بعد أن تحولت عقيدة بن غوريون إلى واقع جيوسياسي مفروض في السودان والصومال
“إن العالم العربي ارتكب أخطاءًا استراتيجية بالتخلي عن الصومال والسودان خلال العقود الماضية، وقد استفادت إسرائيل من حالة الصمت العربي الطويل ومن غياب الضغط السياسي والدبلوماسي الحقيقي، ما سمح لها بتوسيع نفوذها إقليميا” تصريح ورد على لسان وزير الإعلام الصومالي والمرشح الرئاسي الأسبق زكريا محمود حاجي تعليقا على ما تتعرض له الدولتان العربيتان من مخاطر بسبب تراجع الاهتمام العربي بهما مما خلق ثغرات استغلها الخصومِ. وهو تصريح يؤكد الشكوك المثارة حول الدور الخطير للكيان الصهيوني للعبث في بعض الدول العربية ومنها السودان والصومال، حيث تشهد الأولى حربا ضروسا لا يريد أطرافها أن يطفئوا نيرانها، والثانية لم تكد تنعم بالاستقرار لفترات قليلة حتى عاد التوتر يسود الأوضاع في الشارع الصومالي بسبب حالة الانقسام والخلافات حول بعض القضايا السياسية، وفي كلا الحالتين لا تتوقف دولة الاحتلال الإسرائيلي عن التدخل لإشعال الفتن تحقيقا لمصالحها وأطماعها في توسيع دائرة نفوذها خاصة في تلك المنطقة الحيوية من القارة الإفريقية والتي تطل على ممرات مائية ذات أهمية استراتيجية.
تحذيرات أجنبية من خطر الموساد
والعبث الصهيوني بأمن واستقرار السودان والصومال بالتدخل الضار في شؤونهما ليس مجرد شكوك وهواجس يعبر عنها السياسيون أو يحذرون من احتمالات حدوثها، وإنما هي حقائق كشفتها وقائع باعتراف الكيان الصهيوني نفسه. لقد أعلنت الإذاعة الرسمية للاحتلال الإسرائيلي عن عودة 50 عنصرا من القوات الخاصة إلى أرض الصومال بعد تلقيهم برامج تدريب وتأهيل عسكرية في إسرائيل، وفقا لصحيفة التلغراف البريطانية، وهو خبر يثير المخاوف لأنه يعني تقديم الدعم لإقليم انفصالي غير معترف به وتهديدا للسيادة الصومالية ووحدة الأرض.
ووصلت خطورة الأمر إلى الإعلان عن زيارة لرئيس الإقليم الانفصالي عبد الرحمن محمد عبد الله للكيان الصهيوني في خطوة تمهيدية لتوطيد العلاقات بعد افتتاح سفارة للإقليم في تل أبيب، وزيادة التعاون في مجال التكنولوجيا والأمن البحري خاصة مع ما تتمتع به أرض الصومال من موقع استراتيجي على خليج عدن، وذلك بحسب ما نشرته صحيفة يديعوت أحرونوت.
وكانت تقارير إعلامية نشرتها شبكة سي إن إن الأمريكية قد كشفت عن قيام إسرائيل بنشر وحدات عسكرية واستخباراتية بشكل سري واستغلال بعض المناطق ومنها أرض الصومال في حربها ضد إيران.
ومن الصومال إلى السودان لا يختلف الأمر كثيرا بل يزداد سوءا وتزداد معه خطورة التدخل الإسرائيلي في ظل حالة الفوضى الأمنية والفراغ السياسي الذي يشهده السودان نتيجة الحرب الأهلية لسنوات؛ حيث يتم التدخل للعمل على إبقاء الحرب مشتعلة ووأد محاولات التهدئة وذلك بدعم أحد طرفي الصراع، وهو ما تؤكده أيضا وقائع معلنة. لقد كشفت تقارير أمريكية أن وفودا تابعة لقوات الدعم السريع قامت بزيارة سرية لتل أبيب لتقديم قوائم طلبات عسكرية وأمنية، وتم توجيه اتهامات للموساد الإسرائيلي بمد الدعم السريع بأجهزة متطورة ساعدتهم على تحقيق تفوق ميداني في بعض مراحل الحرب ضد الجيش السوداني.
