أنا شكاك بطبعي في بعض ما يُروى لي وفيما أقرأه، وليس شكي رغبة في إنكار ما حدث، وإنما محاولة لفهمه. ومبدئي في ذلك قول ابن رشد إن التساؤل هو أساس المعرفة. لهذا أتساءل دائماً عن الروايات الدينية والتاريخية، خصوصاً تلك المتعلقة بتاريخ الشعوب وأبطالها. فما أكثر ما تتداخل في هذه الروايات المشاعر القومية، وما أكثر ما تتسلل إليها الأغراض السياسية والدينية، فتتحول بعض الوقائع مع مرور الزمن إلى أساطير، وتصبح بعض الأساطير وكأنها حقائق لا تقبل النقاش. ومن الشخصيات التاريخية التي تستحق التوقف عندها القائد القرطاجي الشهير هانيبعل برقا.
تذكر كتب التاريخ أن هانيبعل ولد عام 247 قبل الميلاد في قرطاج (تونس الحالية) التي كانت آنذاك قوة تجارية وعسكرية كبرى في شمال أفريقيا والبحر المتوسط. وكان والده هملقار برقا قائداً قرطاجياً بارزاً شارك في الحرب البونيقية الأولى ضد روما. وبعد وفاة والده ثم صهره صدربعل، تولى هانيبعل قيادة القوات القرطاجية في شبه الجزيرة الإيبيرية، وعمل على توسيع النفوذ القرطاجي وتعزيز الجيش وتأمين الموارد. وفي عام 219 قبل الميلاد هاجم مدينة ساغونتوم المرتبطة بروما، فتصاعد التوتر بين القوتين واندلعت الحرب البونيقية الثانية. لكن هانيبعل لم ينتظر الرومان في إسبانيا، بل اتخذ قراراً بالغ الجرأة وهو أن ينقل الحرب إلى قلب إيطاليا. تحرك بجيشه عبر إسبانيا وجبال البرانس وبلاد الغال، ثم واجه التحدي الأكبر وهو جبال الألب.
وتروي المصادر القديمة أنه تمكن من عبورها ومعه فيلة الحرب، رغم الثلوج والبرد وصعوبة التضاريس ومقاومة القبائل المحلية، وأن جيشه تكبد خسائر كبيرة في الرجال والحيوانات. لكن يبقى السؤال، هل عبر هانيبعل جبال الألب فعلًا؟ لطالما أثارت هذه الرواية شكي، إذ كيف يستطيع جيش من العصور القديمة أن يعبر هذه الجبال الوعرة؟ وكيف يمكنه أن يصطحب معه فيلة الحرب عبر الممرات الجبلية والثلوج؟
وقد ازداد هذا السؤال إلحاحاً عندما كنت في زيارة لبلدة شامونيه الفرنسية، الواقعة في منطقة جبال الألب، برفقة الصديق المفكر الليبي الدكتور عبد المطلب الهوني. كان الطقس صيفاً، وصعدنا بواسطة التلفريك إلى منطقة مرتفعة من الجبال، وكان كل شيء تقريباً مكسواً بالثلوج. كان المشهد مهيباً ومرعباً في آن واحد، ويكاد يقطع الأنفاس. سألت أحد المدربين الفرنسيين المتخصصين في تسلق الجبال عن قصة هانيبعل وفيلة الحرب. ابتسم وقال إن الأمر يبدو له شديد الصعوبة، بل أقرب إلى الخرافة، متسائلًا كيف استطاع جيش قديم ومعه الفيلة اجتياز هذه الجبال. كان جوابه مقنعاً في تلك اللحظة، لكنني أدركت لاحقاً أن الانطباع الشخصي لا يكفي لنقض رواية تاريخية عمرها أكثر من ألفي عام. فجبال الألب ليست جداراً واحداً، وهناك ممرات مختلفة في الارتفاع والطبيعة والصعوبة. كما أن السؤال ليس فقط: هل يمكن عبور الألب؟ وإنما أي طريق سلكه هانيبعل؟ وفي أي ظروف؟
