Home / رأي / أوراق متناثره / الكتابة والذّاكرة ومفارقات الوجود والزّمن

الكتابة والذّاكرة ومفارقات الوجود والزّمن

“حين يحتلّك هذا الإحساس الحاد باليأس أو بكلمة ألطف، الكسل، تجاه الكتابة، اكسلي وانعمي بكسلك، فالكتابة ليست واجبًا حسب ريلكه، بقدر ما هي نزهة روحية في الانفكاك والهروب من أسر المكان والزمن والتاريخ حتى ولو كان مادتها الرئيس، والانفكاك من شروط الراهن المدمر للأعصاب والحيوية والرغبة.”

بهذه الكلمات المستوحاة من قلم الشاعر سسيف الرحبي، ننتبه إلى الكتابة الّتي تأتي  لتمنحنا حياة أخرى، حياة يصبح فيها المضيّ ممكنًا، وتغدو فيها العودة إلى الذات وإلى الأمكنة التي غادرناها فعلًا من أفعال استعادة الوجود. ففي الكتابة نتذكّر نصوصًا تأجّلت لمجرّد أننا تركنا الأمكنة، لكنها ظلّت صامتة في عالم أُجبرنا على العيش فيه، تنتظر لحظة انبثاقها من جديد، وكأنها كانت تؤجّل ظهورها إلى أن نعثر على اللغة التي تتيح لها أن تتنفّس. لذلك تبدو الكتابة امتحانًا لاستمرارنا، ودليلًا على أننا ما زلنا على قيد الكتابة، نحن الذين نقيم في المسافات الصغيرة بين ما حدث وما يمكن أن يحدث لنا.

في الكتابة، تستعيدنا الأمكنة كما نستعيدها، فنتكوّن فيها من جديد على هيئة ذاكرة ورؤية ورهانات تركناها ذات يوم. وما نظنّه ابتعادًا نهائيًا قد لا يكون سوى عبور مؤقّت نحو عودة مؤجّلة، إذ تظلّ الأمكنة حاضرة فينا باعتبارها جزءًا من تكويننا الداخلي، ومن تاريخنا الشخصي والجماعي. 

بين الواقع القاسي والسعي إلى الهروب منه، تتشكّل مفارقات الحياة في تجربة الشاعر سيف الرحبي، الذي كتب نصوصه في “كتاب عجالات الصباح ومشاغله”، الصادر عن دار عرب للنشر والترجمة عام 2026. ويأتي هذا الكتاب ليعبّر عن الذاكرة والواقع، وعن المسافة الفاصلة بين الابتعاد عن العالم والاقتراب منه في آن واحد، في حركة دائمة بين الرغبة في الانفصال عن شروط الحياة الثقيلة والإصرار على مواجهة ما تفرضه من أسئلة ومفارقات. فالأدب هنا لا يقف خارج العالم، ولا يكتفي برصد وقائعه من مسافة آمنة، بل يتوغّل في تناقضاته، ويعيد النظر في علاقات الإنسان بالمكان والزمن والتاريخ، وفي قدرته على مواصلة الحياة وسط ما يهدّدها من إنتهاكات وانهيارات وتحولات.

مع سيف الرحبي، يتكشّف لنا العالم من زوايا متعدّدة، وهو يدعو إلى ركوب عجالات الصباح والإسراع في الكتابة، وكأنّ هذه العجلات وسيلة للانتقال واستعارة للحركة التي تفرضها الحياة على الإنسان وللسعي المتواصل إلى القبض على ما يمكن أن يتفلّت من الذاكرة والواقع. فالكتابة تحتاج إلى تلك الحركة المستمرّة، الضاغطة أحيانًا والهادئة أحيانًا أخرى، التي تجعل الكاتب في حالة ترقّب وانتباه دائمين، وتدفعه إلى التقاط التفاصيل الصغيرة التي قد تبدو عابرة، لكنها تختزن في داخلها معاني التجربة الإنسانية. وثنائية العجلة والحركة تدوّن نفسها بنفسها على صفحات الأفق؛ إنها السفر والعبور، وفي الطريق ينكشف ما مرّ من سير وأشخاص، ويتجدّد حضورهم عبر تحرّكات الذاكرة، فتغدو الرحلة وسيلة لاستعادة ما مضى، واكتشاف ما بقي منه حيًّا فينا.