وكما حذرت شخصيات سودانية وعربية من خطورة التدخل الإسرائيلي في السودان، كانت هناك تحذيرات من خبراء أجانب بارزين في الشأن الإفريقي ومنهم البريطاني أليكس ديوال الذي نشر عدة تحليلات عن خطورة عسكرة الدبلوماسية الإسرائيلية في السودان، وإشارته إلى وجود تواصل بين الموساد الإسرائيلي وأطراف مسلحة منها قوات الدعم السريع. كما حذر كاميرون هدسون المسؤول السابق في وكالة الاستخبارات الأمريكية في تقارير بحثية من توابع غض أمريكا الطرف عن علاقة الاستخبارات الإسرائيلية ببعض جنرالات الحرب في السودان ودعمهم بشكل أدي إلى مزيد من الخسائر البشرية. والمثير في الأمر اعتراف ضمني من شخصيات إسرائيلية بهذه التدخلات في الشأن السوداني مثلما كشف باراك رافيد المحلل السياسي الإسرائيلي عن كواليس الانقسام داخل المؤسسة الإسرائيلية بخصوص خطورة اللعب على الحبلين؛ الجيش وقوات الدعم، لإبقاء الحرب بينهما وعواقبه الوخيمة في تهديد الاستقرار الإقليمي وربما نسفه بالكامل.
عقيدة بن غوريون
أمام هذه الوقائع والقرائن يجدر بنا أن نتوقف وندرس بعمق أبعاد الدور الإسرائيلي داخل قطبي القرن الإفريقي ومخطط طموحاته في البحر الأحمر من خلالهما.
إن ما تقوم به إسرائيل علنا وسرا من أدوار خاصة بمخططاتها طويلة المدى في الصومال والسودان لا ينفصل عن عقيدة بن غوريون التي تقوم عليها الاستراتيجية الصهيونية منذ تم زرع هذا الكيان في المنطقة العربية، وهي استراتيجية تفكيك دول الطوق العربي والتعامل مع الدول غير العربية المجاورة لإضعاف العمق العربي. وقد أثبتت الوقائع أن هذه الاستراتيجية خرجت من إطار التسريبات المخابراتية وتحولت إلى واقع جيوسياسي مفروض. ففي السودان توجد قرائن على قيام الكيان الصهيوني بدعم حركات الانفصال منذ سنوات بعيدة والذي كان من نتائجه انقصال جنوب السودان عن السودان الأم. وهو نفس ما تفعله الآن في الصومال بدعمها للإقليم الانفصالي غير المعترف به دوليا، إقليم أرض الصومال، بهدف إضعاف الجسد الصومالي وتهديد أمنه ووحدة أراضيه.
وقد ساهمت الأهمية الاستراتيجية لموقع كل من السودان والصومال على البحر الأحمر وخليج عدن في تحريك شهوة إسرائيل للعبث بأمن هذه المنطقة.
أولا: استثمار فوضى السودان وابتزازه سياسيا
ومن هذا المنطلق وفي فترة قبل الحرب، حرصت دولة الاحتلال على توظيف حاجة السودان لرفع العقوبات بابتزازه سياسيا والضغط عليه لتوقيع الاتفاقيات الابراهيمية.
وبمراقبة الموقف الإسرائيلي الرمادي من الحرب في السودان وطرفيها نجد أنها عملت على استمرار الفوضى والاستثمار فيها من خلال اللعب على حبل الانقسام العسكري بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع وتأجيج الحرب بينهما بهدف استنزاف الطرفين من جهة، والحيلولة دون عودة السودان كقوة إقليمية عربية في المنطقة من جهة أخرى، والعمل على ضمان عدم صعود حكومة سودانية رافضة للتطبيع.
كما تحرص تل أبيب على قطع الطريق على أي نفوذ إيراني أو روسي محتمل على السواحل السودانية ومنع تشكيل أية جبهة تهدد الملاحة الإسرائيلية المتجهة إلى ميناء إيلات، وتستخدم في ذلك الخرطوم كساحة للتفتيت.