واللافت أن عبور هانيبعل للألب لم يرد في مصدر واحد متأخر، بل تذكره مصادر قديمة مهمة، أبرزها بوليبيوس وتيتوس ليفيوس، وإن اختلفا في عدد من التفاصيل. كما أن الدراسات الحديثة لا تتعامل مع عبور الألب باعتباره أمراً مستحيلاً، وإنما تبحث بصورة خاصة في الممر الذي استخدمه هانيبعل. لذلك تغير موقفي، ولم يعد السؤال بالنسبة إلي هل عبر هانيبعل الألب أم أن القصة خرافة؟ بل أصبح كيف عبرها، ومن أي طريق، وكم كان عدد رجاله وفيلته، وما حجم الخسائر التي تكبدها؟
وهنا يجب أن نفرق بين وقوع الحدث وبين التفاصيل التي رافقته. فبعد وصول هانيبعل إلى إيطاليا حقق انتصارات كبيرة على الرومان، وأظهر قدرة استثنائية على المناورة واستغلال الأرض والمفاجأة. لكنه لم يسقط روما، ولم يكن لديه القوة اللازمة لحصار المدينة والاستيلاء عليها. وكان جيشه بعيداً عن قواعده، بينما كانت الإمدادات محدودة. وفي المقابل، أظهرت روما قدرة استثنائية على تحمل الهزائم وإعادة بناء جيوشها. واعتمدت في مراحل مهمة على استراتيجية إنهاك هانيبعل وتجنب المواجهة المباشرة معه، وهي السياسة التي ارتبطت باسم فابيوس مكسيموس وعرفت بالاستراتيجية الفابية.
كما لم يحصل هانيبعل على الدعم الكافي من قرطاج، بينما واصلت روما محاربة حلفائه ومهاجمة مناطق النفوذ القرطاجي، وهنا تظهر حدود العبقرية العسكرية. قد يستطيع القائد أن ينتصر في المعركة، لكنه لا يستطيع وحده أن ينتصر في حرب طويلة إذا لم تتوافر له الموارد والإمدادات والدعم السياسي.
هنا نصل إلى السؤال الأهم.من الذي كتب لنا تاريخ هانيبعل؟
نحن لا نملك اليوم كتابًا كاملًا كتبه هانيبعل نفسه أو أحد قادته، ولا نملك رواية قرطاجية متصلة للحرب. لكن هل غياب المصدر الأصلي يعني غياب الحقيقة؟ الجواب هولا…. فلو أننا اشترطنا وجود الوثيقة الأصلية لكل حادثة، فلن يبق لنا إلا القليل جداً من تاريخ العالم القديم. لهذا لا أقول إن عبور هانيبعل للألب خرافة لمجرد أنني رأيت الثلوج وشعرت بصعوبة الجبال. كما لا أقول إن الحدث وقع بكل التفاصيل التي نقلتها المصادر القديمة لمجرد أن المؤرخين أمثال بوليبيوس وليفي تحدثا عنه. يجب ألا نخلط بين التاريخ كما وقع والتاريخ كما وصلت إلينا روايته.
قد يكون هانيبعل قد عبر جبال الألب فعلًا، وربما كان ذلك واحد من أعظم الإنجازات العسكرية في العالم القديم. لكننا قد لا نعرف حتى اليوم كل شيء عن كيفية عبوره لها. وهنا تكمن قيمة التاريخ. فالتاريخ ليس أن نصدق كل ما قيل، ولا أن نرفض كل ما لا نستطيع إثباته بصورة مطلقة. التاريخ هو أن نضع الرواية أمام الأدلة، ثم نسأل: من كتب؟ ومتى كتب؟ وكيف عرف؟ وماذا بقي لنا من روايته؟ وربما يكون السؤال الذي يجب أن يظل مفتوحًا للنقاش ليس عن هانيبعل وحده، وإنما عن التاريخ كله.
إن التساؤل لا يهدم الحقيقة بل يسعى للوصول إليها.


