الفنان التشكيلي جميل ملاعب: لـ “الحصاد”
يقيم جميل ملاعب معرضه الجديد في غاليري ربيز، منطقة الروشة في بيروت . عشرات الأعمال في مراكز انتاجها القديمة والجديدة . صعود إلى مستويات غير مسبوقة . مرونة عددية تتمتع بوظائف سوف تكتشفها ما أن تراها ، علماً أن في اللوحة أسرارها ، ليالي ونهارات عملها ، موجانها ، هوامشها ، فائض من الصور الواضحة . صور تخفي نواة يقودها فنان حريف ، متمكن ، إلى وصولاتها البعيدة من الإعلان . هنا ، حوار مع ملاعب.
جميل ملاعب: بلوحتي عشرون بعداً، الطول، العرض، العنق، اللون ، الشمال ، اليمين، الوسط، فوق ، تحت، البيرسبيكتيف ، الزمن ، المادة ، التراث ، التاريخ ، الحداثة ، الطبيعة ، الروحً، الخيال ، الواقع ، العبث ، المباشرة ، الصدفة، الطفولة ، النصج ، السؤال.
الحصاد: هل لا تزال تذكر مرحلة الجامعة ، حيث الاعتقاد الأول بالوصول إلى علاقة الخالق بالمخلوق. هذا أولاً. ثم ، هناك ما يسمى بالمعرفة. هل لا تزال ترى في تلك المرحلة صياغة خلاصات الآراء التشكيلية؟.
جميل ملاعب: ثمة شيء من الروحانية في وجودي في الجامعة اللبنانية . حدس وجداني لا وجود ميتافيزيقي . لا أزال أرى نفسي في الجامعة حيث الكلام في الرسائل لا في الأنبياء ، لا أزال أرى نفسي في النعمة، نعمة الجامعة . الجامعة نعمة من دون دوران . المناهج كأعمال العبادة . الاساتذة يتحكمون في الطبيعة التشكيلية لا في طبيعتك . كبار الاساتذة من ابتعدوا عن الأفلاطونية والأفلاطونية المحدثة . شعراء واقعيون . أهل المعرفة . ثمة شيء من الروح اللاهوتية في علاقة الاساتذة بالطلاب في تلك المرحلة . وجدت في فؤاد هذه الروح ، في وجودي في نعمة المعهد ، بعد أن وقع تشجيعي على الدخول في المعهد . بالأخص ، من انطوان ملتقى ، المسرحي المعروف . علَّم بثانوية الارز النموذجية . دفعني عارف الريس من جهته ، من خلال صداقة والده بوالدي . تلك المرحلة لم تفقد رونقها. لن يعفي عليها الزمن . مرحلة المصالحة مع الذات ، لا التناقض الذاتي . عمل والدي مع والد عارف الريس في صداقة لا علاقة لها لا بالحداثة ولا بما بعد الحداثة . قادتهم صداقتهم إلى التوجه معهاً للعمل في فلسطين.
الحصاد: أثر والدك بدوره في دفعك إلى عالم بقي يقع في الظل إلى حين عودته من فلسطين.؟
جميل ملاعب: عمل والدي بالطرش والدهان في فلسطين . قد تبدو هذه خرافة ملائمة ، لكن علاقتي بالتشكيل بدايتها من وضعية الوالد المهنية . الألوان على الجدران بعيداً من حراس الذوق الرفيع.
الحصاد: إذن ، قادت الوضعية إلى الوضعية ؟
جميل ملاعب: هناك روابط تدفع إلى قيام التوجهات العصبوية. والدي دافعي إلى الوصول إلى البدايات السعيدة . ثم ، إلى المعرفة والإنتاج على هذه المعرفة.
الحصاد: الولاء للخط ذاته ، في توجهين بقي واحد منهما تحت العبون الساهرة لمجموعة من الفنانين التشكيليين المعروفين.
جميل ملاعب: امين الباشا ، عارف الويس ، رفيق شرف ، وهج شفيق عبود، منير نجم . عادل الصغير علمني معنى اللون، ادخلني في عالم الألوان الثالث، حيث تصبح الألوان سامية من خلال العمل السامي عليها .حليم جرداق ، علمني الحفر . حفر يقع في التنوير ، في مشاريع التنوير . بقيت في محترفه لمدة عامين ، قدم لي خلالها وسائل الحفر التاريخية ، تنظيماتها ، ما يقود إلى الحفر الموازي ، تجارب الحفر الحداثية. حفر لا يقع لا في ادعاءات الحقيقة المطلقة ولا وحشية التدمير . تدمير تجلبه الأحداث الخارجية لا المواجهات الداخلية . كل ما فعلته بعد ذلك ، يقع تحت راية التنمية والتقدم من خلال تحرير اللوحة من عالم فنها البدائي ، ولو أن هذا الفن يثري حين يستخدم بالطرق المصممة.
