الفنان التشكيلي سليمان منصور لـ “الحصاد”:
يعدّ الفن التشكيلي واحدًا من أبرز وسائل التعبير الفني الذي ينقل رؤية الفنان، ويعكس إبداعه وتجربته الفريدة. ومن بين الفنانين المبدعين في هذا المجال الفنان التشكيلي الفلسطيني “سليمان منصور “مواليد عام 1947 م، الذي يعدّ أحد الأعمدة التي أسهمت في إثراء المشهد الفني، علاوة على أنه يتمتع بموهبة فنية رائعة، وابداع يُعْيي على الحصر. الفنان الفلسطيني سليمان منصور تويج في العاصمة الروسية موسكو كأفضل فنان تشكيلي في ديسمبر 2025 تقديراً لمسيرته الفنية الإبداعية الطويلة وإسهاماته العميقة التي شكلت ركيزة أساسية في الفن التشكيلي الفلسطيني، وحملت الهوية الوطنية الفلسطينية إلى المحافل الإقليمية والدولية.
تتميز أعماله بالتنوع والغنى. فهو يتناول مواضيع مختلفة، يعبر عنها بأسلوب فني فريد، وتقنية متقنة. كما تتنوع أعماله بين: اللوحات الزيتية، والرسومات، والتصاميم الفنية؛ الأمر الذي يبرهن على مهارته وقدرته على التعبير من خلال مختلف وسائل التشكيل.
وكان للحصاد هذا الحوار معه.
الحصاد: كيف استقبلت خبر تتويجك في موسكو كأفضل فنان تشكيلي لعامي 2024- 2025 وما الذي يمثله لك هذا التكريم على المستوى الشخصي والفني؟
سليمان منصور: كان خبر تتويجي في موسكو لحظة مؤثرة وعميقة بالنسبة لي. لم أنظر إليه كتكريم شخصي بقدر ما رأيته اعترافا عالميا بالفن الفلسطيني وبقدرته على أن يكون حاضرا وفعالاً رغم كل الظروف. هذا الفوز هو تقدير لمسيرة طويلة حاولت فيها أن أعبر عن الإنسان الفلسطيني وعن ألمه وكرامته وحقه في الحياة. ما أسعدني حقا هو إن هذا التكريم جاء في عاصمة ثقافية كبرى مثل موسكو حيث للفن مكانة راسخة وتاريخ عريق. شعرت بأن رسالتنا البصرية وصلت إلى العالم. والرموز التي في لوحاتي استطاعت أن تتجاوز الحدود وتلامس وجدان الآخرين. بالنسبة لي هذا التتويج مسؤولية جديدة تدفعني للاستمرار في تقديم فن يعكس روح شعبي وقضيته.
الحصاد: هل يمكن للموهبة أن تشق طريقها إلى الإبداع وحدها أم أن الموهبة لا تكتمل إلا حين تعانقها الدراسة وتمنحها افقا واسعة؟
سليمان منصور: الفنان الحقيقي ليس مجرد صاحب موهبة، بل هو ثمرة حالة إبداعية متفردة. فالدراسة لا تنبت إبداعا، ولكنها تهيئ له التربة الخصبة وتسرع لحظة تجليه. ففي كل عام تتخرج آلاف المواهب من كليات الفنون، ولكن القليل فقط هو الذي يترك بصمة مميزة ويكتب اسمه في ذاكرة الفن؛ هؤلاء هم أصحاب الشرارة الإبداعية الأصلية.
ومع ذلك، فالموهبة وحدها لا تكفي. فكل إنسان قادر على أن يصبح فنانا إذا درب عقله على التفكير الخلاق. فمهارة الرسم تكتسب بالممارسة، وتتقن بالتجريب، بينما يمنح التعليم الفنان اختصارا للطريق، ومعرفة بتاريخ الفن وفلسفاته ليصبح واعيا بما يفعل لا مجرد ممارس لمهارة. فالفن فكر قبل أن يكون تقنية، ورؤية قبل أن يكون يدا تمسك بالريشة.
الحصاد: كيف تقيّم الحركة الفنية التشكيلية في فلسطين؟
سليمان منصور: الحركة الفنية في فلسطين جيدة، وتوجد مجموعة من الفنانين الشباب يبشّرون بالخير. لكن ينقصها سوق فني ثابت، ونقد فني لا يجامل. وتكمن قوة الحركة الفنية الفلسطينية في كونها لها شخصية مميزة؛ بسبب الوضع الذي نعيش فيه.
