شكوى البيئة في زمن الحروب… قراءة شعرية متعددة الأصوات

كانت البيئة وما تزال حاضرة كموضوع جميل وخيالي تُستدعى في كثير من الأحيان لتأدية دورٍ بلاغي أو رمزي في خدمة الغرض الشعري لدى الشاعر العربي، سواء في الغزل أو الرثاء أو التأمل الوجداني. لكن ما نَدُرَ رؤيته هو أن تتحوّل البيئة نفسها إلى متكلّم يحاكي القارئ بصوته الخاص؛ صوت ينبع من داخل الطبيعة نفسها، وليس من لسان الشاعر؛ حيث يتحول الماء والسماء والشجر والحجر وكلُّ ما في الطبيعة الى كائنات ناطقة تعبّر عن تجربتها الذاتية. فتتحول طبيعة الشعر العربي الى مرآة للحياة الإنسانية؛ فتضحى العلاقة بين الإنسان والبيئة أكبر من كونها مجرد وصف تجميلي، فهي تحمل دوافع وجدانية وفلسفية، تجعل من الطبيعة جزءًا من الذات الإنسانية، أو أحيانًا كأنها ذات متكلمة وموجودة بذاتها.

ففي الشعر العربي، غالبًا ما يتم تصوير الماء كعنصر يفيض بالحياة والجمال. لكن حين نجعله يبوح بما يراه، يتحوّل إلى صوتٍ ذي حضورٍ. فهذا أمير الشعراء أحمد شوقي يقول:

قِف بِهَذا البَحرِ وَاُنظُر ما غَمَر

مَظهَرَ الشَمسِ وَإِقبالَ القَمَر

وَاَعرِضِ المَوجَ مَلِيّاً هَل تَرى

غَمرَةً أَودَت بِخَوّاصِ الغُمَر

أَخَذَت ناحِيَةَ الحَقِّ بِهِ

وَسَبيلَ الناسِ في خالي العُصُر

فهو لا يصف الماء فحسب، بل يجعل نداء الماء ورؤيته يتجلَّيان أمام المتلقّي كأن الماء نفسه يتكلّم عن حاله وموجاته.

وهذا الشاعر العباسي البحتري في وصف البركة الحسناء يقول :

كَأَنَّما الفِضَّةُ البَيضاءُ سائِلَةً

مِنَ السَبائِكِ تَجري في مَجاريها

إِذا عَلَتها الصَبا أَبدَت لَها حُبُكاً

مِثلَ الجَواشِنِ مَصقولاً حَواشيها

فَرَونَقُ الشَمسِ أَحياناً يُضاحِكُها

وَرَيِّقُ الغَيثِ أَحياناً يُباكيها

إِذا النُجومُ تَراءَت في جَوانِبُها

لَيلاً حَسِبتَ سَماءً رُكِّبَت فيها

لا يَبلُغُ السَمَكُ المَحصورُ غايَتَها

لِبُعدِ ما بَينَ قاصيها وَدانيها

يَعُمنَ فيها بِأَوساطٍ مُجَنَّحَةٍ

كَالطَيرِ تَنفُضُ في جَوٍّ خَوافيها

هذه الأبيات تجعل الطبيعة في موضعِ متكلمٍ يروي حوارَه مع الضوء والليل والماء، وكأن المشهد الطبيعي ينطق عن نفسه بما يراه ويشعر به.

أما ابن زيدون في نونيته فينطوي نصه على تجارب وجدانية مرتبطة بالبيئة، حتى حين يتحدّث عن الليل والفجر فيوظّف عناصر الطبيعة في حواره. رغم أن القصيدة ليست مخصّصة عن البيئة المباشرة، إلا أن الطبيعة تُستحضَر كمنسِّق لحالة الشوق والحنين فيقول:

حالت لفقدكم أيامنا فَغَدَتْ

سُودًا وكانت بكم بيضًا ليالينا

إذ جانب العيش طَلْقٌ من تألُّفنا

وموردُ اللهو صافٍ من تصافينا

ومن المهم أن نذكر أن عناصر الطبيعة في تاريخ الشعر العربي الطويل تردّدت في النصوص كموضوعاتٍ وصور جمالية. ولكن في سياق النزاعات والحروب، لم يعد هدف الشعر وصف الطبيعة وحده، بل إضفاء صوتٍ عليها يبوح بما حلّ بها من أثر الحرب والدمار والبصمة الإنسانية على الأرض والماء والسماء وكأن البيئة نفسها تقول كلمتها.

