لا يخفى على متتبع السرد العربي بأنه يشتمل على نصوص تغوي بقراءتها عبر العصور، فهو بحر ثري بالدرر، فيجد الداخل فيه نفسه أمام نصوص تمارس الإغراء، فيستسلم القارئ لسحرها والدخول في عوالمها.
ولما كانت أهمية أي أثر أدبي تُقاس بمدى قدرته على الصمود أمام الزمن، وبسعة انتشاره على الصعيد العالمي، ثم بمدى تأثيره على المجتمع وعلى الآداب الأخرى، ودرجة تفاعلها معه، فكان كتاب (ألف ليلة وليلة) أو (الليالي العربية) كما وصفها الغربيون بأنها أكثر تراثنا الأدبي قيمةً وأهمية؛ فلم يشتهر ويؤثر كتاب في العالم مثلما اشتهر وأثر هذا الكتاب.
لقد تُرجم هذا الكتاب إلى أكثر لغات العالم، واستطاع أن يصمد أمام زمن طويل، فلا تبلى جدته، وظل هذا الأثر الأدبي العجيب خلال الزمن يُلهم ويعلم، ويَظفر بإعجاب نوابغ الأدباء والفنانين في الغرب والشرق، وما نزال نلمح تأثيره في بعض نتاجهم إلى يومنا هذا.
يحتوي ألف ليلة وليلة على سفر من أسفار العرب، وحتى الآن لا يحمل اسم مؤلفها؛ لأنه نقل من موطن إلى موطن ومن ثقافة إلى أخرى في شكلها السردي.
يشتمل الكتاب على محصلة للحكايات العربية في الجزيرة العربية، ومصر، والشام، وبلاد الرافدين؛ تلك الحكايات التي لم تختلف في إطارها النثري العام عن متوارثات المحكي الشفوي القديم، الذي يشكل التراث السردي العربي منذ العصر الجاهلي؛ فهو يصور لنا المجتمع العربي في القرون الوسطى. وإن ما كنا نفتقره في كتبنا التاريخية الرصينة نجده في حكايات الليالي صورًا تصور لنا العادات والتقاليد والأزياء والأسواق والمحاكم؛ يقول (فريدريك فون درلاين): “كلما توغل الإنسان في حكايات ألف ليلة وليلة ازداد إحساسًا بأنفاس الروح العربية، فالطبيعة العربية تأسرنا حينئذٍ إلى درجة أننا نستسلم إليها راغبين بها وحدها عن طواعية، فهي صورة واضحة للحياة العربية”
الليالي العربية موروث ثقافي عربي:
تحظى قصص ألف ليلة وليلة بأهمية كبيرة؛ لكونها مجمعًا ثريًا لما ترسب في الذات العربية من موروث ثقافي عربي، وما انصهر في وجدانها من محكيات شفهية، وأخبار عن الشعوب والأفراد والأمم، وما غزاها من قيم إسلامية جعلت هذا النص يتحول إلى صرحٍ حضاري قوامه اللغة؛ فيعمل على التأسيس الثقافي لأنماط السلوك العربي بمتانة وبجرأة، وتكمن أهمية النص الحكائي بأنه تعبير عن الثقافة السائدة في المجتمع العربي، حيث تجمع الحكايات الشعبية: بين السلطة والبطولة وبين الشجاعة ومعرفة الأسرار واكتشاف المجهول، فتحمل في طياتها معاناةً بشرية حقيقية، وأحيانًا خيالية، وعقباتٍ تفرضها قوى سحرية متمثلة بالعفاريت والسحر الأسود، ونموذجًا فكريًّا إنسانيًّا شاملًا يحمل طموحًا إنسانيًّا تعمل شهرزاد على إبرازه في حلية جمالية منمقة.
غواية الحكي وتلقي العجيب:
جاءت الراوية الأنثى شهرزاد، إذ تعاملت مع قضايا الحب والجنس تعاملًا طبيعيًا وإنسانيًا، فكانت إبستيمولوجيا نص الليالي تطرح قضية المعرفة، وما يخبئه هذا النص من سحر وعبرة وتأثير يفتح الحكي للخيال والغرائب والعجائب، فتفتتن به القلوب والعقول؛ يتجلى ذلك من خلال ما تخفيه من رمزية المعرفة وسحرها، والتي تحول شهرزاد إلى نمط من الأنماط العتيقة المجسدة لحضورها، فتتحول شخصيات القصص إلى تجليات لها؛ لكن يبقى التساؤل المطروح: ما الذي فعلته شهرزاد؟ هل مارست سحر الحكي واقترفت فعل القص لكن حكي ماذا؟ والقص عن أي شيء؟ مما لا شك فيه أن شهرزاد صانعة المعرفة التي تقود من يقترب منها إلى قارات مجهولة من المعرفة اللامحدودة؛ نرى من صنوف البشر والحيوان ما لا عينٌ رأت، ولا أُذُنٌ سمعت، ونشهد من المغزى ما يستحق أن يكتب على آماق البصر؛ ليكون عبرة لمن اعتبر ومن لا يعتبر؛ فينتقل بالقارئ من حالة اللامعرفة إلى المعرفة من الوعي التجريبي إلى الوعي الواعد، ومن خشونة الحس إلى رهافة الشعور وشفافية النزعات؛ كما ينقلنا إلى أمكنة وشخوص ووقائع في عالم مليء بالحكايات والحوادث العجيبة، والقصص الممتعة والمغامرات الغريبة، والحكايات الخرافية والشعبية، وأخرى على لسان الحيوان، وحكايات عن أسفار البحار، ووقائع متشابكة وشخوص آدمية، وأخرى من عالم الجن والعفاريت؛ تعود النفس منها مفتونةً بجمال الحكي وغوايته، الأمر الذي يجعل النص السردي يعتمد على تراثٍ زاخر بالمعلومات العابقة بالعذوبة والتخييل.
