارئ شغوف بالكتاب والمعرفة. 

تأسس مهرجان “الآداب المرتحلة” عام 2017 بمبادرة من الناشرة المغربية نادية السالمي صاحبة دار “يوماد للنشر” المتخصصة في كتاب الطفل، لقناعتها بأن الأدب يجب أن يغادر فضاءاته التقليدية ليلتقي بالجمهور والقراء في فضاءات رمزية مفتوحة يتم اختيارها بعناية كبيرة لخلق “حوار بين التراث والأدب والمواطنة ومد الجسور بين ثقافات العالم”، ولهذا كان الترحال والتنقل عبر مجموعة من المدن المغربية، هو الصيغة الأساسية التي طبعت دوراته السابقة التي حققت نجاحا مهما: سلا) 2017)، الدار البيضاء (2018)، مراكش (2019)، فاس (2022)، طنجة (2023)، الرباط (2024)، والرباط أيضا في هذه السنة، مع تخصيص الدورة بالكامل للأقلام النسائية.

فبعد توقفه سابقا لسنتين )2020 و2021( بسبب أزمة كوفيد، وتعذر تنظيمه العام الماضي 2025 لظروف خاصة، عاد مهرجان “الآداب المرتحلة” هذا العام بدعم من وزارة الثقافة لينظم دورته السابعة في إطار تظاهرة الرباط عاصمة عالمية للكتاب، ولكن بعدد قليل من الكتاب، لأن الدورات السابقة عرفت حضور أربعين كاتبا وكاتبة من مختلف بقاع العالم.

 ويأتي تقليص العدد في هذه الدورة كما قالت الناشرة نادية السالمي مديرة المهرجان لمجلة “الحصاد”، إلى مجموعة من الاعتبارات الداخلية والخارجية، أولها الميزانية المحدودة المرصودة لهذه التظاهرة، والتي لا تجد للأسف داعمين لها باستثناء وزارة الثقافة المغربية، وصعوبة التنسيق مع المسؤولين عن تسيير المدن المغربية الذين لا يضعون الكتاب والقراءة من ضمن أولوياتهم، كما أن ظروف الحرب والأزمات التي يمر بها العالم، وعراقيل استخلاص التأشيرات وشحن الكتب، وغيرها من الإكراهات، كلها أمور تحد من طموح هذا المهرجان، الدقيق في اختياره للكتاب والكاتبات الذين يشاركون في دوراته، والذين غالبا ما يكونون متوجين بجوائز أدبية رفيعة.

حضور محتشم للكتاب العربي

وبخصوص الحضور الطاغي للكتاب الأجنبي على حساب الكتاب العربي في دورات هذه التظاهرة، أوضحت نادية السالمي أنه يعود ببساطة “لسهولة التواصل مع الأجانب وتجاوبهم الكبير، أما العالم العربي فالتواصل فيه معقد وصعب للغاية، فإلى جانب أن الكتاب يجدون صعوبات كبيرة في الحصول على التأشيرة، فإن الناشرين لا يسهلون العملية، هذا ناهيك عن التوزيع السيء للكتاب في العالم العربي”. وهو ما أكده أيضا الشاعر جلال الحكماوي، عضو جمعية “الآداب المرتحلة” الذي أكد أن العالم العربي ليس متجانسا، ونظرا لغياب التواصل الكبير بين البلدان، فمن الصعب معرفة كل ما يتداول فيها من كتب وكتابات جيدة، باستثناء الأقلام المشهورة، لهذا اقترح إحداث منصة رقمية تضم جميع المنشورات على مستوى العالم العربي، حتى يسهل التعرف بشكل جيد على حركة النشر فيها، ويتيسر عمل منظمي التظاهرات الثقافية التي تعتمد في أنشطتها على الكتب.

ورغم كل هذه العراقيل، فإن نادية السالمي مديرة المهرجان، قد سجلت بكل فخر الارتفاع المطرد لأعداد الزوار والقراء المقبلين على فعاليات “الآداب المرتحلة”، معتبرة أن استقطاب ما بين 12 و14 ألف زائر في بضع ساعات مؤشر على أن “إشكالية القراءة والثقافة ليست أزمة جمهور، بل أزمة عرض ثقافي”. ولهذا فهي لا تؤمن بمقولة أن المغربي لا يقرأ، لأنه ليست لدينا إحصائيات دقيقة، وأن الكتاب الجيد يجد طريقه إلى القارئ، فقط يجب تقديمه له بطريقة تحببه في القراءة، متسائلة: ماذا نفعل كي يقرأ المغربي؟ 

