قراءة في دواوين الشاعر الكبير هاني شعيب
يقولون ان الشعر هو ديوان العرب الاول ،وهو مستودع للتاريخ،وحافظ للأمجاد والمواقف ،لذلك هو فن العرب الاول،ولذلك نسجوا له اماره،ووضعوا على رأسها اميرا،لقبوه بالأنتخاب (أمير الشعراء) فالفنون مواهب،والموهبة لها عرش،لا يعرف الازاحه بقرار جائر،او بسلطان لا يعرف قيمة للفن أو التعظيم للموهبه،والشاعرواحد من الناس بشكل عام،ولكنه ليس ككل الناس بشكل خاص،عيونه ترى ،واحيانا تحملق ،وتتجول ،بل وتتحاور،ككل الناس،ولكنها ايضا تتأمل ،بل وتتعمق،ثم تفكر وتفسر ،وبذلك تصل الى رؤي،لايراها كل الناس.والسرأو الفرق بين الحالتين،هو الموهبه في الالتقاط السريع للحركة وفي النطق،وفي التعبيرعن المعنى،والدرجة العاليه من الشفافية في الاصغاء،ثم الانصهار الكبير في مخاطبة الروح،والوجدان.هاني شعيب مهنته الطب،وتخصصه العلاج النفساني،ثم تأتي موهبته وهوايته،وهي الابحار في دنيا المشاعر،والطوفان في سراديب الوجدان، وترجمة ما تختزنه النفس البشريه من خلجات سواء كانت اّهات أوانات موجعه،اوبسمات وضحكات صاخبه،أو فرحة مسكرة، تتدفق احيانا كطوفان حب يتفجرغامرا،او يتمهل ويترفق ككل غزل خجول وعفيف.فالشعر باختصار هو فن العربية ونجواها المفضل والأصيل .
وهاني شعيب موضوع هذا المقال،تشرفت بمعرفته،منذ عقود من الزمن،كطبيب له ولع بالمعرفة والثقافه،ولذلك اعطاها جهدا مميزا،ومتميزا في اّن واحد، كان عضوا في النادي العربي منذ سنوات طوال ،وكان اهتمامه المعتاد هو الجانب الثقافى في النشاط العام ،وبعد النادي العربي ،اقام منتدى ثقافي باسم الملتقي الثقافي المصري العربي البريطاني،في منطقة ادجوار رود في لندن،ثم نقل مقره الى المركز البولندي في منطقة هامر سميث ،ثم اخذ بثه وفق التطور الاعلامي الاخير وفق قناة الزوم . رحلة امتدت في بعدها الزمني الى سنوات عشريه. قدم فيها الكثير من الفعاليات عبر قضايا متعددة ،ولميثاق اخلاقي وادبي اخذ قراره، بشكل منفرد،نعرب له عن تقديرنا له. أنه لم يستخدم تلك القنوات لبروز شخصي ،يؤكد من خلاله موهبته في نظم الشعر،الا في استثناءات قليله سواء في قنواته أو غير ذلك مثل (المركز الثقافي المصري) الذي اسضافه اكثر من مرة ،بدى من خلالها، وكأن الشعر لديه مجرد هوايه، تشبعها بعض القصائد، وكذلك السيده الفاضله الدكتوره النفسانية ايضا (جمال حسان) وهي اديبه روائيه وقصاصة صدرت لها العديد من فنون القصة والروايه،كانا معا اقل الناس حديثا وطرحا لمواهبهما،وانتاجهما الشخصي، ولم يزاحما ضيوفهما في الأحاديث التي دعوا اليها ،وان كان الدكتور هاني ،في بعض المناسبات يلقي بعض الألوان من انتاجه الشعري، وبدى من خلال ذلك ،وكأنه هاو يجتهد ،،لكن دون فرض او مزاحمة او استغلال لمنبرهما اللذان يديرانه للترويج لتلك المواهب، وان كانت هناك سلسلة من الروايات قد صدرت للدكتوره (جمال حسان) الزوجه، الا ان انتاج الدكتور هاني،لم يصل الى الايادى الا مؤخرا ودفعة واحده،وكنا نستمع لبعضه من قبل باعتبارها مجرد (اجتهادات) . لكن يبدو ان الزوجين العزيزين كانا (يدخرين) مواهبهما ،في الانتاج دون الثرثرة ،في قناعة ان لم يكن من الزهد ان الموهبه الأصيله تحتاج الى نار هادئه ،لكي تنتج على مهل، ولذلك كانا يختزنين طاقاتهما الأدبية والشعرية بعيدا عن الافراط في طرح المكنونات ،الى ان تترجم في اعمال كامله. حتى كانت تلك المفاجأة حين شاهدت صوره للدكتور هاني في معرض الكتاب في مصر،والاعلان عن صدور دواوينه الشعريه عن (دار النسيم) للنشر والتوزيع. اتصلت به لأتأكد من خبر هذا الاصدار،فأكد لي الخبر ودعوته لعمل امسيه في جمعية الجاليه المصريه،حيث اتعاون معها في هذا المجال،ووعد ،ثم عاد وأكد للأستاذ مجدى عباس رئيس جمعية الجاليه المصريه في لندن ان ذلك يمكن ان يتحقق بعد شهر رمضان (الماضى)،وقد تحقق هذا الوعد بالفعل.