استطاعت شهرزاد بفطنتها أن تصنع لنفسها حضورًا باهرًا في وسط مجتمع ذكوري لا يعترف بعبقرية الأنثى وقدرتها على الإبداع؛ فبهرت الملك شهريار المتلقي عن طريق دهشة الحكي، فجعلته أسيرًا للحكي، مسحورًا بقصصه وطرائفه، واستطاعت أن تنقله إلى عالم واقعي وعجائبي وغرائبي تزداد معه متعةُ الحكي.
خلال الليالي استطاعت شهرزاد العودة للماضي لإثباتِ الذات العربية وَفْقًا لمقومات الأمة، وهو الدليل على نشاط الفكر وحركة الإبداع الإنساني.
لقد كانت القصص بمنزلة الأداء التمثيلي الذي نشّطَ الحسَّ الجمالي في شهريار، مما جعل نص الليالي نصًّا تراثيًّا ملهمًا بما يحمله من منفعة وفنتازيا ودهشة خارقة، وإمكانيات واقعية، ورمزية للكائن والممكن ضمن دائرة الاحتمالات السردية؛ هنا وظفت شهرزاد الحكي كإستراتيجيةٍ لمواجهة القتل، وهذا البعد الخطابي للحكي هو ما أسميه ما وراء الحكاية، فقالت له: “هذا مما أحدثكم به الليلة المقبلة إن عشت وأبقاني الملك. فقال الملك في نفسه: والله لا أقتلها حتى أسمع بقية حديثها؛ لأنه حديث عصيب.. “إذن يمتلك المسرود والحكي القدرة على الحياة؛ لذلك تتساوى سلطة القص مع سلطة الحياة؛ لأنها تنشأ عن وعيٍ فردي وجمعي، وتنقل عبر كل ما يمكنه أن يكونَ صورةً للحياة الحقيقية للإنسان، بكل ما تحمله من رسائل وأخبار؛ لتكون مادةً أولية لتفاعلِ الراوي والمتلقي، وفي حالة تواصل أسوةً بنمطِ الحياة الواقعية وتقنية الحكي، التي صنعت التحول، وجذبت شهريار من خلال أفق الانتظار، وعملت على تكريس المعايير الجمالية؛ فإن المتلقي لغوايةِ الحكي لا يمكنه أن يتملصَ من الحكي وسحره، فتجده يتفاعلُ مع الحكاياتِ وشخوصها، فتمتلكه الحيرة والدهشة أمام عوالم الحكايات.
هنا نجد شهرزاد استبدلت فعل القتل الذي يقوم به شهريار بفعل السرد الذي تقوم به شهرزاد، فنجحت شهرزاد في تعديل سلوك الملك، وتصحيح موقفه من فعل الخيانة التي تعرض لها.
من الجلي بأنَّ دور شهرزاد في الحكي لا يختلف عن دور الطبيب النفسي الذي يعالج المرضى من العقد النفسية.
ألف ليلة وليلة وأثره البالغ في الاستشراق:
دخلت ألف ليلة وليلة بلاد الغرب في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر على يد المستشرق الفرنسي (أنطوان جالان). اعتبر الغربيون الكتاب إنجازًا أدبيًا ضخمًا باهرًا ومحيرًا، فترجمه (إدور وليم لين (1838-1840 ثم (جون باين) وأخيرًا في عام 1885 ترجمه (تشربرتن)، ومن اليابان ترجم في القرن التاسع عشر مرتين، ثم ترجم إلى الإسبانية والألمانية والبرتغالية والرومانية والدنماركية، واليونانية والروسية، وغيرها.