ثانيا اختراق الصومال عبر بوابة الانفصال
لجأت إسرائيل إلى التحرك على مسارين متوازيين في الصومال، أولهما الاختراق والتطويق، وثانيهما اللعب على الحركات الانفصالية. لقد نجحت دولة الاحتلال على مدار عقود طويلة في استغلال حالة الفوضى واللادولة التي مر بها الصومال بسبب الحروب الأهلية والصراعات الداخلية، في استغلال هذا الوضع وغياب الدولة المركزية في تعميق اختراقها الأمني للصومال وإنشاء شبكات استخباراتية لمراقبة حركة الملاحة. ومن خلال هذا النشاط المخابراتي عملت على مكافحة النفوذ الإقليمي ومحاصرة أي تمدد تركي أو إيراني في القرن الإفريقي.
و على المسار الآخر الموازي شجعت ودعمت انفصال إقليم أرض الصومال عن البلد الأم وكان الاعتراف الإسرائيلي به والإعلان عن خطط تبادل السفارات بمثابة لطمة على وجه الصومال لما يمثله من تطويق لمقديشو وإضعاف حكومتها المركزية الرافضة للتطبيع، وتعميق لشرخ الدولة الفيدرالية الصومالية.
ولاشك أن هناك خطورة أمنية واستراتيجية لهذه العلاقة غير السوية بين دولة احتلال وإقليم لا سيادة شرعية ولا قانونية له، وهذه الخطورة لا تهدد أمن الصومال وحده وإنما الأمن القومي العربي ككل باعتبار الصومال امتدادا للعرب في إفريقيا. ذلك لأن الدولة الصهيونية تسعى لاستغلال هذه العلاقة في الحصول على موطئ قدم على مضيق باب المندب بما يعني مزيدا من التغلغل نحو الممرات المائية الحيوية لتمكينها من مواجهة قوى المقاومة وحماية الملاحة الخاصة بها عبر بوابة أرض الصومال.
أدوات ووكلاء
تعتمد إسرائيل في تحقيق استراتيجيتها في السودان والصومال على بعض الأدوات كما تلجأ أيضا لوكلاء من حلفائها المقربين بالمنطقة. فهي تستعين بالمساعدات الإنسانية والشركات الأمنية كغطاء لتحسين صورتها وتقديم نفسها كدولة متعاونة تقدم الخدمات خاصة في مجال الزراعة والمياه كمدخل ناعم للتغلغل. كما تعرض خدماتها على بعض الأطراف المحلية داخل هاتين الدولتين في المجال التكنولوجي والأمني والاستخباراتي لضمان الولاء والتأثير من خلالهم. كما تستخدم الدبلوماسية التكنولوجية والأمنية من خلال برمجيات التجسس والدعم الاستخباراتي التقني كأوراق للضغط والمساومة مع الحكام وزعماء الحروب للتمكن من اختراق الأجهزة الأمنية الحساسة.
ومن جهة أخرى تلجأ دولة الاحتلال لبناء تحالفات وثيقة مع أطراف إقليمية إفريقية مثل إثيوبيا لتطويق الصومال والسودان سياسيا أو ماليا كما فعلت من خلال دعم مشروع سد النهضة. كما توجد تقارير تشير إلى أن التحالف الاستراتيجي بين إسرائيل وإثيوبيا والمعروف باتفاق بربرة يهدف إلى تأمين شريط ساحلي على خليج عدن بمدخل مضيق باب المندب بطول 20 كيلومترا.
وقد استعانت بمثل هذا التحالف مع إثيوبيا وغيرها من الأطراف الخليجية في تسهيل الوساطة لتحقيق التقارب مع الفصائل المتقاتلة في السودان أو الأطراف الانفصالية في الصومال.
تداعيات خطيرة
لاشك أن هذا النشاط المريب للكيان الصهيوني في دولتين كبيرتين بمنطقة القرن الإفريقي الحيوية وفي إطار الاستراتيجية التاريخية التي قام عليها الكيان وهي عقيدة بن جوريون، يشكل تهديدا خطيرا على الأمن القومي العربي وذلك لما يسفر عنه ذلك من نتائج خطيرة متمثلة في:
- استمرار حالة عدم الاستقرار والحروب والصراعات الداخلية ومزيد من التفتيت للسودان والصومال بما يحقق الهدف الإسرائيلي في البقاء خارج معادلة الصراع العربي الإسرائيلي.