إنّ عجالات الصباح، بما تحمله من إيحاءات الحركة والتسارع، تفتح المجال أمام قراءة الكتابة باعتبارها عبورًا مستمرًا بين الأمكنة والأزمنة، وبين ما نراه بأعيننا وما نستعيده من خلال الذاكرة. فكلّ حركة تحمل في داخلها أثرًا من الماضي، وكلّ عبور يتيح لنا أن نعيد اكتشاف ما اعتقدنا أننا تجاوزناه. وهكذا يصبح الطريق فضاءً للكتابة، وتتحوّل الوجوه العابرة والمشاهد اليومية واللحظات العابرة إلى عناصر تدخل في تشكيل النص. ومع ذلك، نحتاج إلى الكسل لأنه جزء من الكتابة، وليس نقيضًا لها بالضرورة. إنه تلك الوقفة المستمرّة المرافقة لفعل الكتابة، والمساحة التي يستعيد فيها الكاتب أنفاسه، ويمنح أفكاره فرصة للنضج والتشكّل بعيدًا عن ضغط الإنجاز والاستعجال. إنها وقفة التأمّل التي تنشأ للدعوة إلى التحرّر من ثقل الوجود، وهو ما يتحقّق بالأدب الذي يستدعي اللغة، ويجعل منها وسيلة لمراجعة التجربة وفهم تناقضاتها. 

نواصل الكتابة حين نبتعد عن الكتابة، وحين نتأمّل وجوه العابرين، ترتمي أقلامنا على صفحات الشوارع، كأنّ الشوارع نفسها تتحوّل إلى دفاتر مفتوحة تحتفظ بآثار الذين مرّوا بها، وبالحكايات التي لم تجد طريقها إلى الكلام. نمضي نحو ما ظننّاه مألوفًا، وما ظننّا أننا كتبنا عنه من قبل، لنكتشف أنّ المألوف يخفي في داخله طبقات جديدة من المعنى.

وتتوازى الذاكرة بين الناس والأمكنة، إذ لا تنفصل الحكايات الشخصية عن الفضاءات التي احتضنتها، ولا تنفصل الأمكنة عن البشر الذين منحوا وجودها معناه. وفي هذا التوازي، يأتي جيل ناصر وعزّان للمشاركة في صناعة الذاكرة الحيّة، من خلال الأعياد واللحظات السعيدة والحزينة والأسفار، حيث تتداخل التجارب العائلية مع الذاكرة الجماعية، وتتحوّل المناسبات إلى محطات لاستعادة الماضي والتأمّل في تبدّلات الزمن. ففي لحظات الفرح كما في لحظات الحزن، يستعيد الإنسان من غابوا عنه، بذلك يتذكّر سيف الرحبي الراحلين الذين ظلّ حضورهم ممتدًّا في تفاصيل حياته، ومن بينهم جنان الخليل، التي يرد ذكرها ضمن هذه الاستعادات المرتبطة بالناس والذاكرة. 

هكذا تتشكّل في كتاب “عجالات الصباح ومشاغله” مساحة أدبية تتجاور فيها الحركة والسكون، والكتابة والكسل، والذاكرة والواقع، والابتعاد عن العالم والعودة إليه. فالكتابة لا تقدّم خلاصًا نهائيًا من ثقل الوجود، لكنها تتيح للإنسان أن يعيد النظر في علاقته بما عاشه، وأن يمنح التجارب المؤجّلة فرصة للظهور، وأن يحفظ من الأمكنة والوجوه والأزمنة ما لا يستطيع الاحتفاظ به في حياته اليومية. وبين عجلات الصباح التي تدفعنا إلى العبور، والوقفة التأمّلية التي تدعونا إلى التريّث، تتشكّل الكتابة باعتبارها حركة مستمرّة نحو فهم الذات والعالم، ومحاولة لمقاومة النسيان والخراب، وصون الذاكرة من التبدّد.