Home / قضايا ثقافية / الهوية السعودية اليوم هي مشروعٌ يصنع المستقبل

الهوية السعودية اليوم هي مشروعٌ يصنع المستقبل

نلتقي اليوم بشخصية أثْرَت الساحة الشعرية والفنية السعودية على مدى عقود، هو الشاعر عبد اللطيف بن عبد الله آل الشيخ، المولود في مدينة الطائف بالمملكة العربية السعودية . اسمه ارتبط بالكلمة الصادقة والقصيدة التي وجدت طريقها إلى قلوب الناس عبر أصوات كبار الفنانين، حيث وصلت كلماته بصدقها عبر فنانين كبار مثل محمد عبده، ورابح صقر، و اصالة، وكاظم الساهر، وغيرهم

رغم شهرته الواسعة وحضوره اللافت في المشهد الثقافي، لا يزال يفضّل لقبه الأول الذي عرفه به جمهوره: هاوي  

في هذا الحوار، نفتح معه صفحات من مسيرته: بداياته مع الشعر، وأسراره ومحطاته الفنية، وأرائه في قضايا الشعر والمجتمع، لنقترب أكثر من عبد اللطيف آل الشيخ الإنسان قبل الشاعر..

*الحصاد: كيف تصف علاقتك الأولى باللغة قبل أن تتحول إلى شاعر، هل كانت اللغة أداة للتعبير، أم كانت هي التي اختارتك و قادتك إلى الشعر؟

-عبد اللطيف آل الشيخ:أعتقد أن اللغة سبقتني إليّ، قبل أن أصل إليها. لم تكن بالنسبة لي مجرد وسيلةٍ لأقول ما أشعر به، بل كانت طريقةً لأفهم ما أشعر به أصلاً. هناك فرق بين من يستخدم اللغة ليصف العالم، وبين من يكتشف العالم من خلالها.)) منذ وقتٍ مبكر كنت أتوقف عند الكلمات أكثر مما أتوقف عند الأشياء، لأنني كنت أؤمن أن لكل كلمة ظلاً لا يراه الجميع، وأن أجمل ما في اللغة ليس ما تقوله، بل ما توحي به.

وحين بدأت أكتب الشعر لم أشعر أنني انتقلت من مرحلة إلى أخرى، بل شعرت أن اللغة وجدت الشكل الذي يناسبها داخلي. لذلك لا أستطيع أن أقول إنني اخترت الشعر، بقدر ما أقول إن الشعر كان الطريق الذي اختارت اللغة أن تتحدث إليّ من خلاله.

ولهذا ما زلت أتعامل مع القصيدة حتى اليوم، لا بوصفها صناعة كلمات، بل محاولةً لاكتشاف معنى جديد لم يكن موجوداً قبل أن تُكتب..

*الحصاد: مدينة الطائف، بذاكرتها وطبيعتها وإنسانها، شكّلت محضنًا أوليًا لنشأتك. ماذا بقي من طائف الطفولة والبلوغ في مفرداتك وصورك الشعرية حتى اليوم؟

-عبد اللطيف آل الشيخ: الطائف بالنسبة لي ليست مدينة الاقامة، بل مدينة البدايات. كنا نقضي فيها الإجازات الصيفية، لكنها كانت كافية لتترك في داخلي أثراً لا يقاس بعدد السنوات.

فيها عرفت الحارة بمعناها الحقيقي، والشقاوة الأولى، وأصدقاء الصيف الذين كنا نودعهم على وعدٍ بلقاءٍ في الإجازة القادمة، وكأن الزمن لا يعرف الفراق..

