لست ثقبًا أسود، أنا المجرَّة بكلِّ ما فيها من جمال

  في زمن باتت فيه خوارزميات التواصل الاجتماعي أكثر تدخُّلًا في تشكيل الوعي البشري، وفي خضم ثقافة يومية استهلاكيَّة موجَّهة تختزل الأنثى في قالب جسدي، نجد أنفسنا أمام ظاهرة سلبية متصاعدة: تحوُّل هوس الجمال إلى ثقب أسود، يبتلع روح المرأة وعقلها وهويتها، قبل أن يبتلع نقودها ووقتها.

   برمجيات لا واعية تقود إلى الانهيار النفسي

  فرضت ثقافة الصورة الاستهلاكيَّة المروَّج لها في الدراما والسوشال ميديا والمهرجانات الفنيَّة بسجاداتها الحمراء، جمالَ المرأة كهوية شبه وحيدة لتحظى بالقبول الاجتماعي، مدعومة بإعلانات شركات تجارية هدفها الوحيد الربح المادي، وبصور وريلزات نجمات وبلوغرات يبعنَ الوهم من خلال تريندات أشبه بفقاعات، يُمحى أثرها خلال وقت قصير. تندرج هذه الثقافة تحت مسمَّى «الجمال الاستهلاكي».

  وهي ثقافة تكاثرت وانتشرت وطغت على أحاديث النساء في: الجامعة، والمدرسة، والنادي الرياضي، وصبحيَّات النساء، وأماكن العمل، والمقاهي، والشارع.

  لكن لم يتوقَّف حدُّ تأثير برمجيات ثقافة «الجمال الاستهلاكي» هذه، اللاواعية والمكتسبة، عند الأحاديث، بل تحوَّل إلى سلوك متجذِّر في المجتمع عمومًا، يدفع بالكثير من النساء إلى الدخول في منافسات لا نهاية لها إلَّا داخل العيادات النفسيَّة. طبعًا إن امتلكت المرأةُ جرأة زيارة الطبيب النفسي، أمَّا في حال كانت تخشى ذلك –وهو الغالب والسّائد في مجتمعنا- تحسُّبًا إلى نظرة المجتمع السلبية، التي ما زالت إلى حدٍّ كبير تربط ارتياد العيادات النفسيَّة بالعار والجنون؛ فسينتهي بها الحال إلى الانزواء والاكتئاب، وفي حالات قد تكون قليلة، لكنّها موجودة وشائعة تحديدًا بين المراهقات، إلى محاولة الانتحار.

  عندما يتحوَّل الفن إلى كرنفال بلاستيكي

  باتت الدراما اليوم مدرسة تكرِّس ثقافة «الجمال الاستهلاكي». أبطال ونجوم يطلُّون على المُشاهدين بوجوه بلاستيكيَّة: عضلات وجه تعجز عن إعطاء ردِّ الفعل الملائم للشعور المراد إيصاله إلى الجمهور من خلال مشهد تمثيلي معيَّن. وجوه فيها من الإشراقة والامتلاء ما لا يعكس الوضع الاجتماعي للشخصية التي قد تكون فقيرة أو مشرَّدة أو مريضة أو حتَّى شحَّادة… وغيرها من الأدوار، التي لا تمتلك على أرض الواقع ترف زيارة عيادات التجميل، أو حتَّى تأمين الغذاء الصحي الملائم، الأمر الذي يؤدي بطبيعة الحال إلى وجه نحيل وشاحب ويفتقر إلى الامتلاء.

  الفقير والغني، الشاب والعجوز، رجل الأعمال والفلاح والعامل، طالبة الجامعة العشرينية وسيِّدة الأعمال الخمسينية، الزوجة «المعتَّرة» والمرأة «السترونغ-اندبنت»، وغيرهم من الثنائيات، التي لا تتشابه ملامحها على أرض الواقع. أصبحت تظهر جميعها في كرنفال الدراما البلاستكي: بـبشرة صافية تعجُّ بالكولاجين؛ وشفتين مكتنزتين بالفيلر؛ وخدَّين متورِّدَين، تكادان عند البعض أن تنفجرا من الفيلر؛ وفكٍّ سفليٍّ وذقن محدَّدة على شكل حرفV بعد اتباع إجراء تجميلي غير جراحي يُعرف بالتكساس، وأسنان ناصعة البياض مستقيمة، تكلفتها فقط بضع آلاف الدولارات، تبدو عند الجميع شبه متطابقة، وكأنَّها خرجت من قالب واحد في المعمل نفسه؛ وجبهة متماثلة عند الجميع، خالية من التجاعيد، ومشلولة تمامًا بتأثير البوتوكس المبالغ فيه؛ وعيون مسحوبة، ورموش مقلوبة، وما إلى ذلك…

  وجوه بلاستيكية، وأجساد نُحتت بين عيادات التجميل والنوادي الرياضية والالتزام بتناول المكمِّلات الغذائية التي ينتج عنها الامتلاء العضلي (المؤخرة بالدرجة الأولى عند النساء، وعضلات الصدر والذراعين بالدرجة الأولى عند الرجال)؛ تؤدي أدوارًا لا تمت بصلة إلى هيئة الممثِّل، أو الممثِّلة، التي جسَّدها!