الديوان الاول للشاعر هاني شعيب
يتصدر الغلاف اعلان عن ثلاثة مجموعات من الشعر( سراب – تراتيل – الحب بلا أبعاد). في المجموعة الاولي (سراب) نجد بيتين من الشعر يقطران عذوبة ورقه يقولان:
قَد تاهَ فِكري، فهَلَّا زِدتِني خَبَرا
مِن أيِّ جَوهرِ حبٍّ صاغَكِ اللهُ؟
سُبحانَ مَن نَظَمَ الدُّنيا ولَحَّنَها
بَيتًا مِنَ الشِّعرِ في عَينَيكِ معناهْ
وعلى الصفحة الاخيرة من الغلاف نجد تلك الابيات
إِلَى مَنْ تُحْرِقُ الأَحْلَامُ غُرْبَتَهُ
إِلَى الإِنْسَانْ
فِي الأَكْوَاخِ شَقْوَتُهُ
أَنَا وَمَرَارَةُ القَهْرِ
بِوَجْهِ الصَّبْرِ.. عَيْنَانْ
نَرُدُّ الحُلْمَ عَنْ أَجْفَانِنَا.. أَرَقًا
وَكِسْرَةُ خُبْزِنَا مَغْمُوسَةٌ.. عَرَقًا
سَفَحْنَا عُمْرَنَا.. كَدًّا
وَمَا تَقْنَا إِلَى الثَّمَرِ
ثم تمضي القصائد تترى تصوغها وتعبر عنها لواعج شاعر ،ويرسم لوحاتها وجدان فنان
قصيدة بعنوان ( حوريه)
حوريةٌ هَرَّبَتْ، والبَدرُ عُنوانُ
هل فُتِّحَتْ عَدنٌ، أَم غابَ رِضوانُ
واستوطَنَتْ مِصرَ الحُبَّ مِن زَمَنٍ
هل يا تُرى عادَها للمجدِ تَحنانُ؟
….
أَفدي عُيوناً إِذا ما صُوِّبتَ سَحَرَتْ
فَالقَلبُ مختبلٌ، والعَقلُ نشوانُ
يا شعرها العسجد المنظوم متسقًّا
يا لحظها الرمحُ او ياقدها البانُ
يا ساقها الأبِيضَ المُلتَفَّ مَرمَرةُ
ياليتِ شِعري أَتسبى العَينَ سيقانُ
رَنَّتْ، فَلاحَ البَدرُ فَوقَ جبينها
رَنَّتْ فَصَوتُ الحُبِّ أَلحانُ
قَلبي يُناديكِ، جَمرُ الشَّوقِ حَرَّقَهُ
فَمتى الوُرودَ فإِنَّ القَلبَ ظَمآنُ
(كتبت هذه القصيدة عام 1966)
قصيده بعنوان ( وصيه)
كتب هذه القصيدة الى(ابن عمه الشهيد مدحت شعيب استشهد في سيناء عام 1967)
يبدأها بهذه الابيات
كُلُّ فَجرٍ كَحلَتهُ المُظلِماتْ
يا صَبِيَّةً.. يا حَياةَ الأَمنِياتْ
لا تَقولي في غَدٍ إِن جاءَ نَصرٌ
مُشرِقٌ: تَعَسًّا فَإِنَّ الحُبَّ ماتْ
لا أُريدُ الدَّمعَ أَحزانًا لِموتي
إِن دَمعَ العَينِ يَمحو الذِّكرياتْ
أنني ثَأرٌ يَفورُ بِكُلِّ صَدرٍ
يَغرِسُ الجَمرَ.. ثِمارًا مُحرِقاتْ
وينتهي الى
إِن يَدُقَّ النَّصرُ يَوماً بابَ مِصرَ
يَحمِلُ البُشرى: بِأَنَّ الصُّبحَ آتْ
فَاسكُبي الأَحلامَ في أَعطافِ قَبري
واحصُدي الآمالَ، تَنبُتُ مِن رُفاتْ
وارشُفي ذِكراي نَخبَ النَّصرِ حُبًّا
واصحَبيها طَيفَ حُلمٍ في السُّباتْ
——————–
تمضي الكلمات وتتشكل الحروف لكي تشق الصفحات لتصل الى فؤاد حزين يحمل اناته الى روح اللواء عبدالمنعم رياض حيث استشهد على الجبهه.
