حوار ورصاص على سطح واحد

لم يدرك اللبنانيون أنهم أنشأوا وطناً، أو ارتضوه، على مقياس القلق العربي. لبنان هذا القلق.

يعيش العربي في وطنه وعينه على لبنان، على الحرب والمغامرة، والهزيمة والنصر، وحفظ التراث والانقلاب عليه، والتعامل مع الأجانب واستيعابهم والتنافس مع أوروبا عبر الانضمام إليها ومعارضتها من داخل. هذا وطن دخلته الحداثة من ريفه قبل المدينة. تصل الى آخر طريق العربات فتقابل من يتقن الفرنسية والإنكليزية والقليل من الروسية والألمانية، وإذا أكملت الرحلة على ظهر حصان أو بغل تصل الى من يتقن اللاتينية واليونانية القديمة. وعبر طرقات العربات والبغال هناك من يتقنون لغة المتنبي وقد تخففت من الجمل الطويلة فصارت حيوية مثل طائر على ورق.

وطن يعلمنا أن القلق وحده مصدر الثقافة لأنه يبعث بالسؤال حياً، سؤال من يقف على الحافة فلا وقت كافياً للاسترجاع والثرثرة.

لبنان اليوم أيضاً حامل النقائض. الوطن الذي يبدو هشاً يضم أكثر تنظيمات المقاومة صلابة في التاريخ العربي الحديث. كيف تجتمع الهشاشة والصلابة؟ الجميع يترقب الانهيار. ولكن، هل يعدنا وطن القلق بمعجزة المواءمة بين التراخي والتصلب، الانفتاح على الآخر والحذر منه، الحرية بلا حدود وحالة الطوارئ المفتوحة؟

ولماذا نستغرب اهتمام العرب بلبنان؟ انه مرآة قلقهم، قبل أن يؤول هذا القلق الى تكرار مملّ لوقائع الموت والدمار.

صار عادياً أن تقصف إسرائيل قرى ومدناً في جنوب لبنان وبقاعه، ويحصل ذلك يومياً تحت عنوان “وقف اطلاق النار” المعلن دولياً، فكيف يكون اطلاق النار الحقيقي حقاً؟

بذلك تدخل مناطق واسعة من لبنان في مصير مشابه للخراب المشهود في قطاع غزة الفلسطيني، ففي المكانين تدمير قرى ومدن وعمليات قتل على قارعة الطريق بدعاوة ملاحقة ناشطين ضد العدوان الإسرائيلي.

وبذلك ايضاً يدخل التخريب الإسرائيلي لمناطق لبنانية في اطار مشهد كلاسيكي لم يعد مفاجئاً ولا جاذباً تماماً لمتابعي قضايا السلام التي تتزايد في عالمنا المحكوم بشريعة الغاب لا بحقوق الانسان.

كانت الغلبة الإسرائيلية في فلسطين وفي جوارها العربي محكومة بحروب على مستوى العصابات الوثيقة الصلة بمؤسسات شرعية أو تدعي الشرعية. وكانت تلك الحروب محدودة ثم توسعت لتشمل البشر ومساكنهم ومصادر أرزاقهم، فصار العيش عملية انتظار لمصائر محكومة بمواعيد محو شعوب وحضارات كانت راسخة حتى الأمس القريب.

تمنعك المآسي اليومية من النقد، من كشف التناقضات اليومية التي يمارسها قادة ويقلدهم التابعون. تغض الطرف مرغماً عن رؤية الأخطاء اليومية التي تقصف اعماراً وعمراناً في بلاد اسمها لبنان. ترى بعينيك بشراً يموتون وأرزاقاً تحترق ومساكن تتحول الى حطام في العراء. ترى ذلك وتغض الطرف كأنك لا ترى، محكوماً بنهر الأحزان الذي يغمرك ويدفعك الى البحر العميق الذي يبتلع الجسد والمعنى. أموات لا تجد من يفتقدهم، من يبكيهم. وحروب متشابهة تتكرر بلا مواعظ كأننا في موت يستدعي موتاً يتكرر هو نفسه مع بشر فقدوا الانتباه. نحن نمشي كالعميان ونتعثر مثلهم. نحن لسنا عمياناً لكننا أغمضنا عيوننا لنأنس بظلام نتعمد تفضيله على النور. نحن عاشقو العتمة نسدل الستائر السوداء على عيوننا وقلوبنا وذاكرتنا ونفقد سلفاً الحلم بالمستقبل، أيّ مستقبل.

