Home / رأي / أوراق متناثره / لأجلك ألف مرّة وخيط لا ينقطع

لأجلك ألف مرّة وخيط لا ينقطع

“لأجلك ألف مرّة ومرّة”، حين استوقفتني هذه العبارة، كنت في أواخر الثلاثين من عمري، وكانت الطّائرة الورقيّة ترافقني كحلم وحيد تحقّق في الطّفولة. وكان “عدّاء الطائرة” الورقية” عنوانًا يطاردني إلى أن عثرت على رواية خالد الحسيني يومها، وشاهدتها مجسدة عبر الشاشة. 

ولعلّ ما جعل تلك العبارة تستوقفني أكثر، أنّ الطّائرة الورقية لم تكن صورة من رواية أو مجرّد لعبة بالنسبة إليّ، بل كانت نافذة أطلّ بها على عوالم ذكرياتي، ولعلّ الحياة اليوم تشبهها. وكانت هناك سماء واسعة تحتضن أحلامي وأفكاري، وكانت هناك مسافات تفصلني عنها، مع ذلك ظل عندي الشّعور بالأمان وقد رافقني في خطواتي المتمسكة بالأرض.  كبرت وراحت الطّائرة الورقيّة، وظلّت في جعبتي أحلام، احتفظت بها مع الذّكريات.

في لحظة متمردة، جميعنا حزمنا ماضينا وركضنا وراء الطائرة الورقيّة. ظننا الدرب سهلًا، لكن لا، لم يكن بهذه السهولة. فالطائرة الورقيّة ليست نفسها تلك الهاربة من أحلام طفوليّة… إنّها تلك الأوراق المجتمعة على شكل حكمَتْه معادلات الكون لنسرع قبل أن يقبض علينا الزمن. وما الزمن سوى ما لا يمكننا الإمساك به. يقبض علينا في طريق بحثنا عن المعنى. وما المعنى؟ ألا يختلف العبور نحوه من إنسان إلى آخر؟

ركضنا كثيرًا خلف طائراتنا الورقيّة ونحن نؤمن أنّ الطّفل حين ينظر إلى السّماء، تتحقّق أمنياته. لم نكن بحاجة إلى الكثير من الخيال والذّكاء، فقط إلى الكثير من الشّجاعة والتّهوّر اللّذين يجعلاننا نتقدّم نحو الأمام، ولم يكن يهمّنا يومها أن نعرف إلى أين تقودنا الرّياح. لقد كان الأساس بالنّسبة إلينا هو الرّكض لنشعر أنّ أصابعنا ما زالت متعلّقة بالخيط، وأن نصدّق أنّ ما نطارده سيبقى بمتناول أيدينا إلى الأبد. هكذا كانت الطّفولة لا تعرف معنى الخسارات وخيبات الأمل في الماضي. ولم نكن نسأل إن كانت الأحلام تستحق الركض أم لا.

بعد سنوات رحت أواجه تحوّلات المعنى، اكتشفت أنّني متشبّثة بالأرض، وقد فرض الواقع عليّ أن أسمح لأحلامي بالابتعاد. كبرت وظلّ الخيط الّذي ربطني ذات يوم بالطّائرة الورقية، متمسّكًا بي، وانطلقت في رحلة بين الذاكرة والجذور والواقع، وخيط يذكّرني أنّ الأحلام هي الّتي ترفعنا إلى الأعلى فقط.

انطلاقًا من هذه الرّواية نتخيّل أننا في سجن تصرخ منه إنسانيتنا المأزومة في قفص الشعور. وتتعدد هذه المشاعر وأقواها الشعور بالذنب والمسؤولية تجاه كل ما دسنا عليه خلال اندفاعنا نحو المستقبل. فالذنب لا يقاس بحجم الفعل بقدر ما يقاس بعمق الأثر الذي تركه في دواخلنا، وكم من فعل ظنناه صغيرًا لنكتشف أنّ وقعه كبير، وأنه رافقنا وكبر معنا وظلّ يلاحقنا في سير اللّاعودة. قد يكون هذا الهروب هو سبب سعينا إلى الأمام  بأنفاس متقطّعة، غير متطّلعين إلى الوراء، خائفين من ذلك الوحيد الذي تركناه ذات يوم في العتمة.