أعتقد أن الإنسان لا يتشكل فقط في المكان الذي يعيش فيه، بل أيضاً في المكان الذي ينتظره كل عام. والطائف كانت بالنسبة لي موعداً مع الحرية أكثر منها عنواناً للسكن،. ربما لهذا السبب لا تظهر الطائف في شعري بوصفها جغرافيا، بل بوصفها شعوراً. كلما كتبت عن البراءة، أو الحنين، أو البدايات، أشعر أن شيئاً من تلك الصيفيات يعود ليكتب معي، حتى وإن لم أذكر اسم الطائف مرةً واحدة

*الحصاد: شهدت بداياتك الشعرية انطلاقة تحت اسم مستعار “هاوي” وأعرف من تجربتك أن “هاوي” لم يكن محاولة للاختباء، بل كان موقفاً من الشهرة، ومن فكرة الكتابة نفسها.ماذا أضاف لك قبل أن تكشف هويتك الأدبية؟ 

-عبد اللطيف آل الشيخ: هذا سؤال جميل. 

(( اخترت اسم “هاوي” لأنني كنت أريد أن تصل الكلمة قبل صاحبها. كنت مؤمناً أن النص الجيد لا يحتاج إلى اسم كبير، بل يحتاج إلى قارئٍ عادل..

في تلك المرحلة كنت أراقب ردود الفعل بفضول، وأريد أن أعرف هل ما أكتبه يعيش بقيمته، أم بقيمة الاسم الذي يقف خلفه. وكانت النتيجة مطمئنة بالنسبة لي.

الحقيقة أن “هاوي” لم يكن اسماً مستعاراً بقدر ما كان قناعة. فما زلت أؤمن أن الكاتب، مهما بلغ، يجب أن يحتفظ بداخله بشيء من الهاوي؛ لأن الاحتراف قد يمنحك الأدوات، لكنه أحياناً يسلبك الدهشة

وعندما أعلنت اسمي الحقيقي لم أشعر أنني بدأت من جديد، بل شعرت أنني قدمت للقارئ الشخص الذي كان يقف بهدوء خلف النص طوال تلك السنوات.

وربما لهذا السبب بقي “هاوي” جزءاً من هويتي حتى اليوم، لأنه يذكرني دائماً أن أول علاقة بين الكاتب والكتابة يجب أن تكون علاقة حب، لا علاقة مهنة

*الحصاد: عملت في مجال القانون، وهو عالم يقوم على الدقة والانضباط، في حين يقوم الشعر على الخيال والانفعال. كيف يوازن عبد اللطيف آل الشيخ بين صرامة الحرف القانوني وعذوبة النبض الشعري، وأيهما يترك أثرًا أكبر في الآخر؟

-عبد اللطيف آل الشيخ:في الحقيقة لم أشعر يوماً أن بين القانون والشعر خصومة، بل كنت أراهما يسيران إلى الهدف نفسه بطريقين مختلفين.القانون يبحث عن الحقيقة بالأدلة، أما الشعر فيبحث عنها بالمشاعر. القانون يزن الكلمات، والشعر يزن ما وراء الكلمات.

دراستي للقانون علّمتني أن الكلمة ليست بريئة دائماً، وأن تغيير مفردة واحدة قد يغيّر المعنى كله. لذلك أصبحت أكثر صبراً مع النص، وأقل استعجالاً في إطلاق العبارات. وفي المقابل منحني الشعر شيئاً يحتاجه كل قانوني، وهو ألا ينسى أن خلف كل قضية إنساناً، وخلف كل مادة نظامية حكايةً بشرية.

أعتقد أن دراستي للقانون هذّبت لغتي، لكن الشعر وسّع رؤيتي. الأول علّمني كيف أكتب بدقة، والثاني علّمني لماذا أكتب أصلا.

ولهذا لا أستطيع أن أفصل بينهما، لأن كلاً منهما أنقذ الآخر من التطرف؛ فالقانون منع الشعر من الفوضى، والشعر منع القانون من الجفاف.

*الحصاد: حدّثنا عن طقوس الكتابة لديك؟

-عبد اللطيف آل الشيخ:قد يبدو الأمر غريباً، لكنني لا أؤمن كثيراً بطقوس الكتابة. أؤمن بطقوس الحياة، لأن الكتابة في النهاية هي ابنة الحياة.

الفكرة لا تستأذن أحداً. قد تأتي وأنا أقود السيارة، أو أقرأ كتاباً أو أشاهد مشهداً عادياً يمر به الجميع ولا يلتفتون إليه. لذلك أحاول أن أكون مستعداً لها دائماً،لا أن أجبرها على الحضور في ساعةٍ محددة.

