فشل المفاوضات متوقع بعد التصعيد والتوسع الاسرائيلي
كان من الطبيعي ان تفشل جولة المفاوضات العسكرية في مبنى وزارة الدفاع الاميركية- البنتاغون، وجولة المفاوضات الدبلوماسية التي تلتها بين وفود لبنان واميركا وكيان الاحتلال الاسرائيلي، نتيجة عدم تلبية اسرائيل اي مطلب لبناني عسكري تقني يُنهي المجازر المرتكبة بحق المدنيين وطواقم المسعفين في الجنوب، ذلك ان اندفاع الاحتلال نحو التوغل في مناطق جنوبية جديدة وصولا الى مشارف مدينة النبطية بعد اعلان الاحتلال السيطرة على قلعة الشقيف، ومشارف مدينة صور ايضا، دفعه الى التشدد اكثر في مطالبه وشروطه التي رفضها لبنان.
وفي معلومات خاصة لـ “الحصاد”، وصلت رسالة أميركية إلى بيروت بعد جولة مفاوضات شهر حزيران، تتضمن شروطاً اسرائيلية لوقف النار ومواقف لبنانية رافضة. فقد أرسلت السفيرة اللبنانية في واشنطن ندى حمادة معوض الى رئيس الجمهورية جوزيف عون رسالة أرسلها رئيس الجمهورية بدوره الى رئيس المجلس النيابي نبيه بري وعبره الى حزب الله وفيها وقف فوري لاطلاق النار مشروطٌ بما يلي :
“- انسحاب مقاتلي حزب الله وعددهم كما حددته الرسالة 2300 مقاتل من جنوب الليطاني الى شماله خلال 24 ساعة.
– اذا تعرّض شمال اسرائيل للقصف فإنّ بيروت ستُضرب.
– اذا خرق الحزب الله وقف اطلاق النار ، فإنّ اسرائيل ستطلق النار مجدّداً.
– البدء على الفور بتحديد منطقة تجريبية والعمل فيها”.
لكن جاء جواب الحزب في خطاب للامين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم رفض فيه الاتفاق، وكان موقف الرئيس بري الواضح أيضاً بوصفه الاتفاق “بالهجين والجائر والمفخخ”. وأصرّ الطرفان على وقف اطلاق النار من قبل الاحتلال فورا وبدء الانسحاب من بعض المناطق بالتزامن من تراجع مقاتلي حزب الله خارج جنوب الليطاني تدريجيا ايضاً ما عدا ابناء البلدات الجنوبية المناصرين للحزب وليس المقاتلين.
وقبل ان يجف حبر البيان المشترك الذي اصدرته الخارجية الاميركية حول نتيجة المفاوضات الدبلوماسية، ارتكب كيان الاحتلال الاسرائيلي بعد الاجتماع مباشرة اكثر من جريمة بحق المدنيين وضباط وعسكريي الجيش اللبناني في الجنوب، مع ان الجانب الاميركي اكد في بيان الخارجية تثبيت وقف اطلاق النار، فالتزم به حزب الله ليلاً ولم تحصل اي عملية عسكرية حتى حصول الغارات المعادية باليوم التالي وتم والرد عليها، لكن بشكل محصور على مواقع الاحتلال وتجمعات جنوده في مناطق الجنوب المحتلة.
قراءة في الاتفاق
هذا التفلت الاسرائيلي يستوجب قراءة متأنية لبيان الخارجية الاميركية اسوة بما حصل في البيانات السابقة التي تلت اجتماعات الوفود الدبلوماسية والعسكرية، والتي لم يحصل منها لبنان عملياً على اي مكسب، بل تمت اضاعة الوقت ولم يحصل الضغط الاميركي المطلوب على كيان الاحتلال لوقف عدوانه على الجنوب واستهداف المدنيين والجيش اللبناني وقوات اليونيفيل الدولية والمسعفين والمستشفيات والاطقم الطبية والبنى التحتية الخدماتية. ولعل تصاريح نتنياهو ووزيري الدفاع كاتس والامن القومي بن غفير في كيان الاحتلال ، تؤكد انه لن يلتزم بأي إتفاق وانه مستمر بعدوانه، حتى ان القرار الذي صدر عن المجتمعين في واشنطن وفيه “إنشاء مناطق تجريبية (Pilot Zones)، تتولى فيها القوات المسلحة اللبنانية السيطرة الحصرية على الأراضي، مع استبعاد أي جهة مسلحة غير تابعة للدولة، وانه من شأن هذه الخطوات أن تتيح إحراز تقدم نحو اتفاق شامل للسلام والأمن.”، لم يحدد مهلة زمنية للبدء بالانسحابات الاسرائيلية المرحلية المتتالية ومن اين تبدأ، وهل ستكون شاملة كل النقاط والاراضي اللبنانية المحتلة. ام انسحابات جزئية يحتفظ فيها الاحتلال ببعض النقاط الحاكمة كما حصل بعد اتفاق تشرين الثاني 2024؟ ولم يتضمن آلية تطبيق وقف اطلاق النار ولا من سيتولاه، برغم وجود تسريبات اعلامية عن تشكيل لجنة متابعة ميدانية لم يأتِ البيان على ذكرها.
