التشكيلية المغربية سعاد بياض
تواصل الفنانة التشكيلية المغربية سعاد بياض الحفر في مشروعها الفني حول موضوعات المرأة، حيث تسبر أغوار الذات الإنسانية بكل أبعادها وتجلياتها وهواجسها وتناقضاتها بعيدا عن مقاربات النوع، حيث شكلت “بلاغة الجسد” منطلقا مهما في تجربتها الفنية، التي استطاعت من خلالها أن تعلن عن بصمة متفردة في التشكيل المغربي، وتجعل من الجسد لغة فنية خاصة لفهم الذات والعالم، وأداة لمساءلة الهوية والانتماء والاختلاف والمقاومة، وهو ما خول لها مكانة مهمة في الساحة الفنية المغربية والدولية، وتوجت بجوائز فنية رفيعة، وشاركت في شهر مايو/ أيار الماضي في معرض “رؤى من المغرب” بمقاطعة ميادي- دايد فلوريدا بالولايات المتحدة الأمريكية رفقة فنانين من المغرب، المنظم بمبادرة من القنصلية العامة للمغرب بميامي بشراكة مع متحف “كورال غيبلز” وجمعية المجلس المغربي الأمريكي في جنوب فلوريدا.
منذ وعت والألوان ترافق الفنانة سعاد بياض، فقد ورثت من والدتها عشق الطبيعة والألوان، حيث كانت تراقب والدتها وهي تعتني بالأزهار والأعشاب وتخلط الألوان لتزين الزرابي التي كانت تنسجها ببراعة كبيرة، ما جعلها تعشق الألوان والرسم، وتقبل بشكل تلقائي على خط مسارها الفني وصقل موهبتها التي ورثتها بالفطرة عبر التكوين، حيث تقول لمجلة “الحصاد” إنها تؤمن بأننا “نولد فنانين بالفطرة، وبعدها تأتي مرحلة التكوين وصقل الموهبة”. لكنها بعد وفاة والدتها، التي كانت سندها، مرت بظروف صعبة، وتوقفت عن الرسم لمدة سنتين، ولكن بركان الرسم داخلها كان يعتمل، وهو ما انفجر عبر لوحات خرجت بأسلوب انطباعي رمزي في البداية، قبل أن تتحول إلى أساليب أكثر عمقا في البورتريه والتجريد، حيث خطت لنفسها أسلوبها الشاعري الخاص ورؤيتها للفن ورسالته الأساسية، وجعلت من اللوحة والجسد والوجوه التي ترسمها وعاء لتحرير الذات والمجتمع، وتحرير الفن من كل الرقابات والسلط التي تقيده، وعبر كل هذا تحرير جسد المرأة من تلك النظرة الدونية والنمطية التي لا ترى في المرأة إلا تفاصيل جسد ولا تنظر إلى ما تحمله من عقل وفكر.
الجسد ومساءلة الهوية
وبعد خمس سنوات من الدراسة في مدرسة الفنون الجميلة بالدارالبيضاء، تخرجت الفنانة سعاد بياض عام 1998، لتلج عالم الشغل، حيث عملت في البداية كمصممة ديكور داخلي، فاحتكت بالعمال في ورشات البناء وبالصناع التقليديين والمهندسين، ومزجت بين ما هو عصري وتقليدي في تصاميمها، غير أن نداء الرسم والإخلاص للوحة كان أكبر من الانشغال بقوت اليوم، فوهبت حياتها للرسم واكتشاف المواهب الشابة، وجعل الفن أداة للتحرر والتفاعل والاندماج في المجتمع، خاصة بالنسبة لذوي الاحتياجات الخاصة، فغلب الطابع الإنساني والالتزام بالقضايا الأساسية على مسارها الفني المتواصل إلى غاية اليوم، بنفس الحب والشغف.
لا تشتغل الفنانة سعاد بياض على الفن التشكيلي لغايات فنية محضة، بل الفن لديها يجب أن يحمل قضية وأن يثير في المشاهد فضول طرح السؤال، لهذا اهتمت بالجسد، كما تقول، رغم الانتقادات التي قوبلت بها أعمالها في البداية، لأنها رغبت في الانطلاق من ذاتها وهواجسها، وتحرير جسد المرأة والرجل أيضا من تلك الصور النمطية والكليشيهات القاتلة، فكان معرضها الأول “بلاغة الجسد” انطلاقة حقيقية لها، حيث حقق نجاحا مهما، وأصبحت اسما معروفا في الساحة التشكيلية المغربية.