الحصاد: تقوم لوحتك ، بشكل عمومي ، على الوضعية الأكاديمية ؟
جميل ملاعب: تبنى على الآليات والقوى الكلاسيكية . من المهم ملاحظة الملاسيكية في حدودها في كل لوحة . الكلاسيك منصة الهويات الأخرى ، النقوية وغير النقوية . حتى التجريد كلاسيكي . التجريد أكثر كلاسيكية من أي فن آخر . لا وجود لفنانين تجريديبن في لبنان. نادرون يصوغون لوحاتهم على الفهم المأساوي للتجريد . فهمه كمنتج من منتجات الثقافة الغربية . التجريد إسلامي . فن من الفنون الإسلامية . تجريدي ملموس بكلام عارف الريس . كلامه شهادة . ككلام أمين الباشا . فنانان صعدوا بالجماليات العملية من التعبيرية إلى الانطباعية وصولاً إلى تمييز الإنتاج من خلال لوحة حداثية أكثر تخالطاً مع ثقافة اكثر اتساعاً قادت إلى لوحة أكثر اتساعاً بدورها . قال لي الأول أنت بانتر . هذا كلام لم يقله لأحد .
الحصاد: أراك في التجريد ميالاً إلى براك في تجريدياته.
جميل ملاعب: كيف وجدت هذا الميل.
الحصاد: ضربات لونية عريضة، تعرض أكثر من خلال اللون.
جميل ملاعب: هذا صحيح.
الحصاد: عندك الألوان أكثر ، وكأنها في عالم يتهددها.
جميل ملاعب: الألوان عالم خلاق يعبر عن الإلتزام بلوحة مركز ، يلتقي عليها الفن والفنانون من مختلف أنحاء العالم.
الحصاد: براك يستعمل البني والأزرق في معظم لوحاته .
جميل ملاعب: لوحاتي لوحات تتحد فيها الألوان ، كأنها رحم لوحتي . تقدم الألوان في لوحتي الأسس المادية والسياسية والاجتماعية والفكرية لعالمي . ألوان كأنها ألوان الكوزموبوليتية العالمية . ألوان ذات روح انتقالية ، كونية، ضد الأحادية تبتعد عن العقلانية التقنية / البيروقراطية.
الحصاد: بدايتك الفعلية من خلال النحت.
جميل ملاعب: انا نحات في نحتي كل الظواهر المضادة للسلطة بكل المعاني . للأسف لا معاهد اختصاص في لبنان . لا يعلم النحت على حدة في لبنان . لم أجئ النحت من خلال النخب المهيمنة . كمنير عيدو وحسين ماضي كمثالين . منير عيدو يرسم وينحت ، مثله حسين ماضي بتقنية مختلفة . يقال أن نحتي تكعيبي الهوى ، قالها لي عيدو حين زارني في مدينتي بيصور . ابراهيم مرزوق استاذي ، نظم لي ليلة تكريمية ، حين وجدني في توجه تحولاتي في صياغة المعنى والممارسة والخطاب الفرضية التشكيلية.
الحصاد: تجد الفرضية مهمة ؟
جميل ملاعب: الأهم . لا فن بلا فرضيات.
الحصاد: لا تزال تكعيبياً ؟ أم أنك تجريدي أكثر.
جميل ملاعب: بالإثنين . ولو أن التكعيبية لا تزال تكفي لبلورة سلاسل من التجارب . التكعيبية اهم ثورة بالقرن العشرين . نسف للمحدود . فيها من بنى المشاعر ما فيها.
الحصاد”: أنت مشاعري ؟
جميل ملاعب: من ليس مشاعرياً؟
الحصاد”: والتجريد ؟
جميل ملاعب: احب التجريد كفن لا أحادي في نهاية الأمر . يقول نزيه خاطر ، الناقد الراحل ، أنت أهم تجريدي عربي . تجريدي روحي ، لا تجريد ملحد . الأشكال في التجريد أشكال حسية ، فنية . ثمة أنغام في التجريد . بالتجريد أسئلة لا تنتهي . لا مياعة في التجريد . هذا صحيح التجريد . هذه ذاته . ذاته من ذات الله من يحرك القوى كلها ، قوى التكنولوجيا والعلم والعقل . قوى الإنسان.