- خلق كيانات هشّة ودول فاشلة في الخاصرة الجنوبية للعالم العربي تعيق أي عمل عربي مشترك.
- تحويل البحر الأحمر – الذي تمر منه 10% من حركة التجارة العالمية- من بحيرة عربية خالصة إلى منطقة نفوذ إسرائيلي مباشر بما يعني زيادة التهديد للأمن القومي العربي وللتجارة العالمية.
- تمكين إسرائيل بموجب تحالفاتها الإقليمية من الحصول على منصة مراقبة استخباراتية متقدمة لرصد الطائرات المسيرة والصواريخ المتجهة صوب البحر الأحمر
- عزل مصر وتطويقها من الجنوب عبر العبث بملفات استراتيجية مثل أمن المياه، أمن الملاحة في قناة السويس.
كيفية التصدي للمخطط الصهيوني؟
أمام هذا الخطر يثور التساؤل هل انتهى الأمر وعلى العرب الاستسلام أم أن الفرصة لازالت متاحة للتصدى لهذا المخطط الصهيوني في العمق العربي الإفريقي؟
لاشك أن الفرصة سانحة لاتخاذ تدابير لمواجهة هذا الخطر لكنها تستلزم تجاوز مرحلة ردود الفعل المؤقتة نحو استراتيجية عربية مستدامة تضمن سد الفراغ والثغرات التي تنفذ منها دولة الاحتلال وتكفل التواجد العربي بشكل يتناسب مع وزنه. ويمتلك الطرف العربي مجموعة من الأوراق المهمة التي تساعد على تحقيق هذا الهدف منها:
- سلاح الاستثمارات أو ما يعرف بالدبلوماسية الاقتصادية
حيث يمكن تقديم الدعم الاستثماري والتكنولوجي لشعوب منطقة القرن الإفريقي التي تعاني من الفقر والأزمات الاقتصادية بشكل يسحب البساط من تحت أقدام إسرائيل ويجعل وعودها لفقراء إفريقيا بلا قيمة.
- سد الفراغ الأمني في السودان
يجب على الدول العربية العمل على تفعيل مبادرة موحدة وجادة لفرض وقف إطلاق النار ودعم مؤسسة عسكرية وطنية موحدة لتحقيق الاستقرار والقضاء على حالة الفوضى الأمنية التي تستغلها إسرائيل وعملاؤها من شبكات التجسس والتهريب.
- دبلوماسية تطويق إسرائيل في إفريقيا
حيث يجب على العرب بما يمتلكونه من دبلوماسية عريقة في توطيد العلاقات مع عرب إفريقيا استغلالا للروابط التاريخية والدينية فيما بينهم بما يجعلهم أقرب إليهم وأبعد ما يكون عن النفوذ الصهيوني.
- التنسيق الأمني والسياسي العربي الإفريقي
ويتمثل هذا العنصر في بناء تحالفات مضادة كما حدث عندما سارعت مصر بتشكيل محور ثلاثي مع إريتريا والصومال لقطع الطريق على الأطماع البحرية لتل أبيب وأديس أبابا. وهو ما يرتبط بتكامل هذا الدور مع دول عربية ذات ثقل اقتصادي مثل المملكة العربية السعودية والتي تمتلك نفوذا سياسيا واقتصاديا في منطقة شرق إفريقيا بما يحفظ للعالم العربي مكانته ومصالحه على البحر الأحمر وخليج عدن.
وفي الختام نؤكد أن ترك المساحة خالية يتيح الفرصة لاختراق الخصوم والأعداء واستغلال الوضع ضد المصالح العربية. ولذلك ينبغي على النظام العربي الإقليمي أن يشهد حالة من الاستفاقة الدبلوماسية والعسكرية لمواجهة التمدد الإسرائيلي في القرن الإفريقي واتخاذ التدابير والإجراءات الجادة التي تضمن فعالية الوجود العربي في هذه المنطقة.