تأثر السرد القصصي الفرنسي كثيرًا بحكاياتِ ألف ليلية وليلة، وتضاعف إقبالُ الكتابِ والأدباء وعامة الناس عليه، فسهروا الليالي متتبعين أحداثه وطرائفه، ونلحظ أن القارئ الفرنسي وجد متنفساً جديدًا جعله يسبح في عوالم ساحرة، بل امتد سحرها إلى أكبر الكتاب والأدباء الذين عبّروا عن تأثرهم بجمالية الحكي الشهرزادي، وظهر ذلك في أعمالهم الروائية والشعرية والمسرحية والموسيقية. إذ جاء الكاتب الكولومبي (جارسيا ماركيز)؛ ليؤكد في مذكراته التي نشرت بعنوان (عشت لأروي) يقول: “كتاب ألف ليلة وليلة وقراءته التي صنعت مني أديبًا” وهذا يدل على الدهشة الجمالية التي أحدثتها هذه الحكايات.
بدأ فولتير كتابةَ القصصِ متأثرًا بألفِ ليلةٍ وليلة، وظل يستوحي من حكاياتها والصور الرائعة، والمضامين الإنسانية؛ وقد اقتبس منها الإنجليزي شكسبير مسرحيته العبرة بالنهاية، والكاتب الألماني إفرايم ليسينغ في مسرحيته نافان الحكيم، وأيضا الأيام العشرة للإيطالي بويكاشيو، وقصيدة ويلز ويرث، وقصيدة ألفريد تين سون، استوحى أسرارها الساحرة من قراءته لألف ليلة وليلة.
ولسنا نبالغ إذا قلنا إنَّ هذا الكتاب التراث العالمي القديم كان الحافزَ الأهمَّ لعنايةِ الغربِ بالشرق عنايةً تتعدى النواحي الاستعمارية والتجارية والسياسية؛ بل لسنا نبالغ إذا أرجعنا كثيرًا من حركة الاستشراق وانتشارها إلى ما ترك هذا الأثر في نفوس الغربيين.
حكايات الليالي هي قصة القصص:
إن النص السردي في ألف ليلة وليلة يمتلك إبداعًا وتفردًا على مستوى الشكل والمضمون، فيبتكر النص نهجًا بديعًا في التعامل مع المختلق الخيالي واللامعقول، وبذلك يمنحه المصداقية مواهمة لا مصداقية حقيقية.
يعدّ الكتاب مهدًا لما بعده من النصوص السردية، إذ كانت هي قصة القصص في التراث الشعبي العربي جمع حكايات الصراع بين الخير والشر، الحب والكراهية، الكرم والبخل، وغيرها من المشاعر الإنسانية الجميلة والذميمة، ومن أهمها قصص عن الحب الذي يمثل قضية القضايا وموضوعها الأثير في هذه الليالي العربية، التي ملأت الدنيا وشغلت الناس قرونًا متطاولة عربيًا وعالميًا.
وفي هذا الإطار نجد هنا الحب بعلاقاته الاجتماعية والدينية محور الليالي، التي تكشف عن أهم أنماط العلاقات العاطفية بين الجنسين في جراءة متناهية، وبساطة متناهية كذلك، بلغة تستند في صياغتها الشعبية إلى قاعدة دينية، حيث لا تجد في اللفظ الجنسي الصريح حرمة، وتستند في مضامينها إلى واقع عربي قاهر.
الليالي ديوان المرأة العربية المقهورة:
لا غرو في أن تكون الليالي ديوان المرأة العربية المقهورة عبر العصور في مجتمع بطريركي، حيث كانت المرأة طرفًا حاضرًا فيها. لقد حارب المرأة حربًا ضروسًا لا هوداة فيها ولا رفق، فظلت المرأة قرونًا عديدة تنوء تحت عبءِ ما حمّلها هذا الكتابُ من آثامٍ وجرائم؛ فمن سوء حظ المرأة أن الكتاب شائق الأسلوب، فكان يجذب العامة ببساطته وصراحته، وبما فيه من غرائب وعجائب؛ فكانت حكاياته تواكب الطفل منذ تفتحه حتى شيخوختِه، كانت تقصها عليه أمه أو جدته قبل أن ينام، وهي تدرك ما ترسم في ذهنه من صور بشعة لبنات جنسها، فإذا كبر الطفل قليلًا سمع هذه الحكايات تتداولها السوامر في السهرات، فإذا خرج إلى المقاهي سمع القصاصين (الحكواتية) يقصونها على جماهيرهم، وقلما تخلو حكاية من حكاياتها من الطعن بالمرأة، فترسخ في ذهن الطفل من وراء الشعور صورة مخيفة للمرأة.
غير أن العلم الصحيح وحده حرر المرأة مما وصمها به مؤلفو الليالي؛ فحين تثقف الرجل ثقافة واعية أدرك أن المجتمع لا ينهض إلا بتثقيفِ المرأة، فراح المصلحون يكافحون ليزيلوا من الأذهان ما علق عنها طَوالَ قرونٍ عديدة من أضاليل وأكاذيب بحق المرأة لا يقرها خُلٌقٌ ولا دين.