الحصاد: يجد بعضهم أن في التجريد موجة من التصنيع الفوري . شيء بلا قدرة ، أو بقدرة تتضاءل بين لوحة ولوحة من تشابه اللوحات.
جميل ملاعب: هذه واحدة من الرؤى المتأزمة إلى التجريد . قد يجد بعضهم في التجريد نوعاً من التباطؤ المتكرر ، حين أن التجريد من الفنون الصعبة على غير ما يوحي . كأنه فن متاح ، لكن التجريد بعيد من هذه الرؤى . التجريد عملية لغوية عقلية يتم فيها فصل الجوهر والأفكار العامة عن التفاصيل المادية والحسية والمشخصة . التجريد فن عقود ، فن لا يخضع لأسعار صرف ثابتة ع ما يُرى . التجريد في اللغة تعرية ، التجريد إزالة . كأن تجرد الشيء من لحائه ، من قشره.
الحصاد: انتقال من الإدراك الحسي المباشر إلى التفكير النظري ، التفكير المجرد.
جميل ملاعب: ادراك معنى اللون ، لأنه في المعدلات الأولى للتجريد.
الحصاد: يبدو جامداً ، إلا أنه يتغلب على حالات الجمود .
جميل ملاعب: بالفعل.
الحصاد: تشهد لوحاتك منذ أعوام حالات من الزخم على صعيد البيع وعلى صعيد التقدم في الأسعار . إلو ما تعزو الأمر ، في الوضع الاقتصادي الصعب ؟
جميل ملاعب: يعود الأمر إلى عقلية المشتري . اصبحت لوحتي متجذرة بعمق عند المقتنين . تنامت في موجات ، في طبقات . لم تستطع موجة التصخم الإجهاز على اللوحة التشكيلية والمعارض . باتت بعض اللوحات تطبع بكميات كبيرة ، يوقعها الفنان . لوحات تباع كما تباع اللوحات الأصلية . لا جمود انتاج في المجال التشكيلي . ذلك أن التشكيل فن فردي . على الصعيد الشخصي ، حين أجد أحدهم أو إحداهن ، يحب أو تحب لوحة من دون قدرة على الشراء أهبها بالمجان . قيمتها المادية في محبة الناس لها .لا أزال أشتغل على المستوى الفني والتقني في اللوحة بعيداً من معدلات الربح . حين تُعلق لوحة في منزل ينوجد الفنان فيه بالضرورة من خلال لوحته . أنت موجود في هذا المنزل أو ذاك بوجود لوحتك فيه . وجودك من وجود لوحتك ، شرعيتك من شرعية لوحتك . لا مستوى فني ولا تقنيتي . لا تهبط قيمتها التشكيلية .ثم ، إنني لا ارسم تحت ضغط الطلب . رسمت ما هو قريب للناس ، بالمعنى الموضوعي والجمالي .القرى ، المدن ، النساء ، الدول من الجزائر إلى السويد وصولاً إلى القاهرة والريف المصري . ثمة لوحات رسمت في السويداء في جنوب سوريا . رسمت متاحف كاملة للمدن . حلب ، دمشق ، القنطيرة ، صحنايا ، جرمانا ، اللاذقية ، بيروت ، قريتي ، القرى المحيطة الأخرى . أنام لأيام على شاطئ ، فقط لكي أرسم . هناك بدأت لوحة البحر ، بحر المدينة .مستوطنات بشرية مكتظة بالسكان . رسمت المدينة كمركز حضري كما رسمت الريف . المدن الإدارية ، الصناعية ، التجارية ، الدينية . هذه سياسة انطوت على تضحيات استثنائية تحملتها وحدي.
الحصاد: بدأت بالغواش ؟
جميل ملاعب: نقلني نزيه خاطر ، الناقد الفني الراحل من الغواش إلى الرسم بالزيت . بقي يحرضني على ذلك بحرصه حتى وجدت نفسي منتقلاً من طواعية الغواش إلى طواعية الزيت . كنت عدت تواً من أميركا حيث أقمت هناك لأعوام عرضت نفسي فيها إلى سلسلة اجراءات دفعتني نحو مناطق جديدة . الإقامة في أميركا تحول . صدمة طالت مفاهيم التشكيل عندي.