وكانت المفاجأة في انسحاب قوات العدو من بلدة دبّين ودخول الجيش اللبناني اليها، خلافا لإقتراح لبنان الذي اعلنه الرئيس جوزيف عون ان يبدأ الانسحاب من قلعة الشقيف ويحمر وزوطر بشطريها الغربي والشرقي . وهي مناطق اعلن العدو انه لن ينسحب منها حالياً ولا احد يعلم كيف سيساوم عليها، نظراً لأنها مناطق استراتيجية مهمة وحساسة وتقع عند مجرى نهر الليطاني مباشرة. لاسيما وان الاحتلال اعلن ان انسحابه من بلدة دبين لا يدخل في اطار الانسحاب من المناطق التجريبية بل فرضته ظروف المعركة القاسية مع حزب الله.
وجاء بيان الخارجية الاميركية عن الاجتماع ليؤكد استمرار عمليات جيش الاحتلال في كل مناطق الجنوب ، ويعني ايضا ردودا من المقاومة، ولا احد يمكنه التكهن بما ستؤول اليه الاعمال العسكرية من توسع وتفّلت قد يتجاوز محاور القتال. لا سيما وأن الاميركي اعطى الاسرائيلي مجدداً حرية الحركة في استهداف ما وصفه “اي تهديد” حتى في بيروت وضواحيها، وهو الامر الذي حصل بغارة اسرائيلية على سيارة في منطقة خلدة الناعمة بضواحي بيروت، خلال انعقاد اجتماع واشنطن. تلتها غارتان على الضاحية الجنوبية.
والملفت للإنتباه في البيان ايضا ما جاء فيه بفقرتين عن فصل مسار الحل في لبنان عن مسار المفاوضات الاميركية – الايرانية، لكن اصرّت ايران اكثر من مرة في مواقف مسؤوليها وفي اتصال رئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف برئيس المجلس النيابي نبيه بري على عدم فصل مسارات الحلول، وعلقت مفاوضاتها مع الادارة الاميركية ربطا بمطلبها ان يشمل الحل كل الساحات بما فيها لبنان. وعليه بقيت الامور معلقة عملياً نتيجة العبارات الفضفاضة في بيان الخارجية الاميركية.
ولعل ما جاء في البيان عن “تأكيد إسرائيل مجدداً أن أمنها واحترام سلامة أراضيها لا يمكن تحقيقهما، إلا من خلال نزع سلاح حزب الله وتفكيك بنيته التحتية في مختلف أنحاء لبنان”. هو امر يدرك الجانبان الاميركي والاسرائيلي انه لا ولن يتحقق بسهولة، طالما هناك اراضٍ لبنانية محتلة، وطالما ان العدو لم يلتزام بأي اتفاق لوقف القتال، مع ان بعض المعلومات افادت ان حزب الله سيلتزم بالانسحاب من منطقة جنوب نهر الليطاني كاملة بع الانسحاب الاسرائيلي، وان موضوع سلاحه شمالي نهر الليطاني خاضع لحوار لبناني داخلي لا علاقة لإسرائيل به.
ما الخيارات البديلة
ومع اقرار الاعلام العبري ان المفاوضات وصلت الى طريق مسدود في الجولات السابقة كلها، بات من الضروري ان يحدّد لبنان الرسمي خياراته البديلة عن التفاوض المباشر العسكري والسياسي، طالما ان الكيان الاسرائيلي والادارة الاميركية لم يلتزما بتثبيت وقف اطلاق النار وهو المطلب الاول للبنان، بل مضيا في استمرار المناورات السياسية وكسب الوقت لتوسيع نطاق احتلال الاراضي الجنوبية، لتحقيق مزيد من الضغوط السياسية على لبنان للسير في الخيارات الاميركية والاسرائيلية، من دون تقديم اي خطوة تفيد المفاوض اللبناني في اقناع الجمهور بجدوى التفاوض، وتخفف الإحراج عن الحكم والحكومة اللذين ما زالا مندفعين نحو خيارهما الذي لم يؤدِّ ويبدو انه لن يؤدي الى اي نتيجة.