“لأجلك ألف مرة ولأجلكم آلاف المرات” كم مرة سمعنا هذه العبارة من أشخاص بذلوا ذواتهم لئلا نحزن لنستمر ولكن، هل صادف أن نظرنا إلى الخلف؟

وهذا ما يختبره بطل رواية “عداء الطائرة الورقية” أمير، الذي حاول استعادة الماضي والتخلص من عقدة الذنب، فبحث عن أخيه الذي تربى معه ولم يعرف قيمته آنذاك، لأنه كان يجهل الحقيقة، أراد التّخلّص من شعور لم يعد قادرًا على مواجهته. هكذا اكتشف أمير أن أخاه حسن الذي لطالما كان يقول له:”لأجلك ألف مرة” والذي لطالما كان يركض مطاردًا الطائرة الورقية ساعيًا لربط خيطها، قد توفي وترك ولدًا وهو سهراب. وسهراب قد وقع بين أيدي عصابة آصف قاتل أبيه، لتستمرّ الأحداث حتى موعد تدخّل أمير وتحرير الطّفل، ليأخذه معه إلى أميركا ليتخلّص من شعور الذنب الذي يلاحقه، وليتحمّل مسؤولية سهراب لعله يفي لأخيه حق التضحية التي قدّمها إليه في طفولته. غير أن الذاكرة مهما كانت انتقائيّة تلحّ علينا بقسوة. لم ينس أمير صورة أخيه عندما كان طفلًا ووقع بين يدي آصف واعتدت جماعته عليه. فقد سمحت له غيرته من أخيه أن يراه حزينًا مهمّشًا في الأرض وقد ظلّ مختبئًا في الزقاق.

هنا يبدو السؤال، كم من مرة تركنا صديقًا أو قريبًا في الضّيق؟ وهل ينفع الندم بعد مرور السنوات؟

أوليس المعنى الحقيقي هو التمسّك بجوهر الإنسانية والعبور نحو الآخر وانتشاله من براثن القسوة اللامتناهية؟ 

قد يكون أمير الرّاكض وراء سهراب صورة عن كلّ واحد منا يسعى خلف الطفل الذي وقف صامتًا ذات يوم، ولم يعبّر أمام محنة أو إهانة مرّ بها صديق أو قريب له. إنّها تلك النسخة الطفولية السجينة في لاوعي كل منا، تلك التي تجعل السنوات تركض ونحن نسعى لمواجهتها علّنا ننجو.

في أواخر ثلاثينيّتي، لم أكن أبحث ربما عن رواية بقدر ما كنت أبحث عن ذلك الخيط الذي يربطني بماض ممتدّ من طائرتي الورقيّة، فإذا بي أمام رواية عالميّة بهذه القيمة. 

كلّ منا يحمل طائرته الخاصّة وخيطها هو الذاكرة المليئة بمفارقات كثيرة منها الأحلام الجميلة بمقابل مشاعر الذنب والندم على كل ما لم نفعله، ولكل مرة لم نقل فيها “لأجلك ألف مرة” حيث تركنا صديقًا أو قريبًا واقفًا في العراء ولم نلتفت إليه لأننا عاجزون. نحن لم نتخلّ عن الآخر يومها بل تخلّينا عن أنفسنا في الماضي، اليوم بكلّ وعي صرنا نشدّ على يد متخيّلة وأرواحنا معلّقة بخيط يصلها إلى السماء لنقول: “لأجلكم ألف مرّة ومرّة”. هذه المرة لن نخطئ عدّ السنوات وسنجرؤ على أن نكون عدّائين يربحون سباق المسافات المتخيّلة، المسافات المستحيلة لنقول لأنفسنا مرّة أخرى: لأجلك ألف مرّة.”