لَستُ أَبكيكَ،
ولَكِنِّي أَهُزُّ كَرامَتي أَن تَستَفيقْ
لَستُ أَرثيكَ،
ولَكِنِّي أَقودُ رُجولَتي نَحوَ الطَّريقْ
تَتبَعُ خُطاكَ على الطَّريقْ
قَد ضَلَّ دَربي، غَيرَ أَنِّي
أَبصَرُ الشَّمسَ أَضاءَتْ
مِن ضِياءِكَ يا رَفيقْ
وأَراكَ تَسكُنُ في الجُفونْ
بَينَ الخَواطِرِ والظُّنونْ
ثائِرًا يُنادي
يَشتَعِلُ قَدَرًا.. على جَمرِ العُيونْ
……..
واختصر نظرا لحجم المساحه فاقفز بعض الابيات لاصل لتلك التي تقول
مِثلَ الرِّجالِ قَضَيتْ،
زَيَّنتَ الشَّرَفْ
بَينَ الجُنودِ وَقَفتْ،
والتَّاريخُ صَحبَكَ.. قَد وَقَفَ
كَم وَدَّ لَو كَتَبَتْ دِماؤُكَ أَسطُرا
مُلِئَتْ صَحائِفُهُ، وعُذرًا.. لَم يَجُزْ
سَنَواتُ مَجدِكَ، بَل كفَتهُ الأَشهُرا
يا كُلَّ أَمجادِ الحَياةِ.. تَضاءَلي
وتَضاءَلي
ذوبي حَياءً، مِن شَهيدِ المَجدِ
لا تَتَطاوَلي
الى اخر القصيده
…..
ونخرج من قصيدة حزينه الى قصيدة اخرى (فاجعه) عن رحيل عبدالناصر،وتمنيت ان انشرها كامله ،ولكن المساحة تحاصرني فانقل منها ابياتا صاغتها الدموع لا الكلمات فيعطيها عنوانا ( مصباح فوق درب الحزن ) ثم يكتب (قصيدة تمنيت الا اكتبها)
مِصرُ بِلادي
كُلُّ دُموعِ اليَومِ الأَسوَدْ
لا تَكفيني
حُزنٌي.. أَعلامٌ مَطوِيَّةْ
قمر مصلوب بعيوني
حُزني.. نَعيُ للأَحلامِ الكبرى
محفور بسطور جبيني
وأَنا – رَجَّحُ أَنين بِلادي
أَعجَبُ: هل لِلشَّمسِ زَوالْ؟
وأَنا أُنكِّر صوت الناعي:
صبرًا مصرُ .. ماتَ جمالْ
ثم يقول
مِصرُ عُيوني،
في أَعماقي فَرَسٌ جامِحْ
فَرَسٌ يَبحَثُ عَن خَيالْ
في أَعماقي صَوتُ الشَّاعِرْ
يَرسُمُ فَجرًا
يَلمَحُ دَمعَ الناسِ.. قَنالْ
كُلُّ دُموعِ الناسِ.. قَنالْ
وسنعَبِرُها،
ونُحَرِّرُها،
ونُغَنِّيها،
وسَنُهديها.. عَبدَ الناصِرْ
الى اّخر القصيده التي كتبت في الخميس الاول من اكتوبر عام 1970
_________________________________
انتهت المجموعة الأولي ( سراب) وهناك المجموعه الثانيه (تراتيل) ولم يتيسر عرض ابياتها كاملة ،وكذلك المجموعة الثالثه ( الحب بلا ابعاد)
يحتوى الجزء الثاني على ثلاثة مجموعات ايضا
هي ( الحلم مع سبق الاصرار، ولوليتا، وترنيمة الاصرار)
وعلى الصفحة الاخيره من الغلاف نجد تلك الابيات من الشعر
قُلتْ:
يا شيخي ُالمُبجَّلُ
هل يقولُ الصَّمتُ؟!
ردَّ الشيخُ:
قَوْلُ الصَّمْتِ
أبلغ ما يقالُ
جَفَلْتُ
ثُمَّ وَجَدْتُ رأسيَ
فَوْقَ رِيحانةٍ نهديَتها
صحوتُ …
في المجموعة الاولي من الجزء الثاني (الحلم مع سبق الاصرار) يعود هاني شعيب في يناير من 1972،وهو الشهر الذي ولد فيه عبدالناصر ليفجر الجرح الكامن في حنايا القلب ويحرك الدمع الساكن في مقلة العين،فيكتب قصيدة(أغنية في يناير)فيقول في احد المقاطع
نحنُ ما زلنا نُغنِّيكَ نشيدًا
يا جمالْ
فوقَ شُطآنِ القنالْ
نغَمًا للثأْرِ يجتاحُ الرجالْ
ويشدُّ العَزمَ، نارا وقدرْ
وجحيمًا وشَررْ
نحن مازلنا نلوكُ الحقدَ صبراً
وانتظارًا
لن يطولْ
لنغُنّي .. يومَكَ الموعودَ فخرًا
وإنتصاراً .. وطبولْ
….