لست وحدك من يرى الخطأ. انه خطأ معلن على رؤوس الأشهاد لكن سادة الخطأ يجعلونه شأناً يومياً عادياً. هؤلاء السادة الذين يدفعون وطناً الى الهاوية، يدمرونه، وترى نفسك مدفوعاً الى شكرهم والى التأكيد على وعيهم الوطني وعلى كونهم مثالاً يحتذى، بل ان هؤلاء حين يموتون قتلاً تجد من يمجّد سيرتهم ويبرئهم من دم هذا المقدس المدعوّ لبنان.

لست وحدك من يرى الخطأ فيمجده ويغيّر اسمه الى صواب. أنت وغيرك يغمضون أعينهم عن الحقيقة ويعتمدون الوهم باعتباره الحقيقة الوحيدة, وغداً وبعده تأتي أجيال ترفع الأعلام المزورة باعتبارها أعلام الحقيقة، وتمجّد الأغبياء وتسدل ستار النسيان على اهل الحق والحقيقة.

هذا وطن يجمع الماء والنار في حديقة واحدة. ولا أحد يستغرب وجود مقاتلين اشداء وعنيدين يقاتلون الجيش الإسرائيلي عند الحدود الجنوبية، الى جانب وجود موفدين من أهل الجكم يلتقون حول طاولة مباحثات تمهد لاتفاق سلام مع إسرائيل. محاربون ومحاورون في وقت واحد وفي صدد قضية واحدة، وترى الى جانب هؤلاء شعباً صامتاً يغض النظر عن حوار يومي في الصحف والتلفزيونات والمواقع، حوار هو أشبه بالشتائم أو بكونه شهادات يومية على تردي الفكر السياسي والاجتماعي لشعب منقسم بين غوغائيين مرتفعي الأصوات وعقلاء ساكتين يعتبرون فقدان الصوت نعمة يهبها الله للناس المحظوظين في أيام التعاسة اللبنانية التي لا تنطوي.

وفي المشهد اليومي المتكرر يختفي المدنيون حين يأتي المسلحون بآلاتهم المعدنية وكلماتهم المطاطية، لا يبقى من المدنيين سوى مادة دعاوية عن القتل والتشنيع. دور المدني بالتحديد ان يموت بطريقة بشعة، ان يزيّن فعل المقاتلين ويبرر جرائمهم.

رأيت بيتاً مدمراً، وكنت رأيت بيتاً مدمراً ذكرني ببيت مدمر، هو الآخر ايقظ ذاكرتي على بيوت مدمرة؛ وكنت أبني بيتاً ولا أزال سأظل ابنيه وقتاً طويلاً، وكلما تقدمت في البناء ازداد خوفي عليه لأنه ليس أقوى ولا أجمل ولا أبعد من بيوت دمرت بعد ان استتم بناؤها.

ورأيت في ما يرى الرائي أن زمن التدمير قد انقضى وان حاكماً مزاجياً ظهر وجمع الذين تسببوا بالتدمير منذ 1975 وجكم عليهم بأن يكونوا بنائين.. ونظرت بفرح إلى المشهد الجميل: باعة الكلام القاتل وباعة السلاح ومساعدوهم وزبائنهم يبنون بيوتاً، يضعون الحجر الحجر فوق الحجر، ويخلطون الرمل والحصى والاسمنت والماء، ويتعبون تعباً جميلاً، ومن تنفسهم المنهك تخرج الاحتدامات المؤذية فيتطهرون.

حين يجتاز المتسببون مطهر البناء يرجعون إلى المجتمع راضين مرضيين ويدخلون في جنته.