أما عندما أجلس للكتابة، فأنا لا أبدأ بالقلم، بل بالسؤال. إذا لم أجد سؤالاً يستحق أن أطارده، فلن أكتب، لأنني أرى أن كل نص جيد هو محاولة للإجابة عن سؤال، أو لطرح سؤالٍ أجمل.

وبعد أن أكتب، تبدأ المرحلة الأصعب، وهي الحذف. كثيرون يظنون أن الكتابة تعني إضافة الكلمات، بينما أعتقد أن نضج الكاتب يظهر في قدرته على الاستغناء عنها. أحياناً أحذف أكثر مما أُبقي، حتى أشعر أن كل كلمة أصبحت تؤدي عملاً لا يستطيع غيرها أن يؤديه.

لذلك أستطيع أن أقول إن طقسي الوحيد هو ألا أنشر نصاً حتى أشعر أنه لم يعد يحتاج إليّ، بل أصبح قادراً على الدفاع عن نفسه أمام القارئ.

*الحصاد: كتبت على منصة أكس هذا النص النثري : «هذه ليلتي.. فحين يضج العالم خلف النوافذ.. يبدأ البيت في رواية الحكايات التي لا يسمعها إلا أصحابه»، يبدو الليل مساحةً للإنصات إلى الأصوات الخفية التي يغفلها ضجيج النهار. هل ترى أن العزلة شرطٌ لولادة القصيدة، أم أن البيت هنا رمزٌ لذاكرة الإنسان التي لا تبوح بأسرارها إلا في لحظات السكون؟

-عبد اللطيف آل الشيخ: أعتقد أن العزلة ليست شرطاً لولادة القصيدة، لكنها تمنحها فرصة أن تسمع نفسها. فالقصيدة قد تولد في زحام الناس، لكن فهمها غالباً يحتاج إلى شيء من السكون.

أما البيت في ذلك النص، فلم يكن مجرد جدران وسقف، بل كان رمزاً للمكان الوحيد الذي يتوقف فيه الإنسان عن أداء أدواره. خارج البيت لكل واحدٍ منا شخصية يفرضها العمل، والمجتمع، والواجبات، أما داخله فيعود إلى صورته الأولى.

الليل يساعد على ذلك، لأنه يخفف ضجيج العالم، وحين يهدأ الخارج، يبدأ الداخل بالكلام. وربما لهذا السبب تبدو بعض الأفكار وكأنها اختارت الليل موعداً لها، لا لأن الليل يصنعها، بل لأنه لا يقاطعها.

وأؤمن أن لكل بيت ذاكرة. ليس لأنه يحتفظ بالأثاث، بل لأنه يحتفظ بالأصوات، والغيابات، واللحظات التي مرت به. لذلك قلت إنه يروي حكاياته، لأن الأماكن، مثل البشر، إذا طال بها العمر، أصبحت تملك ما يستحق أن يُروى،وأظن أن الكاتب لا يبتكر تلك الحكايات، بل يتعلم كيف يُنصت إليها.

*الحصاد: يبدو أن الوطن في تجربتك الشعرية ليس مجرد موضوع للقصيدة، بل قيمة فكرية تتداخل مع مواقفك الإعلامية والثقافية. كيف تنجح في تحويل القصيدة من تعبير وجداني إلى خطاب وطني يُسهم في تعزيز الانتماء والوعي دون أن يفقد الشعر جماله وحرّيته؟

-عبد اللطيف آل الشيخ: أن الهوية السعودية بالنسبة لي ليست موضوعاً أكتبه، بل منظاراً أرى من خلاله العالم. لذلك لا أبحث عن إدخال الوطن إلى القصيدة، لأنه حاضر فيها من البداية.

لا أحب أن تتحول القصيدة إلى خطاب مباشر، لأن الشعر يفقد شيئاً من جماله حين يشرح أكثر مما يوحي. ما أحاول أن أفعله هو أن أجعل القارئ يشعر بالانتماء، لا أن أطلب منه ذلك.