وعن البطل ارنستو جيفارا يقول في احدى الفقرات ..
آهِ.. يا صَقرَ الجِبالْ
وَجهُكَ البَسَّامُ في لَيلِ النِّزالْ
أَشعَلَ الحُزنَ حَريقًا
وبَدا في ظُلمَةِ اللَّيلِ بَريقًا
يَرشُدُ الثُّوَّارَ في لَيلِ المُحالْ
لِلينابيعِ البَعيدَةْ
لِلأَناشيدِ السَّعيدَةْ
لِلضُّحى والنُّورِ.. يا صَقرَ الجِبالْ
حينَما سُجِّيتَ فَوقَ التَّلِّ مَجروحَ الفُؤادْ
انحَنى المَوتُ جَلالاً
لَكَ، في حِضنِ الوِهادْ
وبَكَتْ بِالدَّمِ نَجمَتُكَ الشَّريدَةْ
آهِ.. يا صَقرَ الجِبالْ
….
وعن حرب اكتوبرعام 1973 يكتب تحت عنوان صيحة النشور يقول في احدى مقاطعها:
وُلِدتُ مِن جَديدْ
خَلَعتُ ثَوبي المَصبوغَ بِالحَزَنْ
كَسَرتُ صَوتي المَمزوجَ بِالتَّمنياتِ والشَّجَنْ
غَمَستُ قَلبي في بَحيرةِ الدِّماءِ والعَرَقْ
وحينَما التَقَيتُ في عُيونِكُمْ
بِصورَتي المُضَيَّعَةْ
عَرَفتُ أَنَّني وُلِدتُ مِن جَديدْ
….
ثم يعرج الى الحديث عن الوان الحكمة والدهاء،باقتحام قضية الحريات في الحوار مع (الحكيم بيديا) وقضية الحريات ..وهي حوار الأنسانية في كل عصر،لا ينتهي، الا لكي يبدأ .
فيقول :
ذاتَ نَهارْ
نَظَرَ المَلِكُ إِلى بيدَبةَ وقالْ:
ما الحُرِّيَّةْ؟
هل نحن – حَقيقةً – أَحرارْ؟
لَمعتْ في عَينَيْ بيدَبةَ سوانح حُزنٍ، أو إِشفاقْ
وتَنَهَّدَ، ثُمَّ بِهَمسِ المُستَسلِمِ.. قالْ:
يا مَولايَ.. الحُرِّيَّةُ أنْ نَختارْ
لَيسَ مُهِمًّا أَن نَختارَ صَوابًا، أو خَطَأً
أو خَطَلاً، أو حُمقًا، أو جَهلاً
أو إِفكًا، أو شَرًّا، أو خَيرًا
أو بَينَ البَينْ
لَكِنْ.. أَن نَختارْ
الحُرِّيَّةُ يا مَولايَ سَرابٌ، أو شَطَطٌ، أو نَزَقٌ
أو وَهمٌ.. نُوهِمُهُ لِأَنفُسِنا
ونُطارِدُهُ مِن لَحظَةِ مَولِدِنا.. حَتَّى اللَّحدْ
وتمضى القصيده، في طرح جوانب ومراحل، من حياة الانسان تدعو في كل مرحلة الى مزيد من الأسئله،واجتهادات للأجوبه في قضية الحرية والاختيار،الى ان تنتهي الى تنتهي في خلاصة ،ان الناس جميعا ،حول فك اسار الحريه ،ليسوا احرارا. الحوار جميل في تسلسله ،وله جرس ممتع في المتابعه ،ولكن لا تملك معه الحريه الكامله في السرد والعرض بكل التفاصيل ،فالمساحه لهاحدودها،ولا تملك معها اي خيار.لكن تبقي في نهاية هذا العرض حقيقه. لابد من التأكيد عليها،وهي ان الديوانين يتمتعان معا بجاذبية خاصه كفيلة بطرد اي نوع من الملالة ،بل ويحضانك بقوة على المتابعه، من خلال حالة من الاستمتاع التي ترافقك في القراءة،لا اقولها مجاملة أو تزكيه،بل اذكرها وأقولها بكل التقدير والاحترام .
