ما موقف آينشتاين من إسرائيل لو بقي حياً؟

لفن نظري مقال كتبه الصديق الشاعر هنري زغيب عن عالم الفيزياء الكبير ألبرت أينشتاين، فحواه أن النسخة الرقمية لأوراق أينشتاين الخاصة ستصبح قابلة للتداول في أواخر أيلول من هذا العالم، وهي عبارة عن 18 أف نسخة تحوي 30 ألف وثيقة كان أينشتاين أودعا جامعة “برينستون” الأميركية الذي شغل فيها منصب الأستاذ حتى وفاته في العالم 1935.  أثار هذا الخبر فضولي لأعرف المزيد عن هذا العبقري الذي يعد واحداً من أعظم العقول العلمية في التاريخ، والذي غير فهمنا للكون بشكل جذري من خلال أفكاره ونظرياته الثورية. ولد آينشتاين في 14 آذار 1879 في مدينة “أولم” بألمانيا، ونشأ في بيئة عائلية متوسطة، وكان والده يعمل في حقل الهندسة الكهربائية. منذ صغره، أظهر أينشتاين فضولًا كبيراً تجاه الطبيعة والظواهر الفيزيائية، رغم أنه لم يكن طالباً متفوقًا بالمعنى التقليدي في المدرسة. في سنوات شبابه، انتقل إلى سويسرا حيث أكمل دراسته في المعهد الفدرالي للتكنولوجيا في زيورخ، وبعد تخرجه، واجه صعوبة في الحصول على وظيفة أكاديمية، فعمل في مكتب براءات الاختراع في برن. هذه الوظيفة، التي قد يراها البعض بسيطة، كانت في الواقع فرصة ذهبية له للتفكير والتأمل في القضايا العلمية بعيدًا عن ضغوط العمل الأكاديمي. وخلال هذه الفترة، بدأ في تطوير أفكاره التي ستغير علم الفيزياء.

في عام 1905، ويعرف بعام “المعجزات”، نشر أينشتاين أربع أوراق علمية أحدثت ثورة في الفيزياء. من بين هذه الأوراق، قدم تفسيراً للحركة البراونية، وشرح ظاهرة التأثير الكهروضوئي، وطرح أساسيات النسبية الخاصة. هذه النظرية غيرت مفهوم الزمن والمكان، حيث أثبت أن الزمن ليس ثابتاً بل نسبي، وأنه يعتمد على سرعة المراقب. كما قدم معادلته الشهيرة E=mc² التي توضح العلاقة بين الكتلة والطاقة.

 في العام 1915، طرح أينشتاين نظرية النسبية العامة، التي وسعت أفكاره لتشمل الجاذبية، بدلاً من اعتبار الجاذبية قوة تقليدية كما وصفها نيوتن. أوضح أنها نتيجة لانحناء الزمان المكان بفعل الكتلة. هذه الفكرة كانت ثورية للغاية، وقد تم تأكيدها لاحقًا من خلال تجارب ورصدات فلكية، مثل انحراف الضوء حول الشمس. لم تكن إنجازاته مقتصرة على النظريات فقط، بل حصل على جائزة نوبل في الفيزياء تقديراً لشرحه للتأثير الكهروضوئي، وهو اكتشاف كان له دور أساسي في تطوير التكنولوجيا الحديثة مثل الخلايا الشمسية. ومن المثير للاهتمام أن الجائزة لم تُمنح له عن نظريته حول النسبية، رغم أهميتها، بسبب الجدل العلمي الذي كان يحيط بها في ذلك الوقت.

على الصعيد الشخصي، كان أينشتاين إنساناً بسيطاً ومحباً للسلام. عُرف بمواقفه الإنسانية ودعواته لنزع السلاح ونبذ الحروب، خاصة بعد تجربته مع الحربين العالميتين. هاجر إلى الولايات المتحدة الأميركية عام 1933 هرباً من النظام النازي في ألمانيا، وعمل في معهد الدراسات المتقدمة في “برينستون”، حيث واصل أبحاثه حتى وفاته عام 1955.  كان لأينشتاين دور غير مباشر في تطوير القنبلة الذرية، حيث وقع رسالة إلى الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت يحذره من إمكانية تطوير ألمانيا لسلاح نووي. رغم ذلك، شعر لاحقاً بالندم على مساهمته غير المباشرة في هذا المجال، وأصبح من أبرز الداعين للسلام العالمي. وقد تميّز بشخصيته الفريدة، وكان يحب العزف على الكمان، ويميل إلى العزلة والتأمل، كما عُرف بمظهره البسيط وشعره الأشعث. لم يكن يهتم بالمظاهر أو الشهرة، وكان شغفه الحقيقي هو فهم أسرار الكون.