  يخلق هذا التناقض واقعًا مشوَّهًا في عقول المشاهدين، خصوصًا من فئة المراهقين (سواء فتيات أم صبيان)، فتزداد الفجوة بين واقعهم وما يشاهدونه على الشاشة. وتغلب مشاعر الحسرة والغيرة والنقص على الاستيعاب العقلي، فيعجزوا عن الإدراك أو حتَّى التقبُّل بأنَّ ما يشاهدونه من خلف الشاشة لا يجسِّد الواقع المُعاش للطبقات الاجتماعية المتوسطة والفقيرة، التي تغلب نسبتها في غالبية المجتمعات، وأنَّ ما يشاهدونه مجرَّد هيئة بشرية بلاستيكية صُنعَت في عيادات التجميل.

  وهكذا تتحوَّل الدراما من فن يعكس الواقع ويناقش قضاياه، إلى كرنفال بلاستيكي، وأداة تكرِّس هوس الجمال، وتُعمِّق جراح النساء اللواتي يبحثن عن صورة يصعب بلوغها. ويغدو الفن، الذي من المفترض أن يعكس الواقع، تشويهًا للواقع، وأحيانًا سببًا في تدمير نفسية المشاهد، خصوصًا الفتيات اللواتي يرين شخصيات قريبة من واقعهن (طالبة جامعية مثلًا، أو خريجة جديدة… وغيرها) لكنَّها في الدراما مصنوعة بمعايير تجميلية تتطلَّب منهنَّ آلاف الدولارات، التي بطبيعة الحال لا تتوافر في جيوبهنَّ.

  مهرجانات الجمال المزيف لصناعة الوهم الجماعي


  تكاثرت مهرجانات الفن العربية في السنوات العشرين الأخيرة. وغدت اليوم أشبه بمنصَّات استعراض: فساتين تكشف ولا تستر بتوقيع المصمِّم الفلاني. مجوهرات غالبًا تتزيَّن بها النجمات لليلة واحدة كإعلان للبراند الفلانية. أجساد ووجوه تحمل تقريبًا توقيع طبيب التجميل نفسه. تدريب مُسبق على خطاب يشدُّ الألباب (أو ربَّما شيئًا آخر!) من مدرِّب التنميِّة أو مدرِّب التحدُّث ذاته. لنغدو بذلك أمام أحدث صيحات تسليع المرأة للمجتمع الرأسمالي، وأمام نجمات يبعن الأحلام الوهميَّة للنساء عمومًا والمراهقات خصوصًا. أوهام تُعشعش في لاوعي النساء موسوسةً: «أنت الآن غير كافية. أنفقي أموالك على عيادات التجميل، وسترين كيف سيتغيَّر عالمك. واستديني إن لزم الأمر».

  هوس الريلز والستوري والترندات
 

  وبالطبع لا ينتهي تأثير المهرجانات على السجادة الحمراء، وإنَّما يستمر على وسائل التواصل الاجتماعي من خلال الصور المعدَّلة، والريلز الخاضع للمونتاج. ما يخلق مقارنة مستمرَّة ما بين النساء اللواتي لا ينتمين إلى عالم المشاهير وما بين سلع الجمال المصنَّع في عالم المشاهير البلاستكي: أمَّهات عاملات مكافحات (فلَّاحات، بائعات، مدرِّسات، طبيبات، مهندسات، ربَّات منزل، طاهيات….) لا يجدن الوقت الكافي ولا المال اللازم لمجاراة صيحات هذا السوق. مراهقات بأحلام سهلة التأثُّر والانقياد، يحلمن بالكمال والتخلُّص من حَبِّ الشباب ومختلف التغيرات الفيزيولوجية غير المثالية التي تطرأ على هيئة الأنثى عند سنِّ البلوغ. مُقابل نجمات أنفقن آلاف الدولارات، ما بين عيادات التجميل والنوادي الرياضية ومراكز العناية بالبشرة، يليها الخضوع لجلسة ماكياج بإشراف أمهر ماكيير وباستخدام أحدث براندات المكياج. من ثمَّ فريق مونتاج كامل لتنسيق الصور والفيديوهات مع إضافة فلاتر ذكية لإخفاء ما لم يُخفَ بعد.

  صور وريلزات معدَّلة، لا تنحصر طبعًا على أيَّام المهرجانات، بل جاهزة لتُنشَر في أي مناسبة أو عيد أو تريند. وتبقى نقطة التشابه الوحيدة بينها، على اختلاف الأسماء والمناسبات والترندات: أجساد النساء الممشوقة، والمؤخرات المشدودة، والبشرة الحريرية، والعيون المسحوبة، والوجنتان المنتفختان، والأنف المُنمنم، والفم المكتنز، و…….. ببساطة: سلع جاهزة ومنتَجة في المصنع ذاته.