لقد كان التصوير البيئي جزءًا أصيلًا من الموروث الشعري، لكنه غالبًا ما كان مرتبطًا بالحب والفراق والفخر والبطولة وغيرها من المعاني. إلّا أن الحرب كقوة مدمِّرة  أجّجت هذا التصوير ودفعت الشعراء إلى تقديم إصدارات بيئية مليئة بالوجع والاسترجاع والمقاومة، بحيث تكون الطبيعة بوصفها متكلّمة عن نفسها، شاهدة على العبث البشري.

ففي الشعر الجاهلي، المرتبط بالحروب القبلية والمعارك، ظهرت الطبيعة في كثير من الأحيان كخلفية رمزية تُبرز شراسة المشهد الحربي.

فهذا عنترة بن شداد، الذي لم يُستودع أسلوب الطبيعة كـ«متكلّم» بشكل مجازي كامل يستعمل صورة الطبيعة المرتبطة بالساحة الحربية وينيب الخيل في جواب سائليه عن الحرب وشدّتها فيقول:

هَلّا سَأَلتِ الخَيلَ يا اِبنَةَ مالِكٍ

إِن كُنتِ جاهِلَةً بِما لَم تَعلَمي

إِذ لا أَزالُ عَلى رِحالَةِ سابِحٍ

نَهدٍ تَعاوَرُهُ الكُماةُ مُكَلَّمِ

طَوراً يُجَرَّدُ لِلطِعانِ وَتارَةً

يَأوي إِلى حَصدِ القَسِيِّ عَرَمرَمِ

يُخبِركِ مَن شَهِدَ الوَقيعَةَ أَنَّني

أَغشى الوَغى وَأَعِفُّ عِندَ المَغنَمِ

فهو يستدعي الخيل والوغى كأجزاء من الطبيعة التي تعايش الوجدان الحربي؛ فتبدو البيئة كصوتٍ محايدٍ يروي ما يحدث في ميدان الحرب.

فقد كانت البيئة ترتبط بمعاني القوة والصراع والبناء البدوي، لكن النصوص الشعرية المتعددة تكشف قدرة الطبيعة على أن تكون مرآةً صامتة ومتأثرة بما يحدث من نزاعات.

وفي العصر العباسي، لم تعد الحرب فقط نشاطًا قبليًا أو عسكريًا، بل أصبحت جزءًا من حياة الدولة والنظام، مما انعكس في النصوص الشعرية، سواء في حكايات البطولة أو في التأمل في آثارها.

فهذا المتنبي رغم أن شعره ليس مخصّصًا لوصف الطبيعة المتكلِّمة في زمن الحرب استخدم الطبيعة كثيرًا لوصف تصادم القوى والكرامة الإنسانية فيقول:

ألخَيْـلُ وَاللّيْـلُ وَالبَيْـداءُ تَعرِفُنـي

وَالسّيفُ وَالرّمحُ والقرْطاسُ وَالقَلَـمُ

صَحِبْتُ فِي الفَلَواتِ الوَحشَ منفَـرِداً

حتى تَعَجّبَ منـي القُـورُ وَالأكَـمُ
فهو يعبر عن ارتباط عناصر الطبيعة والحرب بهوية الشاعر نفسه، بحيث تصبح البيئة والشهادة الحربية جزءًا لا يتجزّأ من وجوده، وهو ما يمكن تأويله في القراءة البيئية كأن الطبيعة تقول: أنا شاهدة على صولات الفارس واندفاعاته.

