أربعون على غياب يوسف الخال:
إنه المفوض الأقوى في فصيدة النثر . لا خلاف على ذلك . ذلك أن يوسف الخال ، إذ اتهم بتغريب الذات منذ اطلاقه قصيدة النثر من خلال مجلة شعر ، قام بما أراد القيام به بالخروج من القيود العريضة في القصيدة العربية على أسس عالمية . أسس بقيت محسوبة على العالم ذي الأسس المادية المتينة . قام ، على الرغم من مواجهته حملات اتهام بالعمل على المساهمة في سيطرة الغرب على طبقات المثقفين . اتهمه بعضهم بالعمل في مصلحة السي أي إيه . أو المخابرات المركزية الأميركية . اتهامات من خلال دور المال في تقويض بعض ما هو ثابت في الثقافة العربية . قدم الرجل طريقته الخاصة ، من دون أن يسمح بتهديد هذا الإنبعاث المتلالئ لقصيدة نشرت نموها في تراكمات لا تزال تمتلك حقوق ملكيتها . لم يضبط الخال في علاقة مباشرة بمن اتهم بالعلاقة بهم . كما غادر إلى وادي النوم من دون أن ينتهي من ترجمة الإنجيل بروافعه اللغوية الخاصة . ندر الرجل ترجمة الإنجيل إذا ما تغلب من مرضه العضال . لم ينجُ ولم تنجو الترجمة بكمالها وتمامها .
مبتكر الاعيب ، كما وجده بعضهم ، سوى في ترجمة الإنجيل ، هو المحب لتي أس اليوت . مصادره موزعة ، غير أن ترجمة الكتاب المقدس بقيت في عمليات الإنتاج الشخصية كفعل واقعي لا شهواني . مضى الرجل إلى نومه منذ أربعين عاماً . إنه الآن في المئة وعشرة أعوام من العمر لو قيض له أن يحيا من دون غياب . لا يزال الرجل حياً بحقوق ملكيته الفكرية لقصيدة لا تزال موجودة على طاولات الكثير من الشعراء اللبنانيين والعرب .
هذا رجل منظر ، رجل فاعل آمن بتوليد الحياة من خلال الإحراز . لم يتشظ وهو بندفع في اليات الكامنة فب مفهوم ملازمة التحديثات الرأسمالية . حر على الدوام في تنمية شخصيته وشخصيات الآخرين ، من رافقوه في مرحلة حبلى بكل صنوف المتع الثقافية كأدونيس ومحمد الماغوط وعصام محفوظ وفؤاد رفقة . وغيرهم . يعود الأمر إلى الجالب العظيم للديمقراطية الشعرية . شخص الاقتصاد السياسي لعلاقات السلطات المهيمنة رجل لا ينصاع إلا لقدره ، إلا لنفسه المنظمة . رجل لا يقهر . رحل لا ينصاع للقهر ، بغليون لم يحقق الخرافات قدر ما حققها مستعمله .
انتصر الرجل على أيامه ،أيام ولادة احتكار الإعلام والتعليم والتربية. أيام ممارسة الضغوط الخفية من السلطة ، بهدف إعادة انتاج دورية وجودها في احياء الناس وحيواتهم . تلك مرحلة عزل العقل عن العمل . الخلاصة عنده خلاصة التنافس ، ما يقود إلى الإنتصار إلى التربية لا التعليم . ذلك أنه ، ضد تجهيل المجتمعات وضد تخصيص المجتمعات بالواحدات الواحدات ، كآلة واحدة في ورشة واحدة . آلة مرحلة . مرحلة تطبع حياة شعب . لم يقفز الرجل من ضفة إلى ضفة ، لأنه أممي. لم يحذف مهمات النضال ، وهو يبتعد من التلون ، يبتعد من العنصرية. هذه ليست من خواصه. لم يجاهر بقيمه وهو يقاوم الإرث القديم ، حيث التسلط الشبحي والبلاد المنخورة بالعمل اليدوي لا العقلي، جراء ذلك. خواجة بجعل الخوجنة ساحة انتهاء سريع . رجل ٌ ضد كل نازل ضخم ، من الماضي ، بشيء من متاعب الماضي واقتراحات تأزم الحاضر. أوليات حكم الحركة ، عنده، تطوير البنى. هكذا قفز الرجل الوسيم، فوق كل عقد النقص إلى الكتابة في صلب الثقافة الجديدة. كتابة الصلب ، بعيداً من اضطرابات الديمومة. لا تسويات . القضية الإجتماعية محسومة. لن تمر تسويغات القضايا الثقافية. تبديل الذهنية الناتجة عن أي ارتهان أولاً. ثم ، تحقيق متطلبات الإجتماع الإنساني ، كشرط من شروط الكائن البشري. عربة قطار ، منظومة يوسف الخال. مقطورات متلاصقة ، متلاحمة. منظومة من المشاعر والأفكار والطموحات والأحاسيس والمعتقدات .