مع إعلان رحيله عن ليفربول بنهاية الموسم بدأ النقاش حول جدارة النجم المصري في تصدر قائمة الأفضل
مع إعلان محمد صلاح الرحيل عن ليفربول بنهاية الموسم هذا الصيف، بدأ النقاش الجدلي حول تأثير الجناح المصري كواحد من أعظم اللاعبين الذين مروا على الدوري الإنجليزي الممتاز، بل ربما يكون الأفضل بين المحترفين الأجانب على الإطلاق.
لقد وضع جمهور ليفربول والعديد من النقاد البريطانيين صلاح في المركز الأول بقائمة أفضل لاعبي الدوري الإنجليزي على مر التاريخ، متفوقًا على واين روني، والبلجيكي كيفن دي بروين، وريان غيغز، والبرتغالي كريستيانو رونالدو، وحتى الاسطورة الفرنسي تييري هنري، لكن بالطبع مثل هذه القوائم والاختيارات تخضع دائمًا للإنحياز طالما من جانب واحد وليس من منظومة دولية أو رسمية.
لقد حقق صلاح نجاحًا باهرًا على المستويين الفردي والجماعي على مدار 9 سنوات مع ليفربول وارتقى بمستواه إلى آفاقٍ جديدة، ليُصبح محركًا أساسيًا للفريق، بل وكان العنصر الحاسم الذي أعاد ليفربول للمجد والالقاب بعد 30 سنة عجاف.
خاض صلاح مع ليفربول ما يزيد عن 338 مباراة في الدوري و437 بجميع المسابقات حتى منتصف ابريل 2026، سجل فيها 256 هدفًا، وخلال تلك الفترة، لم يغب المهاجم المصري إلا عن 25 مباراة فقط، من بينها 19 بسبب مشاركته مع منتخب مصر في كأس الأمم الأفريقية. إجمالًا، غاب صلاح عن ست مباريات فقط مع ليفربول في تسع سنوات بسبب الإصابة.
وإذا كانت المقارنات مع نجوم أساطير في أندية أخرى معيار لا يمكن الأخذ به إلا من خلال إحصائيات رسمية من منظمات وإتحادات دولية، إلا أن صلاح بلا جدال سيرحل عن ليفربول وهو أحد أعظم لاعبي هذا النادي على مر العصور، وبحصيله تضعه ثالث أفضل هدافي الفريق عبر التاريخ ليفربول.
الذين يرون أن صلاح يستحق أن يتصدر قائمة أفضل محترف أجنبي في تاريخ الدوري الإنجليزي، يعللون ذلك بدوره الكبير في نهضة فريق كان متعثر لسنوات طويلة، على عكس الأسماء الكبيرة الأخرى التي كانت إضافة لتشكيلات قوية بفرقها التي تحقق نجاحات على المستويين المحلي والقاري.
لقد وصل صلاح إلى ليفربول عندما كان النادي يقترب من مرور 30 عامًا على فوزه بآخر لقب للدوري في عام 1990، وبعد أن كان قد فاز بلقب واحد فقط (كأس الرابطة عام 2012) خلال 10 سنوات كاملة. لقد ساهم صلاح في قيادة ليفربول نحو المجد، بينما كان نجوم أمثال هنري ورونالدو ودي بروين وروني يشاركون مع أندية تحقق النجاح بالفعل.
كان صلاح مصدر إلهام ليفربول خلال مسيرته نحو التتويج بدوري أبطال أوروبا عام 2019، حيث سجل 10 أهداف وصنع 5 أهداف أخرى، ليقود الفريق للفوز بلقب البطولة الأقوى في القارة العجوز للمرة السادسة في تاريخ النادي. كان صلاح أيضًا اللاعب المحوري خلال فوز ليفربول بلقب الدوري الإنجليزي الممتاز مرتين، في موسمي 2019-2020 و2024-2025، لينضم إلى أساطير ليفربول، كيني دالغليش وستيفن جيرارد، بقائمة أعظم لاعبي النادي على مر التاريخ.
