ظاهرة التشفِّي والشماتة والـ «أضحكني»:
في وقت نفت فيه الحكومة الانتقاليَّة في سوريا وجود استهداف ممنهج لخطف النساء العَلويَّات، مؤكِّدة أنَّه لم تثبت سوى حالة خطف واحدة. وثَّق تحقيق عن مختطفات عَلويَّات أجرته صحيفة نيويورك تايمز (3 أبريل 2026)، ثلاث عشرة حالة خطف لنساء وقاصرات عَلويَّات، إلى جانب رجل وفتى. وأفادت فيه خمس من الضحايا بتعرُّضهنَّ لاعتداءات جنسيَّة. ونتج عن حالات الاغتصاب تلك حالتا حمل، إحداهما لفتاة قاصر تبلغ ستَّة عشر عامًا.
خَلُص التحقيق إلى أنَّ عمليات الخطف أكثر انتشارًا ممَّا أعلنت عنه السلطات، وغالبًا ما تتَّسم بدرجات عالية من العنف. بينما نعرف خير معرفة أنَّ العدد يفوق بأضعاف ذاك الوارد في التحقيق، وأنَّ التوثيق سيبقى محدودًا حتَّى وإن أُجريت تحقيقات مشابهة، بسبب خوف الضحايا وعائلاتهم من التحدُّث.
وفي هذا الاستطلاع لا نهدف إلى تسليط الضوء على تحقيق نيويورك تايمز، على أهميَّته. ولا على ظاهرة خطف العَلويَّات ببرود، على وحشيَّتها. ولا حتَّى على النكران الرسمي للسلطة الانتقاليَّة، على شناعته. وإنَّما على ظاهرة تجتاح السوشال ميديا: ظاهرة التشفِّي والشماتة والـ «أضحكني».
وعلى الرغم من أنَّ ظاهرة الـ «أضحكني» تحديدًا، تكاثرت كالسرطان بفعل البروفايلات الوهميَّة الموجَّهة المعروفة بـ «الذباب الإلكتروني»، فإنَّنا نتحدَّث هُنا عن بروفايلات حقيقيَّة، وتحديدًا تلك العائدة لنساء. فما أن تناقلت صفحات الفايسبوك التقرير الآنف الذكر، حتَّى انهالت مئات التفاعلات بـ «أضحكني»، ومئات التعليقات المليئة بالشماتة والتشفِّي. ومن الطبيعي طرح تساؤلات، تحديدًا حول البروفايلات الحقيقيَّة العائدة لنساء:
ما الذي يدفع أنثى إلى أن تسخر وتُهين لفظيًّا مَن تعرَّضت للخطف والاغتصاب والتعنيف الجسدي؟ هل يكفي أن تنتمي مراهقة (ابنة الستَّة عشر عامًا) أو أيَّة امرأة إلى طائفة معيَّنة حتَّى تقع عليها أحكام مُسبَقة فيُعاد بذلك اغتصابها نفسيًّا؟ أم يجب التعاطف مع تلك النماذج، كونهنَّ ضحايا تربية بيئات متطرِّفة ووحشيَّة تستبيح الآخر المختلف؟ وإن برَّرنا للنسوة الجاهلات ضحايا البيئات السلفيَّة، فما الذي يدفع بامرأة تدَّعي الثقافة والانتماء إلى الثورة وشعارات الحريَّة للتشفِّي من فتيات قاصرات أو حتَّى نساء بالغات لا ذنب لهنَّ سوى انتمائهنَّ لطائفة بعينها؟ وكيف يمكن للمرأة أن تكون عدوَّة المرأة في مجتمع ذكوريٍّ هو أساسًا يختزلها ويُشيِّئُها؟
هنادي زرقه/شاعرة وكاتبة
يشكل طرح هذه الأسئلة إهانة كبيرة بحقِّ النساء. اعتقدت، لزمن طويل أنَّه يجب على النساء أن يساندن بعضهنَّ الآخر، بيد أنَّ ما شهدته سوريا من عنف منذ 2011 ولغاية اليوم، يضعنا أمام تساؤل كبير: إلى أيِّ مدى انحدرت القيم الإنسانيَّة في مجتمعنا؟ وهُنا لا أتحدَّث عن النسويَّة، بل عن التعاطف الإنساني.