وعن توظيفها للجسد تقول سعاد بياض إنه “أسلوب تعبيري له لغته الخاصة، لغة تقوم على دلالات رمزية ورؤى فنية متجددة، أسعى من خلاله إلى فهم الإنسان لكينونته، وما يختزنه هذا الجسد من رؤى ومشاغل وقضايا وأبعاد مفاهيمية ونقدية، ولهذا أجد نفسي دائماً في حالة بحث وتشكيل دائم”، وتضيف بأن الجسد يحضر بقوة في مسيرتها الفنية، لأنه يسائل الهوية والانتماء والاختلاف وكذلك المقاومة.
والمقاومة لديها، كما توضح، هي أن تبدع وتحول المقاومة إلى قوة إبداعية، وإلى حضور، وعمل تشكيلي. وتقول: “عندما أرسم وأعرض أعمالي وأُظهرها، ألحّ على شيء واحد ألا يرى الناظر جسدا، بل أن يرى كتابة، أن يرى عالما. عملي هو أن أبني جسورا بين ما يُرى وما لا يرى، بين الحميمي والكوني”.
حضور فني متميز
وهكذا، استطاعت الفنانة التشكيلية سعاد بياض مد تلك الجسور عبر مساهماتها ومعارضها المتعددة، من بينها معرض بالعاصمة الفرنسية باريس بدار المغرب عام 2015 تحت عنوان “الجسد المتحرك”، الذي قدمت فيه سلسلة من الأعمال التي تستخدم فيها الألوان بأسلوب تجمع فيه بين الجسد والحركة، وتمزج بين التجريد والمادية الدقيقة، وتطلق فيها العنان لمخيلتها دون اكتراث بالانتماء، كما كتب الناقد الفني أحمد الفاسي عن المعرض، وذلك لأنها مبدعة متحررة لا تؤمن بالسهل والجاهز، وتبحث عن الجمال في تناغم الألوان أو تقلبات المادة، وهو ما يمنح أسلوبها الفني فرادته وتميزه في اجتراح تفاعل ديناميكي بين الأشكال والأنماط المتشابكة، واستخدامٍ صارخ للألوان.
وفي باريس أثارتها لوحة الرسام الفرنسي تيودور جيروكو المشهورة “طوافة قنديل البحر” من القرن الثامن عشر المعروضة في متحف اللوفر، واندهشت بعظمة تلك اللوحة التي سكنتها لتخرج بمعرض ” Oceano Nox”الكلمة اللاتينية التي تعني الليل في المحيط، والمستوحاة من القصيدة الشهيرة لفيكتور هيجو، حيث اشتغلت على موضوع الهجرة في بعديه الإنساني والاجتماعي، وذلك انطلاقا مما عاينته من معاناة المهاجرين الأفارقة الذين يتخذون من المغرب محطة للعبور إلى الضفة الأخرى، والذين يركبون البحر في قوارب الهجرة السرية ويكون مصير البعض منهم هو الموت غرقا. وقد شد هذا المعرض اهتمام المولعين بالفن التشكيلي في مراكش وفرنسا، حيث منحها عمدة مدينة بورجيه بفرنسا ميدالية المدينة عام 2017.
تعيش الفنانة سعاد بياض بالفن ومن أجل الفن، وتتنفس عبر ألوانه وأشكاله، ولا تدخر مجهوداتها من أجل خدمة الفنانين الشباب والتعريف بهم، حيث كانت وراء اكتشاف العديد من الأسماء التشكيلية المتميزة كالفنان والنحات عبد العزيز عبدوس وغيره من الفنانين، لأنها تؤمن بأن كل فنان يحتاج إلى من يمد له يد المساعدة في بداياته ليشق طريقه فيما بعد. كما أنها لا تتردد في المساهمة في معارض فنية جماعية داخل المغرب وخارجه، من ضمنها معرض بساو باولو بالبرازيل عام 2015، كما كانت لها تجربة فنية حية أمام الجمهور بمرسمها مباشرة بعد وباء كورونا، أقدمت فيها على رسم لوحتها أمام الفنانين والنقاد والصحافيين، وعلى إيقاع الموسيقى الكلاسيكية وموسيقى “كناوة” الروحية المغربية، وهو ما جعل الحضور ينبهر بتقنياتها العالية ودقتها في رسم لوحتها التي ينبثق منها جسد المرأة وحركية جسدها.