كما هو الحال مع هنري، سجل صلاح 20 هدفًا في موسم واحد بالدوري الإنجليزي الممتاز خمس مرات، ولم يتفوق عليه في هذا الإنجاز سوى شيرار وهاري كين والارجنتيني سيرجيو أغويرو. كما يعد صلاح اللاعب الوحيد الذي فاز بجائزتي أفضل لاعب في العام من رابطة اللاعبين المحترفين ورابطة كتاب كرة القدم الإنجليزية ثلاث مرات.
سيرحل صلاح بعد أن تذوق الفوز بكل البطولات الكبرى مع ليفربول مرة واحدة على الأقل، وبمسيرة حافظ فيها على أفضل مستوياته لما يقارب عقدًا من الزمن، منذ قدومه من روما صيف 2017.
يُعتبر هنري، في نظر الكثيرين، أعظم لاعب في تاريخ أرسنال، حيث فاز بلقبين في الدوري الإنجليزي الممتاز وثلاثة ألقاب في كأس الاتحاد الإنجليزي مع أرسنال، الذي لعب معه خلال الفترة بين عامي 1999 و2007.
وسجل اللاعب الفرنسي، الذي لعب أيضاً لموناكو ويوفنتوس وبرشلونة، 175 هدفاً في الدوري الإنجليزي الممتاز، ويحتل المركز الثامن في قائمة الهدافين التاريخيين للمسابقة.
فاز هنري بجائزة الحذاء الذهبي للدوري الإنجليزي الممتاز أربع مرات، وهو رقم قياسي، وجائزة أفضل لاعب في العام من رابطة اللاعبين المحترفين مرتين، ويحمل الرقم القياسي لأكبر عدد من التمريرات الحاسمة في موسم واحد (20 تمريرة) بالتساوي مع لاعب خط وسط مانشستر سيتي السابق كيفن دي بروين.
ويعد البلجيكي دي بروين الذي حقق 16 لقبًا كبيرًا، من بينها ستة ألقاب في الدوري ولقب لدوري أبطال أوروبا إسطورة مانشستر سيتي خلال حقبتي المدربين مانويل بيليغريني، ثم جوسيب غوارديولا.
قدم دي بروين 119 تمريرة حاسمة في الدوري الإنجليزي الممتاز، ولا يتفوق عليه سوى غيغز (162 تمريرة حاسمة)، كما يتقاسم الرقم القياسي لأكبر عدد من التمريرات الحاسمة في موسم واحد مع هنري (20 تمريرة حاسمة). وسجل أيضًا 72 هدفًا رغم أنه لاعب خط وسط، منها 15 هدفًا في موسم 2021-2022 وحده. لكن مشاكل الإصابات خلال فترة وجوده مع مانشستر سيتي حرمته من لقب أفضل لاعب في تاريخ الدوري. ففي 10 مواسم، شارك دي بروين في 285 مباراة في الدوري الإنجليزي الممتاز مع مانشستر سيتي، وغاب عن ما يقرب من 100 مباراة خلال تلك الفترة، أي ما يعادل موسمين ونصف.
وتعود عظمة غيغز إلى قدرته على الاستمرار في تقديم مستويات مبهرة على مدار عقدين من الزمن، مُحرزًا العديد من الألقاب والبطولات مع مانشستر يونايتد، ومتطورًا من جناحٍ شاب إلى لاعب خط وسط مُبدع.