أظن أنَّ السخرية التي ترتكبها بعض النساء هي نوع من الشماتة. الشماتة بإذلال الجماعة الطائفيَّة التي تنتمي إليها الضحيَّة، وكأنَّ انتماءها إلى طائفة أخرى يجعل التعرُّض لها أمرًا مثيرًا للسخرية والشماتة، ليس إذلال طائفة الضحيَّة وحسب، بل تشويه سمعة جماعة بشريَّة بأكملها.
كما أعزوها إلى خوف مبطَّن عند الساخرات. خوف أن يصيبها الخطف والاغتصاب، فتحاول أن تتهكَّم وكأنَّها بذلك تبعد شبح الخطف عنها. بمعنى ما، هي آليات دفاع نفسيٍّ: «هذا لن يحدث لي». كما أنَّ بعض النساء ذكوريَّات بطبعهنَّ، ولا يجدن غضاضة في إذلال امرأة أخرى، ولا يقتنعن بأنَّ الخطف والاغتصاب هو فعل عنفيٌّ، بل يسارعن إلى لوم الضحيَّة (ليست محتشمة، خرجت من بيئة معتادة على مثل هذه التصرفات… إلخ).
الأخطر من ذلك، كما يبدو لي، أنَّ بعض النساء السوريَّات قد اعتدن التطبيع مع العنف السائد، ويعتقدن أنَّ الوقوف مع الجاني القوي يجعلهنَّ في منأى عن الخطف والاغتصاب.
في النهاية، أظنُّ أنَّ جميع هذه الأسباب تندرج تحت فكرة الاضطراب النفسيِّ. لكن بعض النساء، وأخصُّ العاملات في حقل الكتابة، موقفهنَّ من الخطف والاغتصاب موقف انتهازيٌّ لن يلبث أن ينعكس سلبًا على حياتهنَّ.
سوزان علي/شاعرة ومخرجة مسرحيَّة
تكشف الشماتة، التي لم تتوقَّف عند الاغتصاب وما تعرَّضت له النساء العَلويَّات منذ بداية السقوط حتَّى اليوم، عن ديناميَّة «نزع الإنسانيَّة» عندما تُختزل الضحيَّة إلى شيء أو محض انتماء خطِّيٍّ هُويَّاتيٍّ أو طائفيٍّ.
أتخيَّل أحيانًا النساء المختطفات المغتصبات، سواء العائدات منهنَّ أو مجهولات المصير، محض بطاقات بلاستيكيَّة تعرض: أسمائهنَّ، قراهنَّ، عمرهنَّ. بينما يتناسى الحكم الأخلاقيُّ هذه البطاقة لصالح سرديَّة جماعيَّة بدائيَّة عشوائيَّة، تمثِّل حرفيًّا زبدة القتل والذبح والفقر والجوع والحرب في بلد منهك مثل سوريا.
المرأة التي يعوَّل عليها في قيادة البلاد الميِّتة وإعمارها -ما حدث في بلدان عديدة، نهضت بعد الحرب على يد نساء، كالنساء الألمانيَّات- تنقلب إلى أداة لإعادة إنتاج القسوة. والشماتة هنا لا تُمارس من مبدأ القوَّة كما نظنُّ، بل من صلب هشاشة وجوديَّة عميقة قائمة على الخوف من الاعتراف بأنَّ أجسادنا كنسوة واحدة، في ألمها وحزنها وفرحها؛ وبأنَّ الحدود التي ترسمها الشماتة بيني كضحيَّة وبينهنَّ أرقُّ مما نتصوَّر. إنَّهنَّ حرفيًّا عاجزات عن احتمال حقيقة أنَّ: الألم حين يقع لا يختار هويَّة له.
وأتعاطف بالطبع مع الشامتات -كتعاطفي مع المغتصبات- لأنَّ المرأة هُنا تستبطن دونيَّة مخيفة، تدفعها لاضطهاد ذاتها، والتصفيق للجلَّاد، ومساعدته في إكمال مهمَّته في قمعها. الشامتات، كالمغتصبات، يحتجن إلى تأهيل نفسيٍّ مع مختصِّين، كي لا تصبح الشماتة إرثَ الشامتة لطفلتها.
