في وقتٍ تفرض فيه الحرب إيقاعها القاسي، أصرّ منظمو “المهرجان اللبناني للكتاب” في الحركة الثقافية – أنطلياس (شرق بيروت) على رفع التحدي عالياً. فكان القرار حاسماً: لن يغيب عرس الكلمة مهما بلغت التحديات الأمنية والاقتصادية. أقيمت الدورة الثالثة والأربعون من قاعة دير مار الياس، برعاية رئيس الجمهورية العماد جوزف عون، كفعل صمود ثقافي ومقاومة فكرية تثبت أن لبنان لا يزال يرى في الحرف سلاحه الأقوى، وفي الثقافة جسر عبوره نحو البقاء والحرية.
المهرجان الذي امتد من 5 حتى 15 آذار 2026، استقطب مشاركة واسعة رغم الظروف، حيث فتحت عشرات دور النشر والمؤسسات الثقافية والجامعية أبواب أجنحتها للجمهور. وتنوعت المعروضات بين دور عريقة مثل “دار سائر المشرق” و”منشورات صادر”، إلى جانب أجنحة الجامعات والمراكز البحثية، مما حول المهرجان إلى مختبر للأفكار يجمع بين التاريخ، الأدب، والعلوم السياسية.
وتحدث أمين المعرض منير سلامة في الافتتاح مؤكداً “تمسك الحركة بإجراء المهرجان رغم الظروف الصعبة التي تمر على لبنان والمنطقة، وقال :”هذا المهرجان هو فعل إيمان بأهمية الكتاب في إعادة ترتيب أفكارنا وفي حفظ ذاكرة الأجيال المقبلة من التزوير في زمن تنامي السيطرة الرقمية على العقول. وهو ملاذ للمثقفين يطرحون فيه تساؤلاتهم ويرسمون آفاقا أوسع للحرية الفكرية، ويضعون حلولاً لمآزق الوطن التي أغرقنا فيها تجار السياسة والدين والوطنية، وهو أيضاً منبر لتكريم أعلام رواد ساهموا ويسهمون في النهضة العربية التي نشتاق إليها في زمن التفكك والانهيار”.
وكعادته في الوفاء لرواد الفكر، خصص المهرجان برنامجاً لتكريم نخبة من “أعلام الثقافة”، وهم شخصيات أثرت الوجدان اللبناني والعربي. شملت قائمة المكرمين لهذا العام أسماء وازنة، منها: الأب البروفيسور سليم دكاش رئيس الجامعة اليسوعية، الأديب الدكتور إميل يعقوب، والأديب والشاعر عباس بيضون تقديراً لمسيرتهم الفكرية والأدبية. بالإضافة إلى تكريم شخصيات تربوية وفنية رائدة أعطت للبنان وجهه الحضاري.
لم يكتفِ المهرجان بالعرض، بل استضاف ما يقارب الأربعين ندوة ناقشت مواضيع متنوعة منها: الأوضاع في لبنان والأزمات الإقليمية والاقتصادية والسياسية والمصيرية، إلى الإصدارات السياسية والأدبية والشعرية، وغيرها من القضايا المصيرية الراهنة. كما شهدت منصات التواقيع حركة لافتة، حيث وقع العديد من الكتّاب إصداراتهم الجديدة وسط حضور كبير من المثقفين والطلاب، مما أثبت أن الكتاب الورقي يظل في لبنان وسيلة تواصل إنسانية لا تندثر.
وعلى رغم الحرب والاعتداءات اليومية على لبنان، برهنت هذه الدورة من المهرجان أن نجاحها هو بمثابة انتصار ثقافي يسجله المنظمون في الحركة الثقافية. وكان المهرجان تعرض لانتقادات عديدة بسبب استمراره في خضم الحرب الدائرة في البلد، لكن المنظمين كان لهم رأي آخر، وهو التصدي للعنف والحروب بالثقافة والفكر والكلمة، مؤكدين أن الثقافة في لبنان ستبقى، رغم صوت المدافع، واحة للحرية والكلمة الصادقة التي لا تُهزم.
