قناة السويس غائره في الضمير الوطنى،ومحصنه داخل قلاعه ،ومن فرط عمقها الحصين تتاجج المشاعر نحوها،ويشتعل اوارها ازاء اي مبادرة، تتجاوز مكانتها،فهي تتسيد الوجدان المصري،و تملأه، وهي تتمتع بمكانه خاصة لدي المصريين،ليس بكونها فقط احدى اهم الممرات البحريه في العالم، نظراً لما توفره من وقت وتكاليف وجهد للاقتصاد العالمي،وهذا ليس ادعاءا ومبالغه،وانما يظهر ذلك جلياً في مرور ما بين 8% و12% من حجم التجارة العالمية عبر هذه القناة، وكذلك وصول أعلى إيراد سنوي لها إلى نحو 9.4 مليار دولار أمريكي في العام المالي،ولكن يرجع الامر ايضا لسبب اهم واعمق ،وهو ان دماءهم اختلطت بترابها ،منذ ان بدأ حفرها عام 1859 بسواعد اجدادهم من الفلاحين والعمال المصريين، اذ شارك في ذلك المشروع نحو( مليون عامل وفلاح) انتزعوا من اراضيهم ،واستشهد منهم نحو 120 الفا نتيجة ما اصابهم من امراض واوبئة استشرت بينهم ،في غياب رعاية طبيه لازمه ،وتحت وطأة العمل الشاق، والغلظة في التعامل ،والأفتقار الى توفير الرعاية الانسانيه لمشروع ضخم مثل هذا المشروع، من وجود مياه نظيفه سواء للشرب اوالاستحمام،ناهيك عن وهج الشمس الحارقه ،أوالأمطارالغزيره ،والاجحاف المر لحقوقهم المشروعه.وتتوارث الأجيال،تبعا لذلك هذه النغمات الحزينه للأهازيج الشعبيه التي رددها العامة من الناس في شكل وصياغة دراميه ان لم تكن ملحميه (يا حافر القنال ياواخد الرجاله ..سبت البيوت خاويه والدموع سياله).تلك اولى الأسباب قبل ان تتراكم سلسله أخري من الوان الأغتصاب لحقوق المصريين في هذه القناة التي شقت داخل اراضيهم، وانما تتوالي سلسلة من الاهدارات،ممثلة في سلسله أخري من الاحداث.في نوفمبر عام 1875 حيث واجه الخديوي اسماعيل أزمة ماليه طاحنه،نتيجة قيامه بمجموعة من الأصلاحات والأنشاءات التي تتعلق بالتطوير والتحديث،وكذلك لقدر اّخرمن البذخ والاسراف،نتيجة الولع بالمظاهر بلا رقابه أو حساب ،وعلى رأسها الحفل االضخم الأسطوري لأفتتاح القناة 1869.ازاء تلك المواجهة مع الأزمة الماليه ،بكل ضغوطاتها وتبعاتها اضطر لبيع حصة مصر البالغه 44%من اسهم القناة لحكومة (بنيامين دزرائيلي) في 25 نوفمبر عام 1875 لتصبح بناء على ذلك اكبر مساهم في شركة قناة السويس.ولم يقف الامر عند ذلك الحد من التخبط وسوء استخدام الموارد،مما ادى لعزل الخديوي اسماعيل في 26 يونيو عام 1979 بفرمان من السلطان عبدالحميد تحت ضغط بريطانيا وفرنسا ،بسبب الازمات الماليه والديون وجاء الخديوي توفيق فقام ببيع حصة مصر من ألأرباح السنويه للقناة وكانت بنسبة (15%) الى اتحاد مالي يضم جهات فرنسية وإنجليزية عام 1880،وهكذا فقدت مصرأنصبتها المباشره من القناة في فتره زمنيه لا تتعدى احدي عشر عاما كان خاتمتها ذلك الحفل الباذخ في الافتتاح.
قناة السويس والصراع
بين حلم العوده للوطن، ونشر الشباك لمد الامتياز للاجنبي
في أواخر عام 1909 وأوائل العام 1910 شغلت الرأي العام مسألة كبرى آنذاك وهي قضية (مد امتياز قناة السويس). وفحوى هذا المشروع أن المستشار المالي البريطاني لمصر (بول هارفي) وكان بحكم منصبه عضوا في الحكومه المصريه )أخذ يفكر في وسيلة يسد بها حاجة الحكومة المصريه إلى المال، فدخل في مفاوضة مع شركة قناة السويس لمد امتيازها أربعين عاما، مقابل أربعة ملايين جنيه مصري تدفعها الشركة التي سيطرت عليها بريطانيا إلى الحكومة المصرية، مع نصيب من الأرباح. وقد ظل المشروع في طي الخفاء زُهاء سنة، وكان في عزم وزارة بطرس غالي تنفيذه بسرعة حتى لا يزعجها احتجاج الصحف الوطنية، ولكن محمد فريد تمكَّن من الحصول على نسخة المشروع ،فبادر إلى نشرها في جريدة اللواء التي كان يصدرها الحزب الوطني.،فأحدث الأمر ضجة وثوره ،تفاعلت مع مطالب اخري أدت الى اغتيال رئيس الوزراء المصري بطرس غالي في شهر ابريل عام 1910 وقد رفضها البرلمان المصري. لم ينقطع الاهتمام بشأن قناة السويس،ولا بقضية الاحتلال بشكل جامع للأراضي المصريه،وحتى في اطار احزاب الاقليه في مصر،وحين اقدمت حكومة الوفد برئاسة مصطفي النحاس على الغاء معاهدة 1936،،تطلعت احلام المصريين الى قناة السويس.