كما كان رونالدو يتمتع بلياقة بدنية مماثلة خلال فترته الأولى مع مانشستر يونايتد بين عامي 2003 و2009، حيث غاب عن ثماني مباريات فقط بسبب الإصابة خلال تلك السنوات الست. لقد كان رونالدو بلا شك ظاهرةً خلال الحقبة الأولى له مع يونايتد، وفاز بجميع الألقاب والبطولات الكبرى مرة واحدة على الأقل، وكان يُعتبر اللاعب الأهم في فريق السير أليكس فيرغسون عندما حقق ثلاثة ألقاب دوري متتالية بين عامي 2007 و2009، لكن رونالدو سجل أقل من 100 هدف في تلك الفترة الأولى، وكان تأثيره الحقيقي مقتصرًا على ثلاثة مواسم فقط.
ومع المقارنة مع هؤلاء النجوم تبدو أحقية صلاح في صدارة قائمة نجوم الدوري الإنجليزي نقطة تستحق الدراسة كونه الأكثر إستمرارية على مستوى أداء رائع .
قبل وصول صلاح كان نادي ليفربول يفتخر بإرثه القديم وماضيه أكثر من حاضره ومستقبله. وكانت أصداء كيني دالغليش وستيفي هايواي لا تزال تتردد في أرجاء ملعب آنفيلد، بحضورهما الطاغي. لقد ترك كل من أيان راش ورودي فاولر وستفين جيرارد بصماتهم على تلك القلوب المفعمة بالأمل، لكن النادي فشل في تحقيق بطولة الدوري على مدار 30 سنة حتى جاء النجم المصري ليحول النفق المظلم الى شعلة تضيء النادي بل والمدينة.
كان صلاح هو الشرارة التي أشعلت الحماس من جديد في نادي ليفربول، وتأثيره على أرض الملعب كان فوريًا ومذهلًا. حطم الرقم القياسي للأهداف في موسمه الاول (2017-2018) مسجلاً 32 هدفًا من 38 مباراة في الدوري. وواصل المهاجم المصري تسجيل الأهداف بغزارة، محطما العديد من الأرقام القياسية، وقاد النادي للحصول على العديد من البطولات والألقاب.
وإلى جانب تألقه، منح صلاح الفريق الثقة. وإلى جانب النجاح، أعاد إلى النادي هويته.
لطالما كان يتم ذكر ليفربول في السنوات التي سبقت حضور صلاح بمواقفه السلبية، بعد الإخفاق في نهائي دوري أبطال أوروبا عام 2007، والحرب النفسية التافهة ضد السير أليكس فيرغسون، وانزلاقة جيرارد الشهيرة التي تسببت في ضياع بطولة.
لكن فور وصول صلاح، لم تكن هناك حاجة للغوص في أمجاد الماضي، فقد بُنيت أمجاد جديدة: ثلاث نهائيات في دوري أبطال أوروبا، وميداليتان ذهبيتان، ولقبان في الدوري الإنجليزي الممتاز – منهيًا بذلك انتظارًا دام ثلاثة عقود للعودة إلى عرش كرة القدم الإنجليزية، بالإضافة إلى سلسلة من الألقاب الأخرى.
لطالما امتدت العلاقة بين صلاح وليفربول إلى ما هو أبعد من حدود الملعب. وصل صلاح إلى ليفربول كنجم مسلم بارز. وفي ليفربول، كانت هتافات المشجعين تحمل إشارات عابرة إلى دينه بطريقةٍ بدت شاملةً لا تنمّ عن التهميش، فكان الجمهور يغني: “إذا سجّل المزيد من الأهداف، فسأصبح مسلمًا مثله”. قد لا يكون هذا التعبير سليمًا من الناحية الدينية، لكنه كان لافتًا من الناحية السياسية. وكان هناك تطبيع لممارساته؛ صيامه في رمضان، وسجوده بعد تسجيل الأهداف، وتحدثه بصراحة وهدوء عن معتقداته وقناعاته. وها هي زوجته ترتدي الحجاب، وموقفه واضح لا لبس فيه تجاه غزة.
لم يُعامل صلاح كغريبٍ تفوّق صدفةً، بل رُحِّب به كواحدٍ من أبناء ليفربول، وخصته الجماهير بأغني بإسمة ستظل خالده بالوجدان .