صناعة الظرف الجديد ، من مواد الظروف القديمة القائمة نلى قوة المصالح الغريزية . هذه معجزته ، معجزة رجل شجاع لم يهب الإتهام ولا الإلتهام . اللغة مقدم قرانه من قصيدة أوقعها في تحكمه المباشر . توحيد الجهود ، بقراءة تتابع العصور،في الطريق إلى مؤلف العصر الجديد. عنده ، القصائد السالفة صنانير لا تلمع سوى في عقول عموم من لم يصدقوا انقراض الاشكال القديمة للإنتاج . عنده ، القصيدة فن مفهومي . عنده الإستجابة للعمارات القديمة ، لا بالإستجابة إلى تقنياتها . بتوليد القصيدة الجديدة ، قصيدة لا علاقة لها باليات نظام المراقبة المقفل . . لا علاقة لها بالنظم ، بالمديح أو الهجاء. أو التشبيب في فوضى العلاقات الإجتماعية . قصيدة ذات قيمة جديدة. قصيدة في مصلحة التحول الخرافي . خرافي ، لأن أحداً من الجماعات والثلل الأزهرية والفاتيكانية ، بالمعنى الثقافي ، لم يحسب أن القصيدة القديمة سوف تموت في نحوها النمطي ، نحو لم يعد يغري سوى عمال أشكال التضامن عليها . أشكال عبثية تجعل الشاعر والشاعرة مجرد جزء فقط من جسده ، محرد جزء فقط من جسدها . هذه مرحلة انتهت ، تبددت في انواع مختلفة من التبادلات السوقية الجديدة بالمعنى الإيجابي . لا عز بعد فاقة . عز يجلب إلى الساحة كل ما ليس مطلقاً.لا علاقة للأمر بانتصار أخلاق على أخلاق . ولا ذكاء مرتبة على مرتبة. ثمة قوة فكرية جديدة ، جديرة، لا تقدم الشاعر والشاعرة كتابع أو تابعة في استجابتهما الى التوسع البنيوي على نحو غير مسبوق . الشعر ديوان العرب . بيد أن الديوان ديوان لا حقوق مشاعرية بنيت عليها فكرة أفعال الطبقة العامة في الشعر . يمتلك العمال الآلة . لا تمتلكهم الآلة. لا زي مختلف . ثمة روح مختلفة تقود إلى قوة عمل لا علاقة لهز بمفاهيم الصيد . استراتيجيا تنفي كل أنواع الشروط . قصيدة لا تراوح بين مزدوجيها . لا نظرة غالبة على القصيدة مع يوسف الخال. أربعون عاماً على غيابه ولا يزال حاضراً كالابرز في الاشتغال على التفرد ، على بث وعي مضاد، مخالف لأحوال الإرتهان والقبول بالأقدار.
جلب الرجل دورة جديدة من الشعر ، افضت إلى آفاق جديدة ، صنعت القرارات الخاصة في قطاع جديد تماماً . دورة القصيدة المضادة للأشكال المبكرة للشعر . قوة مضاعفة هي السمة البارزة فب عمليات التبادل الزمني من دون أن ينكر تكوينات القصائد القديمة . أثاره تراكمها المفرط . هكذا ، ذهب إلى القصيدة ذات الديناميات الجديدة لا ذات الأحجام المتوسعة. رأسمال حقيقي لا رأسمال وهمي ، استخدام عملي في الإنتاجية في يد عاملة جديدة . لكن ، اقتراح الرجل المثقف ، الشاعر أولاً، المبتكر ، وجد إلى حد كبير في أنواع الغرب المختلفة إذ قاسها باسبابها على وجه الدقة بحيث وجد في صعودها لا نقل المعرفة والأصول ، بل الظاهرة الطالعة من طبيعة لا تؤمن بالأشكال والأرواح الغريزية وحدها . كل عربي شاعر . يقع الشعر في ديوان العرب . هكذا ، دخل الخال في هذه القصيدة ذي النزوع الجدي إلى التعامل مع ما هو نمطي لكي يدخلها في سهول الشعر الجديدة في عالم يغص بالشعر .