تقول توني موريسون: «أصعب الأعداء أولئك الذين يشبهوننا». وللأسف، تفوَّقت كثير من النساء المثقَّفات «القدوة»، ممَّن ادَّعين الثورة والحريَّة والعدالة، بانتمائهنَّ القبليِّ الطائفيِّ، معتبرات الضحيَّة رمزًا للعدوِّ
وليست إنسانًا مُنتهكًا. ما يؤكِّد أنَّ المرأة التي ترَّبت في بيئات متطرِّفة تستبيح الآخر المختلف، لم تنجُ على الرغم من كلِّ ثقافتها من استبطان دونيَّتها الخاصَّة.
منى مهدية فريج/ناشطة ومدافعة عن حقوق الإنسان
مؤلمة هي الشماتة والسخرية من جريمة كاغتصاب امرأة أو خطفها، كما هو مؤلم تبرير قتل أو خطف أيِّ إنسان. الأكثر صدمة من فعل الخطف أو الاغتصاب بذاته، هو محاولات تبريره من أشخاص يُفترض أنَّهم ناضلوا يومًا من أجل الحريَّة والكرامة.
لا مبرِّر للشماتة أو السخرية أو التفاعل بـ «أضحكني» مع منشور يوثِّق انتهاكًا أو يروي معاناة ضحايا. وليس الجهل بعذر لذلك، لأنَّ المسألة هُنا ليست نقص معرفة بل غياب القيم. فحين يصبح الألم مادَّة للسخرية، فهذا يعني أنَّ العنف لم يعد يُدان، بل يُعاد إنتاجه بشكل جديد أخطر مبرَّر ومقبول اجتماعيًّا. والأكثر إيلامًا هو تبرير البعض لما يحدث بأنَّه نتيجة طبيعية لظلم سابق من الطائفة العَلويَّة، وكأنَّ هذا التبرير يمنح شرعيَّة لاستباحة طائفة بأكملها وتحميلها ذنبًا جماعيًّا. منطقٌ يكرِّس دورة عنف لا تنتهي، تتبدَّل فيها الأدوار بين الضحيَّة والجلَّاد.
وما يزيد من قسوة المشهد، هو تبرير بعض النساء اللَّواتي عملن لسنوات في مناهضة العنف، تبريرٌ لا يمكن فهمه إلَّا كتنازل عن قيم دافعن عنها يومًا. وهذا كلُّه لا يعيد إنتاج الظلم فحسب، بل يعيد إنتاجه بوجه طائفة جديدة، ويفتح الباب لإغلاق ملفِّ العدالة بشكل كامل.
رهام عيسى/كاتبة وقاصَّة
لم تعد مظاهر الشماتة التي تكتسح العالم الافتراضيِّ اليوم، على قسوتها، حدثًا مفاجئًا. بل يمكن قراءتها كامتداد لسنوات من الصراع والعنف والانقسام، التي لم تترك أثرها على البنية السياسيَّة والاجتماعيَّة فحسب، بل أعادت تشكيل الحسِّ الأخلاقيِّ ذاته لدى كثيرين، بما في ذلك القدرة على التعاطف. فحتَّى في التعامل مع القضايا التي تبدو إنسانيَّة بحتة -كالتعامل مع ضحايا العنف أو الاغتصاب مثلًا- نجد هذه الخلفيات تظهر بوضوح لدى أفراد لم يكونوا فاعلين حتَّى في مجريات الصراع، لكنَّهم تبنُّوا سرديَّات تستند لأساس طائفيٍّ وتفترض أنَّ الآخر عدوٌّ.
يعاد بهذه الطريقة تعريف الضحيَّة لا كإنسان، بل كامتداد لهويَّة جماعيَّة أو دينيَّة مُعادية، ما يجعل الألم نفسه مادَّة للتشفِّي، لا سببًا للتعاطف.
