Home / رأي / وجهه نظر / قلق الحضارة في عصر العولمة

قلق الحضارة في عصر العولمة

حصلت العاصفة الأخيرة للهجرة غير النظامية التي جرت سباحةً عبر بوابات سبتة الخاضعة للإدارة الإسبانية على الساحل المغربي. كانت الأضخم تاريخياً في 30 و31 يوليو 2026، إذ تضخّم عصف الظاهرة قويّاً في الآذان والعيون العالمية، بحثاً في نهاية المآل عن إدارة الحدود خارج الحدود بما أقلق الإتحاد الأوروبي خاطفاً وسائل الإعلام المتخبطة عبر أمواج هذه الظواهر الإنسانية أولاً والإقتصادية والإجتماعية ثانياً توقاً لهندسةٍ مستقبل البشرية العاصف بالحروب شبه العالمية وبالقلق البشري العام كما بصراعات الشعوب وتآلفها وكيفية اختلاط الحضارات والعادات والأزمان فوق الكوكب.

اعتبرت أزمة الهجرة التي أقلقت الاتحاد الأوروبي عام 2015 نقطة تحول مهمة في طريقة تعامله مع الهجرة غير النظامية بوصول مليون لاجيء إليها، ليس لأنها أطلقت الاهتمام الأمني بالهجرة، وإنما لأنها قفزت بالخطاب السياسي إلى مستوى وضع السياسات والتشريعات والمؤسسات التي كشفت كي لا أقول عرّت محدودية آليات الاتحاد الأوروبي وغير الأوروبي في إدارة الحدود واللجوء، وأظهرت في الوقت نفسه أن الهجرة أزمة كبرى باتت مرتبطة بصورة متزايدة بقضايا الأمن الداخلي وإدارة الحدود والجريمة المنظمة وتهريب الأشخاص، والاستقرار السياسي. لكنّ التعامل الأوروبي مع الهجرة بوصفها قضية أمنية لم يبدأ عام 2015. ارتبط هذا المسار منذ تسعينيات القرن الماضي بتطور “فضاء شنغن”، وإلغاء الحدود الداخلية بين الدول الأعضاء، وما ترتب على ذلك من ضرورة تعزيز حماية الحدود الخارجية الأمر الذي جعل “معاهدات أمستردام ولاهاي وستوكهولم” في إدماج الهجرة واللجوء وإدارة الحدود في قلب السياسات الأوروبية المشتركة. وحصلت هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001 لتدفع باتجاه مضاعفة الربط المحكم أو شبه المحكم بين حركة الأشخاص وقضايا الأمن ومكافحة الإرهاب والجريمة العابرة للحدود. وكشفت أوروبا عن قلقها بصورة واضحة بعدما استقبلت اليونان وإيطاليا أعدادًا كبيرة من الوافدين، بينما ظهرت خلافات حادة سمعها العالم بين الدول الأعضاء حول توزيع طالبي اللجوء وتقاسم المسؤوليات.هكذا أظهرت الأزمة محدودية نظام دبلن، وتكاثرت علامات الإستفهام الأساسية حول قدرة الاتحاد الأوروبي على الجمع بين حماية حدوده الخارجية واحترام حق اللجوء والالتزامات المتعلقة بحقوق الإنسان. هكذا دفعت هذه التطورات الاتحاد الأوروبي إلى إعادة بناء جزء مهم من منظومته المؤسسية بعدما طرحت المفوضية الأوروبية «الأجندة الأوروبية للهجرة»، التي شكلت إطارًا للسياسات اللاحقة. ثم توسعت صلاحيات الوكالة الأوروبية لحرس الحدود وخفر السواحل بموجب اللائحة الأوروبية لعام 2019 التي عززت قدراتها البشرية والعملياتية والتحليلية. هكذا انتقلت الوكالة تدريجيًا من دور يقوم أساسًا على التنسيق بين أجهزة الدول الأعضاء إلى دور أكثر فعالية في الإدارة المشتركة للحدود الخارجية، وشهد مجال اللجوء بدوره تحولات مهمة، خصوصًا مع إنشاء وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء عام 2021 الأمر الذي عزز قدرة الاتحاد على دعم الدول الأعضاء وتوحيد الممارسات والإجراءات المتعلقة بطلبات الحماية الدولية. وهكذا توسعت البنية الرقمية لإدارة الحدود من خلال تطوير أنظمة قديمة وإنشاء أنظمة جديدة ، بما عزز استخدام البيانات والوسائل “البيومترية” تستخدم في مراقبة الحدود والتحقق من هويات الأشخاص وإدارة حركة الدخول والخروج.