ومن الجدير بالذكر ان الشعر العربي المعاصر والحديث قد تأججت فيه صورة الطبيعة غاضبة ومزمجرة وبادٍ عليها صفات الحنق والأسى والحزن والألم جراء ما حل بها بسبب الحروب والظلم والفساد والتطاول. ومن أبرز الشعراء الذين نجحوا في إضفاء صوت بيئي متكلّم حقيقي على عناصر الطبيعة في سياق النزاع هو محمود درويش الذي عاش تجربة الاحتلال والنزاع، فجعل في نصوصه الأرض والماء وكأنهما يتحدثان عن آلامهما:

علَى هَذِهِ الأَرْض مَا يَسْتَحِقُّ الحَياةْ

 تَرَدُّدُ إبريلَ

رَائِحَةُ الخُبْزِ فِي الفجْرِ..

آراءُ امْرأَةٍ فِي الرِّجالِ

 كِتَابَاتُ أَسْخِيْلِيوس..

أوَّلُ الحُبِّ..

عشبٌ عَلَى حجرٍ..

أُمَّهاتٌ تَقِفْنَ عَلَى خَيْطِ نايٍ..

وخوفُ الغُزَاةِ مِنَ الذِّكْرياتْ.

فهذه الأبيات تَصِف الأرض ليس بوصفٍ جميلٍ عابرٍ، بل بوصفٍ يعلن وجود الأرض نفسه رغم الدمار والخطر؛ كأن الأرض تقول بحاضرها: أنا باقية حتى مع أشواك الحرب.

وفي قصيدة أخرى يذكر درويش الماء بصورة مؤلمة فيقول:

كان نهرٌ هنا

وله ضفّتان

وأُمٌّ سماويَّةٌ أرضَعَتْهُ السحابَ المُقَطَّرَ

نهرٌ صغيرٌ يسير على مهله

نازلاً من أعالي الجبال

يزور القرى والخيام كضيف لطيف خفيف

ويحمل للغَوْر أشجارَ دُفلى ونخل

ويضحك للساهرين على ضفتيه:

اشربوا لَبَنَ الغيمِ

واسقوا الخيول

وطيروا إلى القدس والشام

فهنا ماء الحياة نفسه يبوح بالجفاف والحرمان بفعل تفشّي الحرب، كأن الطبيعة تقول: أنا لم أعد ما كنت، بل أتألم من الجفاف والاقتتال.

إلا ان الشاعر محمد ولد الطالب في نصوصه عن الحرب يخلط بين الطبيعة والنزاع بطابع سياسي ووجداني، فيقول ضمن أبيات تعبّر عن الصمود تحت صفّ السماء المتشظّية بالرصاص:

من كلِّ فَجٍّ ترقب الفجرَ طالعاً

وعن نظراتِ القدس قد حُجِبَ الفجرُ

ودجلةُ ترنو للفراتِ كئيبةً

وقد اقتسما حزنا وماؤهما مُرُّ

وتلك مياهُ النيل سامُوا مذاقَهَا

فلم يَنْجُ لا بحرٌ لدينا ولا نهرُ

فهذه الأبيات تجعل من الفجر والسماء كأنهما شهيدان على ما حلّ بالمدينة، يتفاعلان مع الهموم والصراعات.

إنَّ النظر إلى الطبيعة في الشعر العربي باعتبارها كاتبة ومتكلّمة لا يغيّر فقط من صورة البيئة في النص، بل يعيد تشكيل هذا النص نفسه، ويجعل من المشهد الشعري موطنًا للحوار بين الإنسان والكون، بين الذات والوجود.

فنرى كيف تضمنت البيئة حضورًا فاعلًا في الشعر، بل إننا نستطيع أن نقرأ الطبيعة ككائن يتكلّم، يبوح بتجربته، ويتفاعل مع القارئ عبر لغة الشعر.