قيام ثورة يوليو 1952
قيام ثورة يوليو 1952،وانجازاتها السريعه في تحقيق الاستقلال الكامل للاراده المصريه،ثم اعلان الثورة الاجتماعيه، جدد الحلم باسترداد قناة السويس،ولذلك كان اعلان التأميم بمثابة اطلاق العنان للارادة المصريه لكي تحقق الاماني الوطنيه ،ولذلك كان خطاب عبدالناصر في قرار التأميم (اننا نصحح اخطاء الماضي) (والقناة ملك لمصر،وليست مصر ملكا للقناة). وحدث العدوان الثلاثي على مصر،وكان صمودها وعدم كسر ارادتها ،لا يمثل فقط تعزيزا لارادتها، ولكنه كان ايضا درسا لكل الشعوب المقهوره ،ويقول (نكروما) زعيم غانا ادركنا بعد حرب السويس ان في استطاعة الشعوب الصغيره ان ترفع صوتها)وويقول ( كاسترو) زعيم كوبا كانت مصر تمثل لنا الرايه والقدوة. كان تأميم القناة اكبر واعظم صرخه في وجه الاحتلال.فقد كانت الصرخة تمثل (زئيرا) وغضبه لها مابعدها .كانت ايذانا بفجر جديد للعالم الثالث المقهور،ووثبه نحو عصرالتحرر.لكن الصراع لم ينته ،وبدأ ترتيب الاوراق للدخول في عصر جديد للمساومات وابرام سياسات ،لا تتسم بالصدام المباشر،ولكن بالألتفاف وبالحروب الاقتصاديه والضغوط التى تحقق نفس الاهداف ولكن باختلاف الوسائل.
قناة السويس .. والرؤي القاصره
في ثمانينات القرن الماضى نشر الكاتب الكبير(احمد بهاء الدين) رساله وصلت اليه من احدى الشخصيات المصريه يقول فيها( ان قناة السويس يمكنها ان تلعب دورا في سداد مديونية مصر بتأجيرها لمدة محدده من الزمان،ويمكن ان يكون العائد مجزيا في ذلك ) وقال الأستاذ بهاء انني لن ارد على هذا الاقتراح ولكننى سأتركه لجمهور القراء،للتعقيب عليه،وعلى مدى جدارته،وانهالت الردود بالرفض الكامل ،ولكن ابرز تلك الردود ،كان هذا الرد ،وهو فيما اتذكر لكاتب كبير وهو ايضا استاذ جامعي،وقال في رده (الدول مثل الأفراد يمكن ان تصادف ازمات ماليه حاده،ولكن تتفاوت طرق المواجهة لهذه الازمات، فهناك من يقوم بترشيد مصروفاته الى حد التقتير،وهناك من يبحث عن عمل اضافي ،كما هناك من يستغني عن كمالياته،ثم هناك كذلك من يسرق أو يتاجر بشرفه او عرضه،واقتراح تأجير قناة السويس يماثل تماما التجاره في الشرف أو في العرض) فقناة السويس هي الدم الذي سفكناه في حفرها،والدم الذي سفكناه في الدفاع عنها ) وهنا ارسل صاحب الاقتراح الى الاستاذ بهاء طالبا اغلاق الحوار حول هذا الموضوع وانه يسحب اقتراحه). في التسعينات ايضا من القرن الماضي ،جرى الحديث عن تنشيط السياحه،باعتبارها من اهم الموارد في الحصول على العمله الصعبه،كما انها تساهم في ترويج الصناعات ،ودعم العلاقات بين الدول،مما بساهم كذلك في دعم العلاقات بين الشعوب،والاختلاط يمكن ان يلعب دورا في تكثيف ادوات المعرفه والصداقات بين الشعوب،ولذلك طرح البعض فكرة ان يعود تمثال (فرديناند ديليسبس)وهو المهندس الفرنسي الذي تبني فكرة انشاء( قناة السويس) وقام بالأشراف على حفرها ووضع المشروع بأكمله تحت ناظريه، ولذلك يجب وضع التمثال على ضفة القناة ،في وضع انه يرحب بالمارين عبر القناة وذلك خليق بعمل دعاية ضخمة للقناة،ويقوم بتعزيز العلاقات مع فرنسا.ولم تستمر هذه الفكرة طويلا فقد اعرب شعب المدينة الباسله (بورسعيد) عن رفضه الكامل لها،كما استثير الرأي العام المصري ،منددين بالأقتراح، وقال بعض الكتاب،في الوقت الذي يطارد فيه اسم جمال عبدالناصر فيرفع من قناة ناصر في السد العالي، ويصبح الأسم قناة السدالعالي ( رفع الأسم الرئيس انور السادات، ثم اعاده الرئيس مبارك) ومن الأستاد الرياضي ،يجري البحث عن وضع تمثال لفرديناند ديليسبس بدلا من تمثال لعبدالناصر الذي استرد القناه من غاصبيها.كما اعلن محافظ بورسعيد باسم شعب بورسعيد انه لن يسمح بذلك.لكن صفحة القناة مع ذلك لم تطو بعد ، ومازالت الاقتراحات تتوالى،حول استخدامها في قضايا لا تمت بصلة للبحث فيما يعزز وظيفتها في تحسن ادواتها ،في العبور،ولكن في توظيفها في مشاريع اخري.