أمَّا تخصيص السؤال للنساء، انطلاقًا من مفارقة «كيف تسخر امرأة من معاناة امرأة أخرى»، فهو يفترض ضمنيًّا صورة نمطيَّة عن النساء بوصفهنَّ مصدرًا فطريًّا للحنان أو التعاطف. وهذه فرضيَّة إشكاليَّة بذاتها. فالنساء لسن خارج تأثير السياقات السياسيَّة والاجتماعيَّة، ولا يتمتَّعن بحصانة أخلاقيَّة تلقائيَّة. وإظهار الشماتة أو التعنيف ليس نفيًا لأنوثة مُفترضة، بل هو ببساطة تعبير عن اندماج في بيئة مشحونة بالكراهية والاستقطاب. وإذا رأينا أنماطًا أعلى من التعاطف عند بعض النساء، فهي نتاج تربية وتجارب وسياقات محدَّدة، لا خاصِّيَّة جوهريَّة ثابتة.
حلا عليّ/كاتبة ومترجمة
على الرغم من أنَّ متلازمة ملكات النحل هو اصطلاح اعتمدته جامعة ميتشيغان عام 1973، لوصف فوقيَّة واضطهاد النساء الناجحات أو القياديِّات تجاه مرؤوساتهنَّ من النساء الأقل حظوة أو الأصغر سنًّا، لا سيَّما في المجتمعات الذكوريَّة؛ إلَّا أنَّ الاصطلاح ينسحب على جميع حالات اضطهاد المرأة لغيرها من النساء، أو تنمُّرها عليهنَّ تماهيًا مع الخطاب الذكوريِّ السائد، وخصوصًا في مجتمعات ما بعد الحرب، حيث تصبح النساء الحلقة الأضعف في سلسلة الاستبداد.
وفي حالة اختطاف العَلويَّات، تنبري النساء الأفضل حالًا، أو المنتميات إلى مجتمعات أو طوائف تعتقد أنَّها في مأمن من الاختطاف أو استباحة الجسد، للتماهي مع موقف السلطة المتطرِّفة الذكوريَّة الاستبداديَّة، كي تكون في كفَّة الأقوى، معتقدة بذلك أنَّها تحقِّق الاعتراف بقوَّتها من خلاله.
وسام الخطيب/قاصَّة
لفهم ظاهرةَ التشفِّي والسخرية عند بعض النساء -على اختلاف طبقاتهنَّ الاجتماعيَّة- من اغتصاب العَلويَّات، علينا الرجوع إلى البُنى الاجتماعيَّة والفكريَّة لمجتمعاتنا القائمة على لوم المرأة، وإلصاق العار بها في حال تعرُّضها للعنف بمختلف أشكاله. فهي المُذنبة دومًا، حتَّى عندما تتعرَّض للتحرُّش والاغتصاب والاعتداء الجسديِّ؛ مع أنَّ العار -بديهيًّا- على من يفعله. ومن هُنا تُستخدَم هذه البُنى كغطاء لانتهاكات شنيعة أكبر في حقِّ العَلويَّات: كالخطف والاغتصاب على أساس دينيٍّ طائفيٍّ، وطمس الحقائق، وإسكات أصوات العَلويَّات، ومنعهنَّ من التعبير عن تجاربهنَّ المروِّعة.
ومن جانب آخر، مثلما هناك عنفٌ على أرض الواقع ضدَّ النساء، هناك طبقات من العنف الإلكترونيِّ ضدهنَّ. ويعتبر «جهاد الضحك» الظاهرة الفاقعة حاليًّا كمثال على هذا العنف الإلكترونيِّ. لكن ما زلنا نفتقد إلى التوعية بهذا الشأن، وإلى تسمية الأمور بمسمَّياتها، ووصفها، وتفنيدها، ومن ثمَّ إيجاد الحلول القائمة على الوعي والمراجعة الذاتيَّة، عند مَن تُمارسن هذا العنف ضدَّ غيرهنَّ من النساء. كما نفتقد إلى القوانين الرادعة التي تحدُّ من انتشار ظاهرة الشماتة، وتقوِّضها.
وبرأيي، تعود دوافع بعض النساء للمشاركة في هذا السلوك، إلى كونهنَّ مُشبَعات بهذا الخطاب الأبويِّ، ومتبنِّيات له، بشكل واع أو غير واع. ولا توجد حتمًا أيَّة مبرِّرات يمكن أن تُبرِّر سلوكهن أو تُعقلنه. وما يجب العمل عليه هو خلق سرديَّات مضادَّة، بصوت أعلى وانتشار أوسع، لمحاولة الحدِّ ممَّا يجري.