الحصاد: ما الذي يثير الفنان، ويحرّك مشاعره، ويدفعه لِقَوْلِ ما يريد؟
سليمان منصور: الذي يحرّك الفنان الحالة الإبداعية والبعيدة عن الواقع والمنطق. وإذا استطاع الفنان تطويع هذه الحالة إلى عمل يعكس فلسفته في الحياة، فسيكون بذلك قد صنع إنجازًا فنيًا مهمًّا .
الحصاد: برأيك أيّهما يعدّ الأهمّ: الفن الواقعي، أم الفن التجريدي، وهل صحيح أن على الفنان أن يبدأ بالمدرسة الواقعية؛ حتى تكون لديه مرجعية لتكوين لوحاته؟
سليمان منصور: لا يجب وضع المدرسة الفنية في أبواب التفضيل. فكل مدرسة لها جمالها ونكهتها. والمدرسة الواقعية أنا أميل لها؛ لأنها تستطيع التعبير عن حالات الفنان المختلفة بشكل أوضح.
الحصاد: الفن التشكيلي مساحة يترجم فيها الفنان أفكاري ومشاعره إلى جمال المرئي ليصنع الدهشة. كيف تصف لنا بداياتك ورحلتك في هذا العالم؟
سليمان منصور: بعد عام 1967 خلت الأرض المحتلة تقريبا من النشاط الفني حتى عام 1971 حين أقام أحد طلاب الفن معرضا كشف عن وجود نحو 18 فنانا يعملون دون تعليم أكاديمي. عندها بادرنا إلى تأسيس رابطة الفن وتعليم أساسياته داخل المجتمع الفلسطيني.
رغم منع الاحتلال إنشاء كليات للفنون حتى اتفاقية أوسلو عام 1994 واصلنا تأسيس مراكز فنية ومعارض، والمساهمة في وضع مناهج لكليات الفنون في الجامعات المحلية. ومع الوقت تمكنا من إنشاء أكاديمية فنون مستقلة في رام الله استمرت 13 سنة.. وتخرج منها جيلا جديدا من الفنانين الذين يشكلون اليوم نواة الحركة الفنية الفلسطينية المعاصرة.
الحصاد: هل اللوحة هي التي ترسم نفسها، أم الكامن في أعماق الفنان، أم موهبته وقدرته على الرسم البارع؟
سليمان منصور: الفنان وما بداخله وكوامنه هي التي ترسم اللوحة. المهارات تساعد؛ ولكنها تبقى مهارات ممكن لأي شخص أن يتعلمها. أما موهبة الفنان، فهي شيءٌ آخر كليًّا.
الحصاد: ما المدرسة الفنية التشكيلية الأبرز في المرحلة الراهنة على المستوى العربي والدولي والمحلي؟
سليمان منصور: يمتاز الفن في العالم بديمقراطية، وتوجد كل المدارس. والتوجّهات حاضرة، ولكلّ مدرسة مريدوها. الفن المعاصر، وهو الذي يعتمد على الفكرة، ويبتعد نوعًا ما عن الحرفية، وهذا الفن منتشر أكثر عند الشباب، وله أدواته مثل: الكتابة، والكاميرا، والفيديو والكمبيوتر.
الحصاد: كونك من رواد الفن التشكيلي الفلسطيني هل تغيرت الأدوات الفنية وتغيرت الساحة التشكيلية الفلسطينية بين ما كانت عليه وبين اليوم؟
سليمان منصور: الفن مثل شجرة الزيتون، جذورها ثابتة في الأرض، لكن أغصانها لا تكفّ عن النمو. نعم، تغيرت الأدوار، وتغيرت الساحة لكن الوجع لم يتغير. في السبعينيات كنا نرسم بمواد بسيطة، أحيانًا من تراب الأرض نفسها، من قماش خشن، من ألوان لا تكاد تكفي لوحة واحدة. اللوحة كانت سلاحا وكانت صرخة وكانت وثيقة.