ترك أينشتاين إرثاً علمياً وفكرياً هائلًا لا يزال يؤثر في حياتنا حتى اليوم. فالنظريات التي وضعها تُستخدم في العديد من التطبيقات الحديثة، مثل أنظمة تحديد المواقع (GPS) التي تعتمد على تصحيحات زمنية مستندة إلى النسبية. كما ألهمت أعماله أجيالًا من العلماء لمواصلة البحث والاستكشاف. ويمكن القول إن ألبرت أينشتاين لم يكن مجرد عالم فيزياء، بل كان رمزاً للعبقرية والفضول العلمي، وقد أثبت أن التفكير العميق والإبداع يمكن أن يغيرا العالم، وأن الإنسان قادر على تجاوز حدود المعرفة التقليدية للوصول إلى آفاق جديدة. إن قصة حياته تذكير دائم بأن الإصرار والشغف بالعلم يمكن أن يقودا إلى أعظم الإنجازات.

ماذا عن دينه وإيمانه؟ الحق أن أينشتاين لم يكن متدينا بالمعنى التقليدي المرتبط بالالتزام بشعائر أو عقائد دينية محددة، لكنه لم يكن ملحداً صريحاً أيضاً. موقفه كان أقرب إلى ما يُسمى “الإيمان الروحي” أو “الروحانية الفلسفية” كان ينتقد فكرة الإله الشخصي الذي يتدخل في حياة البشر ويكافئ ويعاقب، وهي الفكرة الشائعة في كثير من الأديان. في المقابل، عبّر عن إعجابه بما أسماه “الإحساس الديني الكوني”، وهو شعور بالرهبة والدهشة أمام نظام الكون ودقته. تأثر في هذا الجانب بأفكار الفيلسوف باروخ سبينوزا، الذي كان يرى أن الله يتجلى في قوانين الطبيعة نفسها، وليس ككائن منفصل عنها. قال في أحد أشهر تصريحاته إنه “يؤمن بإله سبينوزا”، أي بالإله الذي يظهر في انسجام الكون، وليس بإله يتدخل في مصير البشر. لذلك، كان يرى أن العلم والدين لا يجب أن يكونا في صراع، بل يمكن أن يكمّل كل منهما الآخر، إذا فُهما بطريقة غير حرفية.

باختصار. هذا المواقف الوسطية جعلت آراءه حول الدين موضوع نقاش واسع حتى اليوم. وهناك رسالة منه تعرف باسم “رسالة الله” بيعت في العام 2018 في دار المزادات “كريستيز” في نيويورك بمبلغ تجاوز 2.8 مليون دولار، قد كُتبتها عام 1954 إلى الفيلسوف إريك غوتكيند رداً على كتابه حول الدين. في هذه الرسالة، عبّر أينشتاين بوضوح عن آرائه الدينية، حيث وصف كلمة “الله” بأنها نتاج للضعف البشري، واعتبر الأديان التقليدية مجموعة من “الخرافات المحترمة”. هذه العبارات أثارت جدلًا واسعاً، لأنها بدت أكثر صراحة من تصريحاته الأخرى.

بقي السؤال الذي وضعته عنوانا لهذا المقال وهو موقف آينشتاين من إسرائيل. كان آينشتاين يهوديا وكان يؤمن بفكرة كيان قومي لليهود في فلسطين خصوصا في العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي، لكنه لم يكن مؤيدي لفكرة إسرائيل كدولة يهودية صرفه، بل كدولة ثنائية عربية يهودية، من منطلق حبه للسلم وكراهيته للحروب، وهذا ما تكشفه لنا سيرة حياته. كان موقفه من قيام دولة إسرائيل عام 1948 معقّداً، لكنه يميل في المجمل إلى التأييد المبدئي لقيام وطن قومي لليهود، مع تحفظات واضحة على الشكل السياسي والعسكري الذي اتخذه المشروع. رفض أن تكون إسرائيل قومية متشددة وكان يفضّلها نموذج دولة ثنائية القومية يعيش فيها اليهود والعرب معاً بحقوق متساوية، وليس دولة يهودية خالصة. وعند إعلان إسرائيل في 1948، قبلها لكن بحذر شديد باعتبارها ملاذاً لليهود بعد الهولوكوست والاضطهاد في أوروبا.  لكنه كان في الوقت نفسه، قلقاً من النزعة العسكرية والتطرف السياسي داخل بعض الحركات الصهيونية، وخصوصاً ما رآه من احتمال تحول الدولة إلى كيان يعتمد على القوة والصراع بدل التعايش، وفي وقت لاحق عبّر عن هذا التوازن بوضوح أكبر عندما عُرض عليه أن يصبح رئيساً لإسرائيل عام 1952، فرفض العرض قائلاً إنه يرى نفسه داعماً أخلاقياً وفكرياً أكثر منه سياسياً، ولا شك في أنه لو كان بيننا اليوم، لرفض دولة لإسرائيل وصهيونيتها المتطرفة، كما يفعل كثير من اليهود الأحرار حول العالم.