وبالنظر إلى الأسماء المشاركة من أقلام نسائية في هذه الدورة من مهرجان “الآداب المرتحلة”، ولا حتى في الدورات السابقة، يظهر غياب الأسماء الشابة عنها، لأن المنظمين يشترطون أن يكون المشاركون أو المشاركات متميزون في مجالاتهم وحاصلون على جوائز، وهذا بحسب المتتبعين ليس معيارا لجودة الكتابات ولا أهميتها، فالكثير من الكتابات المهمة يظل أصحابها مغمورون ولا يتم الالتفات إليهم إلا بعد مغادرتهم لهذه الحياة. كما أن اختيار الأسماء المكرسة فقط يحيد بهذه التظاهرة الثقافية عن توجهاتها الأساسية والمتمثلة في نزع القداسة عن الكتاب وتقريبه من القارئ، ومد جسور بين الكتاب والقراء. ولهذا فمن حق القارئ الشاب أن يجد أقلاما شابة من جيله في هذا المهرجان، تتناول قضاياه واهتماماته الخاصة، والتي هي بكل تأكيد بعيدة عن اهتمامات كتاب من أجيال بعيدة عنهم.

فمثلما تم الاهتمام بالأطفال وتخصيص مكتبة متنقلة (Bibliobus) بساحة المكتبة الوطنية للمملكة المغربية، بمبادرة من وزارة الثقافة، ضمت منشطين ومحترفين قدموا أنشطة ترفيهية ممتعة ومفيدة للأطفال، الذين رافقوا أمهاتهم لحضور اللقاءات الأدبية لمهرجان “الآداب المرتحلة”، فإن من الواجب على المنظمين الاهتمام بالشباب وتنويع الكتب المقدمة والمعروضة لهم، حتى يتمكنوا من إخراجهم من أسر الحواسيب والهواتف والالتفات إلى قيمة الكتاب الورقي. 

هل ينبغي قتل شهرزاد؟ 

وكان مسك ختام هذه التظاهرة الفريدة من نوعها في العالم العربي، بشهادة المشاركات العربيات، هو العرض الفني المقدم في صيغة محاكمة أدبية تحت عنوان “هل ينبغي قتل شهرزاد؟”، وهو تجربة أدبية مسرحية غير مسبوقة أنجزت بتعاون مع “برلمان الكاتبات الفرانكفونيات” باللغة الفرنسية، تداخلت فيه حدود المسرح والأدب والنقاش الفكري.

وفي إطار رمزي لقاعة محكمة ترأست جلستها الصحافية الفرنسية فريديريك لانتييري، الوجه البارز في برنامج “لتدخلوا المتهم/ Faites entrer l’accusé” على القناة الفرنسية الثانية، تقمصت الكاتبات المشاركات في هذا العمل الفني، أدوار المدعيات العامات والشاهدات والقاضيات والمتهمات، من أجل مساءلة الأصوات النسائية ومواجهتها والاحتفاء بها، من خلال محاكمة متخيلة تفتح المجال للتفكير والحوار.

وفي هذا العمل الفني تحولت شهرزاد الشخصية الرمزية في كتاب “ألف ليلة وليلة” التي أنقذت حياتها وحياة نساء أخريات بفضل الحكايات والقصص التي كانت ترويها لشهريار، إلى متهمة مطالبة بالرد على سؤال جوهري: هل ينبغي الاستمرار في الاحتفاء بإرثها، أم يجب إعادة النظر فيما تمثله في العصر الحالي؟ وخلال هذه المحاكمة الرمزية تتخذ المشاركات الإحدى عشرة )من المغرب، وتونس، ولبنان، وفرنسا، وسويسرا، وتركيا، وكندا، والمارتينيك (من الكلمة جوهرا لهذه المحاكمة، وتستكشفن عبرها الوجوه المتعددة لشهرزاد، هل هي امرأة حرة أم أسيرة حكاية قديمة؟ هل هي بطلة خالدة أم رمز يحتاج إلى إعادة اكتشاف؟ هل هي أيقونة للمقاومة أم انعكاس لخيال صاغته ظروف عصرها؟ وحول هذا العرض المسرحي، قالت الكاتبة والناشرة نادية السالمي مديرة مهرجان “الآداب المرتحلة” لمجلة “الحصاد”، وهي التي تلعب دور شهريار في هذا العمل الفني، إن الغاية منه تسليط الضوء على شهرزاد، “المرأة التي واجهت العنف بالذكاء، والخوف بالخيال، والإدانة بالكلمة، لتسليط الضوء على مكانة المرأة في السرديات، وانتقال الأساطير بين الأجيال، وعلى قدرة الأدب على تغيير نظرتنا إلى العالم”، معتبرة أن السؤال المطروح يتجاوز شخصية شهرزاد نفسها، متسائلة: ألن يكون قتل شهرزاد بمثابة إسكات لصوت يجسد المقاومة والإبداع والحق في التعبير؟