أؤمن أن الهوية السعودية اليوم ليست امتداداً للماضي فقط، بل مشروعٌ يصنع المستقبل أيضاً. وعندما يخرج هذا الإيمان بصدق، يصبح جزءاً من القصيدة دون أن ينتقص من حريتها أو جمالها، لأن أجمل الشعر هو ما يولد من قناعة، لا من تكلف

*الحصاد: تعاونت مع كبار الفنانين مثل طلال مداح ومحمد عبده وعبادي الجوهر. كيف ترى رحلة القصيدة من نص مكتوب إلى عمل غنائي، وهل تغيرت علاقة الشاعر بالملحن اليوم عما كانت عليه زمن الرواد؟

-عبد اللطيف آل الشيخ:أنا أُفرّق دائماً بين القصيدة والأغنية. فالقصيدة كيانٌ أدبي مكتمل، يستطيع أن يعيش وحده، أما الأغنية فهي فنٌ جماعي، تبدأ بالكلمة، لكنها لا تكتمل إلا حين يلتقي بها اللحن، ثم يمنحها الصوت حياةً أخرى. وهذا لا يمنع أن تتحول بعض قصائدي إلى أغانٍ عندما أشعر أن النص يمتلك هذه القابلية.

تشرفت بالتعاون مع قاماتٍ كبيرة مثل طلال مداح، ومحمد عبده، وعبادي الجوهر، كما سعدت بالتعاون مع معظم المطربين العرب. لم أنظر يوماً إلى الفن بحدود الجغرافيا، لأنني مؤمن أن الفن لغةٌ عالمية، وأن الأغنية الصادقة تستطيع أن تعبر الحدود قبل أن تعبرها اللهجات.

وربما لهذا أرى أن العلاقة بين الشاعر والملحن ليست علاقة عمل، بل علاقة اكتشاف. فالشاعر يكتب موسيقى لا تُسمع، والملحن يسمع كلماتٍ لا تُرى. وحين يلتقي الاثنان بصدق، لا يولد لحنٌ للنص، بل يولد النص من جديد

*الحصاد: يرى البعض أن القصيدة المكتوبة للغناء تخضع لقيود تُضعف قيمتها الأدبية، وأن الأغنية الخليجية باتت تعتمد على الإيقاع أكثر من الكلمة. كيف ترد على هذا الرأي، وهل المشكلة في النص أم في طريقة تلقي الجمهور؟

-عبد اللطيف آل الشيخ:لا أعتقد أن القصيدة التي تُكتب للغناء أقل قيمةً من غيرها، لأن القيمة الأدبية لا يحددها المصير الذي تنتهي إليه القصيدة، بل الجودة التي تبدأ بها. هناك قصائد عظيمة أصبحت أغانياً، وهناك قصائد بقيت في الدواوين ولم يتذكرها أحد.

أما مسألة تغليب الإيقاع على الكلمة، فأظن أنها ليست مشكلة النص وحده، ولا المتلقي وحده، بل هي نتيجة لحركة المشهد الفني كله. كل عصر يبرز فيه عنصر أكثر من غيره، ثم يعود التوازن من جديد.

وأنا مؤمن أن الكلمة الصادقة لا تخسر مع الزمن، حتى لو غطى عليها الإيقاع لفترة. لأن اللحن يفتح الباب للأغنية، لكن الكلمة هي التي تجعلها تبقى.

في النهاية، لا يوجد صراع بين الكلمة واللحن، فالأغنية العظيمة لا ينتصر فيها أحد على الآخر، بل ينتصر العمل كله

*الحصاد: في زمن الاغنية السريعة ومنصات التواصل، هل ما زال المستمع يبحث عن الكلمة الرصينة التي تحمل فكرة وقصة؟

-عبد اللطيف آل الشيخ: لا أعتقد أن ذائقة الإنسان تغيّرت، بل طريقة استهلاكه هي التي تغيّرت. فالإنسان ما زال يبحث عن الكلمة الجميلة، لكنه يريد أن تصل إليه بطريقة تناسب إيقاع عصره.