وثمة من اقترح إنسحاب لبنان من المفاوضات أوتعليقها حتى تجد الادارة الاميركية نفسها مضطرة لمراجعة سياستها تجاه لبنان. ولقد اكد اكثر من مصدر سياسي بمن فيهم رئيس الحكومة الاسبق فؤاد السنيورة المعروف بخصومته لحزب الله، انه بإمكان لبنان تعليق المفاوضات والانسحاب منها حتى تحقيق تثبيت وقف اطلاق النار. وثمة من طرح ايضا وقف التفاوض مع الكيان الاسرائيلي وحصره بالجانب الاميركي بإعتباره من يملك قرار الحرب والسلم فعلياً وقرار فرض تثبيت وقف اطلاق النار على كيان الاحتلال، طالما انه يخشى انهيار المفاوضات على الجبهتين اللبنانية والايرانية نظرا لترابطهما العضوي السياسي والعسكري. لذا يرتقب لبنان موقف الادارة الاميركية وإمكانيات تبدّل السياسة الاميركية المتبعة برغم صعوبة إن لم يكن إستحالة ذلك في ظل الظروف والمعطيات القائمة.
وثمة من يرى ان فشل التفاوض بات ورقة قوية بيد حزب الله ليكمل مواجهته ضد الاحتلال ويتشدد في رفض تسليم السلاح او حتى مناقشة هذا الموضوع إلّا بحالة واحدة هي انهاء الاحتلال بالكامل والانسحاب الكامل وتحرير الاسرى وعودة الجنوبيين الى قراهم، فمن دون تحقيق هذه الاهداف المشروعة لا جدوى من اسستمرار التفاوض، ثمّة من يرى انه من الافضل ربما استمرار استنزاف قوات الاحتلال عسكرياً برغم الثمن المرتفع الذي يدفعه الجنوب واهله.لا ما يعني ان وضع الجنوب عاد الى مرحلة الاحتلال الاسرائيلي للجنوب بين العامين 1982 و2000.
توتر رئاسي وسياسي
ونتيجة الفشل المتتالي في المفاوضات، وصلت العلاقات الرسمية اللبنانية مع “حزب الله” وإيران إلى خط اللاعودة، على الأقل خلال مرحلة المفاوضات مع الكيان الإسرائيلي، وبانتظار ما سيصدر عنها من نتائج ..والملفت للانتباه أن رئيس الجمهورية قطع شعرة معاوية مع “حزب الله” بشكل خاص، وابتعد عن الرئيس نبيه بري، لأنهما رفضا المفاوضات المباشرة وبالشروط المفروضة أميركياً وإسرائيلياً، وكانت جريمة اغتيال قوات الاحتلال لقائد اللواء السابع في الجيش المنتشر عند الحدود العميد وسام صبرا، ومعه نقيب وجندي، بمثابة رسالة دموية إلى الجيش اللبناني ولقائده العماد رودولف هيكل بشكل خاص، مفادها أنه لا دور له في الحل إلا بما يريده الإسرائيل.
لكن بعد التصعيد العسكري الواسع على جبهتي ايران – اميركا ولبنان – اسرائيل، لم يعد من مجال امام الجميع للهروب من موضوع التفاوض، لا سيما بين لبنان وكيان الاحتلال لوضع حدّ نهائي للحرب العدوانية الاسرائيلية على لبنان، ولو ان شروط هذا التفاوض غير مكتافئة، ولو ان لبنان الرسمي حدّد ثوابت قال انه لن يتراجع عنها، لكنها لا تشكل وزناً بالميزان الاسرائيلي والاميركي ايضاً. ذلك ان الاحتلال الاسرائيلي يعتبر انه حقق “انتصارات او إنجازات ميدانية” تؤهله للتفاوض بشروط امنية وسياسية عالية السقف، وتدعمه في هذا التوجه الادارة الاميركية، بينما يكتفي لبنان بالاتصالات الدبلوماسية مع الدول الشقيقة والصديقة التي تواصلت مع الاميركي والاسرائيلي وحققت بعض النتائج الهزيلة لجهة دعم احقية مطالب لبنان بإنسحاب قوات الاحتلال، على امل ان تتسع هذه النتائج لاحقاً لتنفيذ ما تم الاتفاق عليه في جلستي المفاوضات الاخيرتين بين الدبلوماسيين في واشنطن. حيث يرى لبنان الرسمي انه يمكن البناء على ما تحقق في جولات التفاوض لمراكمة مكاسب اضافية بعد “مكسب” إقرار الانسحابات المرحلية لقوات الاحتلال، مع انها لم تُنفذ حتى كتابة هذه السطور.وهنا يفترض بالوفد اللبناني المفاوض اثارة هذا الموضوع مع الراعي الاميركي المشرف على المفاوضات لمعرفة موعد الانسحابات.
ويبقى السؤال كيف يمكن للبنان المواءمة بين حد التفاوض المطلوب والمفروض، وبين تلبية مطالبه الوطنية المحقة؟