ومازالت القناة
في مرمي الديون ..ولا زالت الاقتراحات منهمره
وتتناول الصحف الأن في موجة جديده،تضع القناة في مرمى أزمة الديون ،وكان احد الفرسان رجل الاعمال (حسن هيكل)،نجل الكاتب الكبير (محمد حسنين هيكل) ليضع مايسمى بالمقايضة الكبري للديون مقابل أراض وأصول في شركات تتضمن قناة السويس ،واقترح احد النواب في البرلمان مجموعة اخري من الاقتراحات تستهدف كما ذكر دعم قدرة الاقتصاد في التعامل مع اعباء الديون ومنها دراسة امكانية تحصيل جزء من رسوم عبور السفن المتوقعه عبر قناة السويس لعدة سنوات مقدما من خلال ابرام برامج اختياريه مع كبري شركات وخطوط الملاحه العالميه مقابل منحها خصومات وحوافز مناسبه على رسوم العبور خلال فتره زمنيه محدده بما يحقق المصالح المشتركه،ويتحرص النائب فيقول ( ان المقترح لا يتضمن بيع قناة السويس أو رهنها أو التنازل عن ادارتها أو سيادة الدولة عليها . ثم صدر بيان للحكومة يقطع دابر التكهنات فقالت( ان قناة السويس ليست محلا لأي مقترح ،ولا توجد اي توجهات للحكومة لمقايضتها أو رهنها أو نقل ملكيتها مقابل مديونيات ،واكد البيان ان القناة مرفق عام استراتيجي ذو طبيعة خاصة ،وترتبط بصورة مباشرة بالأمن القومي والسيادة المصريه ،فضلا عن دورها المحوري في الاقتصاد الوطني والتجارة العالميه). تعليقا على كل مايجري من اجتهادات او اقتراحات،يقول الكاتب،ووزير الثقافة الاسبق (حلمي النمنم) انه منذ عامين،نشر موقع محسوب على احدى الجماعات الدينيه المعروفه (عقدا مزورا زعموا فيه ان القناة سوف يتم تأجيرها االى مستأجر اجنبي لمدة 99 سنه،واعلنت هيئة القناة انها سوف تقوم بمقاضاة كل من روج أو نشر تلك الأكاذيب .ويستطرد حلمي النمنم قائلا :قلت يومها ان هذه الأكذوبة ليست في مستوى الاعيب تلك الجماعة،بل انهم غطاء لجهة ما ،تتبع شركة أو دولة ما ،تريد الأستحواذ على القناة بأي طؤيقه ،وما أكذوبة العقد سوى بالون اختبار ،وهنا في الداخل من يصر ويلح على ادخال (القناة) في دائرة الديون، ثم يضيف : ليست لي معلومات مؤكدة ولا اتهم احدا بعينه،لكن بالحس هناك من يتربص بالقناة،ويتربص بنا. لكن يبقى ان نقول انه مهما كان حجم التخبط في المشاريع، او الهجمة من المتربص،فهناك شيئ لابد له ان يسبق اي حسابات،أو تطلعات،هو النبض الجماهيري حول القناة ،والولع الشعبي بها،والوجدان الوطني وغيرته عليها ،وكلها عوامل اساسيه ومركزيه، لا بد ان يحسب لها الف حساب حين يقترب الأمرفي التعامل مع قناة السويس. فهي في حمى الوجدان الشعبي، وتحت مراقبته.