الأغنية السريعة قد تحقق انتشاراً واسعاً، لكنها لا تعني بالضرورة أنها ستعيش طويلاً. أما الكلمة التي تحمل فكرة، أو تلامس تجربة إنسانية صادقة، فلها قدرة غريبة على مقاومة الزمن.

أعتقد أن الجمهور لا يرفض العمق، بل يرفض التعقيد. فإذا استطعت أن تقول الفكرة العميقة بلغةٍ سهلة، فإنك تكسب قلب المستمع وعقله في آنٍ واحد. وهذه، في رأيي، هي المعادلة الأصعب في الأغنية

*الحصاد: في ظل التحولات الاجتماعية والثقافية التي تشهدها المملكة العربية السعودية، هل تغيّرت أدوات الشاعر في التعبير عن المرأة، وكيف تنظر إلى صورة المرأة في القصيدة السعودية المعاصرة؟

-عبد اللطيف آل الشيخ:أن المرأة في القصيدة السعودية لم تتغير بقدر ما اتسعت زاوية النظر إليها. في الماضي كانت غالباً حاضرة بوصفها موضوعاً للحب، أما اليوم فأصبحت حاضرة بوصفها إنساناً كاملاً، له فكره، وطموحه، وحضوره، وتأثيره في المجتمع.

والتحولات التي تشهدها المملكة لم تغيّر أدوات الشاعر بقدر ما وسّعت أفقه. أصبح يرى المرأة في مساحاتٍ لم تكن مطروقة من قبل، وهذا منح القصيدة موضوعات أكثر عمقاً، وأكثر التصاقاً بالواقع.

وأنا أؤمن أن أجمل ما يفعله الشعر هو أن يحافظ على إنسانية المرأة، فلا يحوّلها إلى رمز، ولا إلى فكرة، بل يبقيها إنساناً، لأن الإنسان هو أعظم موضوع للشعر

*الحصاد: تُبدي اهتمامًا واضحًا بالفنون التشكيلية والتصوير الفوتوغرافي، وشاركت في فعاليات مثل معرض “نبط”. ما الذي تضيفه هذه الفنون إلى تجربتك الشعرية، وكيف تنظر إلى العلاقة بين الصورة والكلمة؟ 

-عبد اللطيف آل الشيخ:أشاهدها بعين المتلقي، لكنني أستفيد منها بعين الشاعر.أنا مؤمن أن الفن يُلهم الفن، ولذلك لا أحصر مصادر إلهامي في الشعر وحده. قد تلهمني لوحة، أو صورة فوتوغرافية، أو مقطوعة موسيقية، أو مشهد سينمائي، لأن جميع الفنون تتحدث عن الإنسان، لكنها تختلف فقط في اللغة التي تستخدمها.

لذلك كانت مشاركتي في فعاليات مثل معرض «نبط» امتداداً لهذا الشغف، ولا أعتقد أن الصورة تُكمل عجز الكلمة، أو أن الكلمة تُكمل عجز الصورة، بل لكل فنٍ منطقةٌ يعجز الآخر عن دخولها، ولهذا بقيت الفنون كلها حية، لأنها لا تتنافس، بل تتكامل

*الحصاد: كيف تنظر إلى المشهد الشعري السعودي اليوم في ظل تغيّر مفاهيم التلقي الأدبي والتحول الرقمي ودخول الذكاء الاصطناعي، وهل ما زالت القصيدة قادرة على الحفاظ على مكانتها وإنقاذ الإنسان من اغترابه، أم أن مستقبل الشعر نفسه بات مهددًا بهذه التحولات؟

-عبد اللطيف آل الشيخ:أنا متفائل بالشعر أكثر من خوفي عليه. فالتاريخ يخبرنا أن الشعر نجا من تغيّر الدول، واختراع الطباعة، والإذاعة، والتلفزيون، والإنترنت، ولن يتوقف عند الذكاء الاصطناعي.