الحصاد: في أي عام قصدت اميركا ؟
جميل ملاعب: رحت بالعام ١٩٨٤.
الحصاد: بمنحة ؟
جميل ملاعب: جاء رجل يدعى ديفيد طنوس من اصل لبناني إلى لبنان . خلص إلى أنني من أهم ثمانية فنانين في لبنان . قصد معهد الفنون الجميلة داعياً العميد إلى إرسالي إلى أميركا . لم يقدر المعهد على مصاريف الرحلة والإقامة . هكذا ، قصدت الولايات المتحدة الأميركية على حسابي . وحين وصلت قدمت طلب انضمام إلى واحدة من الجامعات في نيويورك . قبلت في جامعة دفعتني إلى التفوق في مواردي . .
الحصاد: بماذا تقدمت ؟
جميل ملاعب: الأزمة المالية لا تعني أزمة صدقية .
الحصاد: وقعت في استراتيجية جديدة؟
جميل ملاعب: تعرفت إلى الطباعة الفنية على الحرير والحجر . لم يسب الأمر إعادة هيلكة تجربتي كلها . لمنها معرفة أغنتني ، كما أغناني الدوران في المتاحف الأميركية العظيمة كمتروبوليتان ، مودرن ارت ، الغاليريات . نيويورك مدينة العالم . العام الواحد في نيويورك خمس أعوام من المرونة والحركة والاستثمار البصري . الفنون في وتائرها العالية. نيويورك لا كما تراها في الافلام ، مدينة الدورات الجديدة في القطاعات المختلفة . بعيداً من إجراءات الدراسة والعمل ، دفعتني نيويورك إلى كتابة الشعر . كتبت ثلاث مجموعات شعرية سوف تصدر قريباً.
الحصاد: أنت رسام ؟
جميل ملاعب: اساس الفن الرسم .
الحصاد: لا تزال ترسم بالقلم.
جميل ملاعب: نعم.
الحصاد: ترسم ؟
جميل ملاعب: بيكاسو رسام عظيم . غوغان فنان ، فان غوغ . بيكاسو عمل خط ، بالخط رسم امرأة . لاحظ غيرينكا ، غرينيكا مرسومة بالخطوط.
الحصاد: كم بقيت في أميركا ؟
جميل ملاعب: 6سنوات.
الحصاد: تنحت بالمادة ، أم على المادة.
جميل ملاعب: انحت الحجر الصلب والخشب ، بالنحاس والزنك . هذه مواد ما عليك سوى أن تحفزها.
الحصاد: ثمة حفر حتى في لوحاتك ؟
جميل ملاعب: حكماً . اريد أن اعود قليلاً إلى أهمية الخط في اللوحة . الخط موجود في لوحاتي ، لأنه موجود في الحضارات القديمة ولا يزال موجوداً. خط أسود . الخط في لوحة أمين الباشا واضح . ثمة خطوط لا تزال حية .الخط المسماري ، العربي، الهيروغليفي ، بالأيقونة البيزنطية ، بالموازايبك.
الحصاد: رسمت بعلبك طويلاً ؟
جميل ملاعب: ناسها ، روحها الشرقية ، الرومان من خلال علاقتها بالرومان.
الحصاد: ترسم كثيراً .
جميل ملاعب: أرسم كما آكل . يمكن أن لا آكل ، لكن لا يمكن أن اتوقف عن الرسم.
الحصاد: هل أثرت كورنا بلوحتك ، تركت فيها أثرها ؟
جميل ملاعب: أثرت بكل شي ، باحساسي بالزمن ، بالحياة . بتصير انتحاري . تحس أن العمر قصير . وعليك أن تلحق بحالك.
الحصاد: معرضك الجديد بغاليري ربيز . ربيز . لماذا هذا الغاليري دوماً.
جميل ملاعب: بسبب اسهاماته البنوية على صعيد وجود اللوحة . وتحريكها في زمن كأنه يعيد تأهيلها . تأهيل مهاراتها من خلال ضبط العمل في الطاقة العاملة.
الحصاد: هل تعتقد أن ثمة ثقافة تشكيلية في لبنان.
جميل ملاعب: طبعاً . والا لن يشتري احد اللوحة.
الحصاد: لوحتك ليست في بعد واحد ، لا تقوم على مسطحها.