وأخيرا ساهمت الفنانة سعاد بياض في معرض جماعي استمر طيلة شهر مايو / أيار الماضي بالولايات المتحدة الأمريكية بمقاطعة ميادي- دايد بفلوريدا إلى جانب الفنانين المغاربة: مصطفى النافي، محمد الجعماطي، وحنان الحجاجي، وهو المعرض الذي نظم في إطار الاحتفال بالذكرى الـ250 للعلاقات الدبلوماسية بين المملكة المغربية والولايات المتحدة الأمريكية، وقد ضم 20 لوحة تشكيلية مغربية في إطار برنامج “رؤى من المغرب”، تميزت فيها لوحات الفنانة سعاد بياض بالحضور الطاغي للمرأة وللجسد المنحوت بشكل مختلف في بورتريهات بألوان فاقعة (أزرق، أصفر، أخضر، برتقالي، بنفسجي)، يقول عنها الفنان والناقد الجمالي المغربي بنيونس عميروش، إنها تدخل في إطار “البورتريه الأنثوي كوجه متعدد، ذلك التعدد الساكن فـي ما هو محذوف، بحيث يمكن تخيل واستحضار المنقوص برؤية مغايرة تختلف لدى كل مشاهد على حدة: العين المغطاة بالكف، العين الممسوحة، عدم اكتمال خطوط المحيا. مع ذلك، تمتلك هذه الوجوه حضورا متينا، لكونها مرفوعة على أعناق طويلة، ومدفوعة بقوة التضادات الضوئية البديعة، بينما تظل مشدودة إلى هيئتها التي جعلتها الفنانة سعاد بياض جذابة فـي نواقصها، وفـي ما تثيره من أسئلة لدى المتلقي، خاصة إذا انتبه إلى أن وجه المرأة وجسدها المثاليَين، يدفع بنا إلى إعادة تقدير جمالها، بما يمكن أن نضفيه على نظرتنا لها خارج شكلها الظاهري”.
الفن كرسالة إنسانية
لا تستقر الفنانة التشكيلية المغربية سعاد بياض، التي تجمع بين تدريس الفن والحس الإنساني الرفيع فيه، على أسلوب واحد، فهي دائمة البحث عما يغني تجربتها التشكيلية فنيا وفكريا وإنسانيا، فهي بعد اشتغالها على الجسد الأنثوي بالتحديد، اهتمت بسؤال الآخر وما بعده، وبقضايا إنسانية كالهجرة، ولم تقتصر على العمل من خلال معارض فردية أثبتت فيها وجودها، بل شاركت في معارض جماعية داخل المغرب وخارجه، وكانت وراء تأسيس مجموعة من المبادرات الفنية مع بعض الفنانين بالدارالبيضاء كمجموعة “المبتكرين المتحررين” عام 2019 بالتعاون مع مجموعة من الفنانين التشكيليين بمدينة الدارالبيضاء، حيث نظموا معرض “انبثاق” في دورات مهمة، إلى جانب مبادرة جمعية “الفن للجميع” التي ساهمت في الكشف عن أسماء فنية شابة وإخراجها من دائرة الظل، لأن الجمال كما تقول “يكون دائما خارج دوائر الضوء”.
وانطلاقا من إيمانها بدمقرطة الولوج إلى الفن ودوره الأساسي في تحرير الإنسان وإدماجه في المجتمع، فقد اشتغلت الفنانة سعاد بياض إلى جانب مجموعة من الفنانين التشكيليين بشكل تطوعي مع شباب وأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة وحاملي اضطراب طيف التوحد، وساهمت في تلقينهم أبجديات الفن التشكيلي، فكان الفن بوابتهم نحو الانعتاق من نظرة الشفقة والإقصاء والمعاناة والإحساس بالعجز، فكان الفن وسيلتهم للتعبير عن ذواتهم وهواجسهم، فنظمت لهم معارض تحت عنوان “مقاومة” لقيت اهتماما كبيرا من قبل المهتمين، لأن هذه التجربة فعلا استطاعت أن تعيد تعريف الفن وتنزع عنه ذلك التصور التقليدي الذي يرى فيه “ترفا نخبويا”، ليصبح ممارسة اجتماعية ضرورية لإعادة بناء التوازن النفسي للإنسان وإنتاج الروابط الاجتماعية، ومساعدته على مواجهة القلق وتحويل الهشاشة إلى طاقة إبداعية خلاقة تغرس الأمل في نفوس تلك الفئة من المجتمع، وتساهم في ترميم علاقتهم بالذات والآخر.