ما يتغير ليس الشعر، بل طريقة وصوله إلى الناس. أما حاجة الإنسان إلى القصيدة، فأعتقد أنها باقية، لأن الإنسان سيظل يحتاج إلى من يعبّر عما يعجز هو عن قوله.

أما الذكاء الاصطناعي، فأراه أداة عظيمة، لكنه لا يملك التجربة الإنسانية. يستطيع أن يحاكي الأسلوب، لكنه لا يستطيع أن يعيش الذكرى، أو يخسر عزيزاً، أو يقع في الحب، أو يحمل وطناً في قلبه. وهذه هي المادة الخام التي يولد منها الشعر.

لذلك لا أخشى على مستقبل الشعر، بل أخشى على الشاعر الذي يتوقف عن عيش الحياة. فالشعر لا يكتبه الذكاء، بل تكتبه التجربة، وكلما بقي الإنسان إنساناً، بقي الشعر ضرورياً

*الحصاد: يمتاز شعرك بالموازنة بين الحداثة والكلاسيكية، فيجمع بين صفاء الفكرة ومتانة السبك، ويُحيي روح الشعر الأصيل بلغة معاصرة. بعد هذه المسيرة الطويلة، هل ما زال الشعر بالنسبة لك رحلة اكتشاف، أم أصبح نوعًا من المصالحة مع الذات والحياة؟

-عبد اللطيف آل الشيخ:أنا مؤمن أن الشعر أكبر من أن يكون مجرد رسائل عشق بين عاشقٍ ومعشوقته. هذا جزء جميل من الشعر، لكنه ليس الشعر كله. الشعر، في نظري، طريقةٌ أخرى للتفكير، ووسيلةٌ لاكتشاف الإنسان، واللغة، والعالم.

وربما لهذا السبب أوشكت على الانتهاء من كتابي الشعري الأول، وأسميته «انزياح»، ولم أسمه ديواناً. لأن الفكرة التي تجمع قصائده ليست وحدة الموضوع، بل وحدة الرؤية؛ إذ يقوم على مفهوم الانزياح، وكيف يستطيع أن يثري التجربة الشعرية، ويفتح أمام القارئ مستوياتٍ متعددة للقراءة، بدلاً من الاكتفاء بالمعنى المباشر.

وبعد هذه الرحلة، أستطيع أن أقول إن الشعر ما زال بالنسبة لي رحلة اكتشاف. كل قصيدة جيدة تجعلني أشعر أن اللغة ما زالت تخبئ أكثر مما تكشف، وأن الإنسان أعمق من أي تفسيرٍ واحد.

لذلك لا أكتب لأصل إلى نهاية، بل لأبقى في الطريق. وأظن أن الشاعر الذي يتوقف عن الاكتشاف، يتوقف عن الشعر، حتى لو ظل يكتب القصائد

*الحصاد: لو أتيح لك أن تعيد كتابة قصيدة واحدة من أرشيفك الطويل بعين وخبرة اليوم، فأي قصيدة ستختار، ولماذا؟

-عبد اللطيف آل الشيخ:ربما سأفاجئك إذا قلت إنني لن أعيد كتابة أي قصيدة. ليس لأنها كاملة، بل لأنها صادقة. كل قصيدة كتبتها كانت تمثل الإنسان الذي كنت عليه في تلك اللحظة، ولو أعدت كتابتها اليوم فسأكون في الحقيقة أكتب قصيدة جديدة، لا أصلح القديمة.

أنا لا أتعامل مع القصائد بوصفها أخطاءً تنتظر التصحيح، بل بوصفها محطات في رحلة شاعر يتغير مع الزمن. ومن حق كل مرحلة أن تحتفظ بلغتها، ودهشتها، وحتى عثراتها.

الكاتب الذي لا يتطور يتوقف، لكن الكاتب الذي يعيد كتابة ماضيه باستمرار، قد يفقد صدقه. لذلك أفضل أن أترك لكل قصيدة تاريخها، وأن أجعل خبرتي اليوم تذهب إلى القصيدة القادمة، لا إلى القصيدة السابقة.