ويمكن لنا استخراج أبعادٍ دلاليةٍ عدّة مهمة عن كيفية تحوّل الطبيعة متكلّمةً في سياق النزاع؛ منها الشهادة على الوجود والموت؛ وذلك عندما (تتحدث الأرض والماء والسماء عن ما يستحقُّ الحياة)، أو (نهر يموت من العطش)، فإنّها تصبح صوتاً يعبّر عن الصراع الوجودي بين الحياة والدمار، وتُظهِرُ البيئةَ كسجلٍّ حيٍّ لما يحدثُ عبر الزمن. كما تُبرز أيضا العلاقةَ الجدليةَ بين الإنسان والبيئة من خلال العناصر الطبيعية التي لا تتكلّم بمعزلٍ عن الإنسان، بل تندمج مع آلامه وأفراحه؛ فتبيّن أيضا تمثيل الحرب على مستوى الطبيعة من خلال استخدام السماء والطرق والزهور وغيرها ككيانات تُخبرنا عن الآثار البيئية والنفسية للنزاع. ولا ننسى المعنى الأخلاقي والوجداني؛ فالصوت البيئي في زمن الحرب يضع القارئ في مواجهةِ مسؤولية إنسانية تجاه ما يحدث للطبيعة، كأن الطبيعة نفسها تطلب الاعتراف بوجودها وحقوقها بعد تفشّي النزاع.

نستخلص من كل هذا أن الشعر العربي عبر قرونه الطويلة بدءا من الجاهلي إلى الحديث قد تجلّت فيه الطبيعة بكثير من نصوصه كعنصرٍ استُخدم لتعزيز المشهد الشعري التقليدي، لكن في سياق الحروب والنزاعات والنكبات تتحوّل الطبيعة في الشعر إلى صوتٍ يتكلّم عن ذاته، يبوح بما مرّ به من دمارٍ وألمٍ واستمرارية حتى في الظروف القاسية. هذه القراءة لا تنظر إلى الطبيعة كخلفية جمالية فقط، بل كشاهدٍ لغوي وجودي على ما يصيب العالم من تأثيرات الحرب، ما يتيح للقارئ فهمًا أعمق للعلاقة بين الإنسان وبيئته في أقسى اللحظات.

وفي صمتٍ يسبق العاصفة، تتبدّى البيئة ككائنٍ حيٍّ ذي حساسيةٍ فائقة، تُجيد التعبير عن انفعالاتها بلغةٍ تتجاوز الكلام، وتستعير من الشعر إيقاعه وصوره. فإذا اختلّ توازنها تحت وطأة الحروب والمظالم والفساد، لم تصرخ بصوتٍ بشري، بل أنشدت مراثيها عبر الرياح والبحار والسماء.

فتغدو الريح حينئذٍ قصيدةً هائجة، تعصف بما في طريقها كأنها تنتقم من عبث الإنسان، وتئنّ في تجاويف الجبال كما لو كانت تبكي ذاكرة الأرض. أما البحار، فتعلو أمواجها بنبرة احتجاج، تتكسر على الشواطئ كقوافٍ غاضبة، حاملةً في زبدها حكايات التلوث والنهب والجشع. وفي السماء، تتلبّد الغيوم بسوادٍ كثيف، لا كعلامة مطرٍ رحيم، بل كناية عن اختناقٍ عميق، ثم تنهمر أمطارًا غزيرة، أقرب إلى دموعٍ كونيةٍ تغسل ما علق من أدران الظلم.

وحين تنتشر الأوبئة، تتبدل لغة البيئة إلى همسٍ ثقيل، حيث يسود السكون المريب، وتذبل الأشجار كأنها تكتب أبياتًا حزينة بأوراقها المتساقطة. حتى الشمس، في بعض تجلياتها، تبدو شاحبة، وكأن نورها قد اعتراه الإرهاق من فرط ما شهد من خللٍ في نظام الحياة.

بهذا المعنى، لا تنفصل البيئة عن الإنسان، بل تعكس أفعاله في مرآةٍ كونيةٍ دقيقة؛ فإذا أفسد اضطربت أنغامها، وإذا اعتدى ارتفعت حدّة قصيدتها. إنها لا تعاقب بقدر ما تُذكِّر، ولا تثور إلا لتعيد التوازن المختل. وهكذا، يصبح غضبها شعرًا كونيًا، تُنشد فيه قوانين البقاء، وتُذكّر بأن الانسجام مع الطبيعة ليس ترفًا، بل ضرورة وجودية تحفظ للحياة معناها واستمرارها.