  ماذا لو لم تكن المرأة جميلة في مجتمع مريض؟

  تُعتبر الأنثى التي توصف بأنَّها «غير جميلة»، أو بمفردات أقسى مثل «قبيحة، بشعة، ناقصة أو عديمة الأنوثة»، مسكينةً ومنبوذةً. ينظر إليها المجتمع على أنَّها غير مهمَّة. وتُستخدم عند التعامل معها عبارات يبدو ظاهرها تعاطفًا، لكنَّها حقيقة تؤذي روحيًّا وتُشوِّه نفسيًّا. من أشهر هذه العبارات: «شو بدها تعمل، صحيح بشعة بس خلقة الله/ الله يستر عليها، حتَّى لو كانت بشعة/ لو كانت حلوة، ما كان تجوَّز عليها/ صحيح متعلمة بس بشعة ولو / لو كانت حلوة، كان إجا نصيبها/ حظها بيفلق الصخر، تزوجت واحد معو مصاري مع إنها بشعة/…». وغيرها من العبارات التي تقيِّم الأنثى، وتتعامل معها بناء على معيار شكلها الخارجي فقط، دون أي احترام لإنسانيتها أو لعقلها أو لكينونتها، وكأنَّ المعيار الوحيد لاحترامها هو مظهرها الخارجي.

نتائج مأساوية في دوامة لا تنتهي

  إنَّ النتيجة الطبيعية لكل ما سبق: عدم الرضا، وإهدار المال (ولو اضطر الأمر إلى الاستدانة) والوقت (ولو على حساب البيت والعائلة، أو الدراسة، أو العمل) ضمن عيادات التجميل، بما تتضمَّنه من إجراءات تجميل جراحية وغير جراحية.

  لكن الأسوأ لو استمرَّ عدم الرضا هذا، ثمَّ تحوَّل إلى هوس عدم ثقة، يطرح وباستمرار سيلًا من الأسئلة: «ماذا لو استمر شعوري بأنَّي غير جميلة بما يكفي؟ / ماذا لو رغبت بالمزيد من كل شيء: ثديين أكبر، عينين أوسع، شفتين مكتنزتين أكثر، وبشرة أكثر نقاوة ونعومة وبياض، و…..؟ / ماذا لو لم أتلقَّ بعد هذا كلِّه ما يرضيني من إطراء عائلتي وجيراني وزملائي وأصدقائي وشريكي؟ / ماذا… وماذا….؟».

  والنتيجة إحباط حلزوني، يستمرُّ دون أن يتوقَّف، إلى أن يحيل المرأة إلى ثقب أسود. ثقبٌ يبتلع عقلها وروحها وكيانها، جاعلًا منها كائنًا هشًّا يحتاج دائمًا أن يُثبت وجوده عن طريق الشكل الخارجي، الذي يغدو جوازها الوحيد لقبول واعتراف الآخرين بها. ثقبٌ يضعها في منافسة حمقاء ودائمة مع باقي النساء، ويفرض عليها عدم رضا يقودها إلى تشوُّه نفسي، وقلَّة ثقة، ما يؤثِّر فعليًّا وبشكل سلبيٍّ على حياتها.

  تحرَّري يا صديقتي… أنتِ مجرَّة لا ثقب أسود

 امتنِّي يا صديقتي.

 امتنِّي لما أنت عليه. وتحرَّري من كل هذا التسليع الذي يودي بك إلى الانفصام والهلاك. واستثمري جهدك وأموالك في جمالك العقلي كأولوية. ومن المؤكَّد أنَّه من الجيد الاعتناء بمظهرك الخارجي، وأناقتك وهندامك، لكن دون أن يتحوَّل الأمر إلى هوس وفوبيا من تقييم الآخر، الذي قد يكون إرضائه غاية لا تُدرك.


  امتنِّي يا صديقتي، وتحرَّري من هذا الوهم القاتل، واستبدلي علاقاتك التي تبدأ جلساتها بالحديث عن الثياب وتنتهي بالحديث عن المكياج، بكورسات تعلُّم لغة، أو بممارسة رياضة تحبينها، أو بالاعتناء بنبتة أو بحيوان أليف.

  امتنِّي، واستبدلي الريلزات، ومتابعات السوشال ميديا تحديدًا غير المفيد منها، والدراما وملحقاتها من مهرجانات وبرامج وتريندات؛ بأفعال تُغني عقلك، وتُجمِّل روحك، وتحميك من الهشاشة النفسية. الأمر الذي يجعلك تقفين بحب أمام مرآتك صباحًا، ثمَّ تلقين تحية الصباح على نفسك قائلة: «لستُ ثقبًا أسود، أنا المجرَّة بكلِّ ما فيها من جمال».

 إنَّ سرَّ جمال الكون -يا صديقتي- يكمن في بساطته وتعدُّده واختلافه. والمرأة الجميلة، ليست تلك المُثقلة بإجراءات التجميل البلاستيكيَّة، وإنَّما تلك التي تجرؤ على أن تكون نفسها، في عالم يبذل قصارى جهده ليجعل منَّا نسخًا مكرَّرة ومزيفة.