لم تتوقف التحولات عند الحدود الأوروبية نفسها بل امتدت إلى خارجه إذ أصبح الاتحاد الأوروبي يعتمد بصورة متزايدة على التعاون مع دول المنشأ والعبور لمنع وصول المهاجرين إلى حدوده ومنها تفاهمات التعاون مع تركيا ودول شمال أفريقيا ومنطقة الساحل عبر الدعم المالي والتقني وبناء قدرات متطورة لحراس الحدود ومكافحة تهريب المهاجرين وإعادة قبول بعض المهاجرين. يُضاف إلى ذلك الإعلان الأوروبي-التركي عام 2016 الذي اعتبر مثالًا واضحًا نحو هذا الاتجاه بربطه الحد من عبور المهاجرين عبر بحر إيجه بمجموعة من أوجه الدعم والتعاون بين الطرفين. هكذا توسعت الشراكات الأوروبية مع دول جنوب المتوسط وأفريقيا، فأصبحت إدارة الهجرة جزءًا مصاناً من العلاقات الخارجية الأوروبية وليست قضايا داخلية بحتة. وقد أدى هذا التطور إلى تغيير مفهوم الحدود الأوروبية إذ لم تعد الحدود مجرد خطوط جغرافية تفصل بين أراضي الاتحاد والدول الأخرى، وإنما أصبحت منظومة واسعة من الإجراءات والاتفاقيات والتعاون الأمني والمعلوماتي تمتد إلى دول تقع خارج الحدود الأوروبية. هكذا أصبح البحر المتوسط مجالًا تتداخل فيه قضايا الهجرة والأمن والطاقة والتنمية والاستقرار الإقليمي، وتحول تدريجيًا إلى جزء أساسي من المجال الاستراتيجي الأوروبي. ومع ذلك، فإن هذه السياسة راحت تطرح إشكاليات معقّدة جدية كالتشدد في مراقبة بعض طرق الهجرة الذي دفع إلى انتقالها إلى طرق أخرى أكثر خطورة، كما أن الاعتماد المتزايد على دول العبور راح يثير أسئلة حول حقوق المهاجرين وطالبي اللجوء ويطرح مبدأ عدم الإعادة القسرية وتقاسم المسؤوليات بين الاتحاد الأوروبي وشركائه. هكذا نقول بأنّ الإجراءات الأمنية وحدها فشلت في معالجة الأسباب العميقة للهجرة الناتجة عن النزاعات المسلحة والأزمات الاقتصادية والفقر والتفاوت في التنمية والتغير المناخي.

وعليه، يمكنني التصويب أن أزمة ال 2015 لم تكن مفصل التحول الأوروبي نحو التعامل الأمني مع الهجرة، لكنها شكلت نقطة تسارع وإعادة تنظيم فقط لهذا المسار جعلت الاتحاد الأوروبي يجهد إلى تطوير مؤسساته وتحديث تشريعاته وتوسيع استخدام التكنولوجيا والذكاء الإصطناعي ونقل بعض إدارات الحدود إلى خارج أراضيه. هكذا أصبحت الهجرة عاملًا مؤثرًا في إعادة تشكيل العلاقات بين أوروبا وبلدان المتوسط.هكذا تبدو الحاجة بتقديري، إلى مقاربات أكثر توازنًا، تجمع بين حماية الحدود واحترام حقوق الإنسان، وتوسيع مسارات الهجرة القانونية ودعم سياسات التنمية في دول المنشأ والعبور. لماذا لأنّ استقرار هياج المتوسط لا يمكن أن يتحقق من خلال إدارة الحدود وحدها، وإنما يتطلب معالجة العلاقات بين الأمن والتنمية والهجرة والعلاقات الدولية بما يحدّد مستقبل الحضارة والسياسة الأوروبية والعالمية تجاه الهجرة في عصر العولمة.