الشاعر ، الصحفي ، المنظِّر ، المترجم، الخارج على الآحادية ، خاض معاركه الثقافية على حساب حياته الخاصة . واقعية القصيدة الجديدة لا واقعية الوجود على الرغم من أنه تزوج مرتين . الأولى من زوجة لا تعرف كزوجته في الوسط الثقافي ، هلن الخال ، على ما يروى . بعد سفره الى الولايات المتحدة حتى يعمل في الأمانة العامة للأمم المتحدة / دائرة الصحافة بالعام ١٩٤٨. ثم ، مها بيرقدار الخال ، تبعاً للسعي المحموم خلف الأزمنة، القدر ، الأساطير . هبوط في عالم الإحساس بالأمان . صعود وراء المجهول وهبوط في العائلة لأجل أفكار الصباح قبل الذهاب إلى العمل . ولدان لامعان . يوسف جينيور . وورد . ممثلان لا عرافان . ولدان لم يخضعا لاتفاقات الأراضي . كأن يوسف الخال وجد العائلة فكرة نقيضاً لفكرة التقدم على الرغم من ضرورة الدخول في علم الطبيعة . لا يزال الإبن والإبنة ، لا يميلان إلى طمس العائلة . إنهما عائليان ، حد التحرك الدائم لتكريم الوالد بالمعنى البعيد من المعنى اليومي المتكرر . اصدارات جديدة، منشورات خاصة ، مقالات ، قراءات شعرية. ربح الرجل الإتجاه في الشعر ، ما يمدحه عليه شعراء ، ما يعيبه عليه شعراء ، ولم يربح الإتجاه العائلي . مجتمع عادي في المجتمع ومجتمع مختلف في الشعر . لا يزال الرجل في القبول والرفض حتى اليوم . مائة وعشرة أعوام على ولادته . أربعون على غيابه . لا يزال حاضراً في الخيال . لا يزال موجوداً في الواقع كلما ألف أحدهم قصيدة نثر ، توصف بالطبيعة، طبيعة لا مفر منها. وتتهم بالوهم والتهافت . لكنها ، موجودة وجود من ساهم في وجودها في عالم حمله الى التعطش إلى شعر آخر . يوسف الخال ، إشكالي الوجود ، لا يحبه النقاد ولا الشعراء المحافظون . إلا أنه رجل التصور الصعب . رجل ” شعر”. رجل الشعر( له دواوين الحرية في شعر بالتفسيرات المختلفة . قصيدة تؤثر إلى حد كبير في أشكال الإنتاج ، بعيداً من الإتجاهات العامة . تنوع داخل جماعات متجانسة على معنى موضوعي باعتراف من يشطبون هذه القصيدة ومن لا يستطيعون شطبها على الرغم من ادراكاتهم الإنسانية بأنها في منظورها عن مكوناتهم .
خاصم يوسف الخال عالماً كاملاً، حين كتب ما لم يحلم به أحد. لا ترف في أكناف ، تميمة من تمائم ، إثراء بعلم ومن دون علم . قصيدة بعيدة من الأطباء والمصحات ، قطعة من فضاء لا قدم أرنب يسابق سلحفاة. قصيدة لا ترتعد كعصفور في يد صياد العصور القديمة . ذلك أنها كقمر في عيون العجائز ، لفحة هواء لا تذرف نفسها مثل بكاء . إنها تقول بجدية لا وجود للموت في الشعر حتى بوجود دوريات الأشباح . كأنها هو مجنون بأحوال بحراس الليل وشرطة النهار الشعرية . ارادت أن تتكلم ، أن تقول شيئاً . وهي حين تكلمت قالت أشياء وأشياء . ارتمت على سرير الوقت ، ولمَّا فعلت غمرتها سعادة حلوة ، خشنة، لا هادئة ، في عصر الذهاب والإياب في الوقت نفسه .حكاية الحسناء النائمة تتجدد.