واليوم الأدوات صارت أكثر حداثة، التكنولوجيا دخلت المرسم، والمواد صارت أغنى وأوسع. صار الفنان الفلسطيني يتنقل بين الأكريليك والديجيتال والفيديو آرت، ويقف على منصات عالمية. لكن التغيير الحقيقي ليس في الأدوات، ولكن في السياق. اليوم الفنان الفلسطيني لم يعد فقط يرسم القضية، بل أصبح يطرح أسئلة جديدة عن الهوية والذاكرة وعن الجسد وعن المنفى وعن العالم الذي تغير من حولنا. صار الفن مساحة للتأمل بقدر ما هو مساحة للمقاومة. ومع ذلك ما زلت أؤمن إن الفنان الفلسطيني مهما ابتعدت أدواته يعود في النهاية إلى تلك اليد التي تحمل الأرض. الفن يتغير نعم لكن فلسطين في اللوحة لا تتغير.
أكيد تغيّرت، فلكل جيل ذوقه وأدواته وفكره، وهذا طبيعي. ولكن أكثر ما يخيفني في هذه المرحلة والمستقبل هو ضعف الانتماء إلى فلسطين كثقافة.
الحصاد: هل النقد الفني التشكيلي قد استطاع الدخول إلى عمق التجربة الفنية للفنان الفلسطيني، أم لا تزال ثمة عوائق؟
سليمان منصور: حين نتأمل المشهد التشكيلي الفلسطيني نجد السؤال عن النقد ليس سؤالا هامشيا، بل هو سؤال جوهريا يتعلق ببنية الثقافة نفسها. الفن التشكيلي تطور وتحول، ولكن النقد لم يواكب تلك التحول بالعمق المطلوب . فالموجود هو وصف ومجاملات.
الحصاد: ما الذي منحتك إياه اللوحة، وما الذي منحتها أنت بعد كل هذه السنوات للوحة؟
سليمان منصور: الناس تعرفوا عليّ من خلال اللوحة.. اللوحة أعطيتها معظم حياتي، ومشاعري، و أحلامي، وذكرياتي.
اللوحة أعطتني الاستكفاء.
الحصاد: مَنْ الرسام العربي أو العالمي الذي أثّر بكِ كثيرًا على المستويين الشخصي والفني؟
سليمان منصور: لا يوجد فنان واحد وحيد. فكل فنان جيد لديه مشروع إنساني يعجبني. في فترة من الفترات تأثرت بالفنان المكسيكي “دييغو ريفيرا”.
الحصاد: ما أبرز الصعوبات التي واجهتها في مسيرتك الفنية وكيف أثرت تلك التحديات في تشكيل شخصيتك كفنان
سليمان منصور: الصعوبات التي واجهتني في مسيرتي الفنية، لم تكن خارجة عن المألوف سوى الضائقة المالية التي رافقتني منذ الطفولة بعد وفاة والدي وأنا في الرابعة، ورغم قسوة الظروف فقد منحتني هذه الخسارة المبكرة مساحة من الحرية لاختيار طريقي دون ضغوط عائلية أو توجيهات تقليدية.
حينها بدأ شغفي بالفن يتشكل تدريجيا منذ سنوات الدراسة الأولى حيث لاحت موهبتي للمعلمين وأتاحت لي المدرسة المشاركة في مسابقة دولية نظمتها الأمم المتحدة للأطفال فزت حينها بالجايز الأولى وكانت قيمتها وقتها 200 دولار كان ذلك المبلغ يفوق الخيال لطفل في مطلع الستينيات، ومنذ تلك اللحظة أصبحت موضع تقدير في المدرسة والقرية، وبدأت ملامح مستقبلي تتضح عندما أنهيت دراستي لم يخطر ببالي شيء سوى الفن فهو الطريق الذي اختارني قبل أن أختاره
الحصاد: ما الرسالة الجوهرية التي تسعى إلى إيصالها للجمهور من خلال أعمالك الفنية وما الفكرة التي تقف خلف اختيارك لموضوعات لوحاتك؟
سليمان منصور: رسالتي كانت ولا تزال هي تأكيد الهوية الفلسطينية في مواجهة محاولات محوها. استعنت برموز مستمدة من التاريخ القديم والفن الإسلامي والتراث الشعبي وخاصة الأزياء والتطريز والمشهد الطبيعي لتكون هذه العناصر شهادة بصرية على وجودنا. كما استخدمت مواد من البيئة مثل الطين والأصباغ الطبيعية. وما زلت حتى اليوم أعمل بطين و بالألوان التقليدية، ولكن بروح معاصرة. أركز في أعمالي على قضايا تمس الناس بعمق مثل الاستيطان، ومصادرة الأراضي، السجن، الحنين والحرص الدائم على الكرامة الإنسانية في كل لوحاتي.
