يُقدَّم وقف إطلاق النار في الأصول الدبلوماسية باعتباره الخطوة الأولى نحو السلام لكن التجارب الدموية التاريخية في الشرق الأوسط تدفع بنا، وخصوصاً في الصراع العربي الإسرائيلي، إلى التعامل معه بحذر نظري وواقعي أكبر. لا تتعلق المسألة بمجرد توقف العمليات العسكرية، بل بطبيعة البنى السياسية التي أنتجت الحرب وبالظروف التي جعلت العنف خيارًا عقلانيًا أو ربّما غير عقلاني لدى المتصارعين. بهذا المعني، لا يمكننا اختزال الصراع في لحظة إطلاق النار أو إيقافها ممّا يقودنا غالبًا إلى قراءات سطحية ومحاولات إعلامية وإنسانية لمعضلات تاريخية أعمق بكثير وخصوصاً في الصراعات العربية الإسرائيلية التي تتجاوز الأطراف المتصارعة فتتعلق آنئذٍ بتوزيع القوة، وذاكرة الجماعات المعادية تاريخياً واختلال النظام الإقليمي أو عجزه وصولاً إلى ترقب النضج الدموي بحثاً واسعاً عن حدود القانون الدولي ذاته.
لا تنشأ الحروب، في جوهر الأمر، لأن الأطراف المُعادية ترفض السلام من حيث المبدأ، بل لأنها تختلف حول شروطه ومعناه وتكلفته وعُقده التاريخية والدولية. يبدو لي مفهوم السلام في الصراع العربي الإسرائيلي قيمةً غير مجردة ممكن الاتفاق عليها وحولها، أو ترتيباً عسكرياً سياسياً دولياً يحدد الرابح والخاسر أو إعلان من يملك القرار ومن يخضع له أو من يفرض روايته على التاريخ ومن يُدفع إلى السكون في الهامش التاريخي. ولهذا كلّه، يبدو لنا غالباً، ونحن من جيل ال 1948، وقف إطلاق النار لحظة تجميد مؤقتة للصراعات
2
التاريخية حول تراكمات من الأسئلة عبر الأجيال لا إجابات نهائية عنها. إنه يوقف المعارك العسكرية لحين فوق ركام الخرائب وأرقام الضحايا، لكنّه لم ولا ولن يوقف الأسباب التاريخية العميقة والمتخمرة للتناقضات المتراكمة التي دفعت وتدفع الأطراف عينها إلى المواجهات المتلاحقة أصلًا.
الدنيا تنتظر هدنة بدون الألف واللام في الصراع العالمي العربي اللبناني والإسلامي وفي قلبه حزب الله ولبنان وإيران ودول العالم العظمى والعربية والصغرى، لكن من منظور الواقعية السياسية، تبدو هذه الهدنة التي يتوق إليها العالم انعكاسًا متحوّلاً متبدّلاً ومباشرًا لموازين من القوى الدولية والإقليمية أكثر مما تبدو انتصارًا لإرادة السلام ولو كان هشّاً. عندما يقتنع أحد الأطراف بأن استمرار الحرب بات أكثر كلفة من تعليقها، تنشأ فرص للتهدئة تظل رهينة استمرار ذلك الطموح الإنساني على الأقل.
الحروب الكبرى التي نعاينها اليوم في لبنان الصغير، لا تجري بين جيوش فقط، بل عبر فضاءات مشبعة بالصواريخ وبالرموز والهويات والذاكرات التاريخية التي تتجاوز بكثير لبناننا الصغير. ومن هنا فإن أي قراءة تنتظر حاصل الحسابات العسكرية تتجاهل عودة إنتاج الصراع داخل الوعي الجماعي اللبناني والعربي والإسلامي والأممي من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب والشمال والجنوب.
غداً ولا أدرك أي غدٍ، قبل نشر هذا النص أو بعده، سيخرج لبنان المدمّر بالمعاني الشاملة الكاملة الدموية المرضية ممّا نكابده ونحن نكتب في جحيمه، لأنّ البنية الشعبية الشعورية الكاملة الباقية ستبقى
3
مسكونةً بالخوف وانعدام الثقة لأن العنف يغادر المجال العام لتستقر الأحزان والأمراض المتراكمة النفسية والسياسية والثقافية كي لا نقول الطائفية والمذهبية المرضية. تبدو لي الهوية اللبنانية تحديداً سجينة الخطر الوجودي إذ يمرّ السلام لمحاً مؤقتة بينما تستقر الحروب باعتبارها احتمالًا دائم الحضور فوق جبهة الشرق الأوسط الغني بخيراته البترولية وغازه. نقرأ فوق هذه الجبهة أننا منطقة لن تعيش سلامًا مستقرًا ولا حروبًا عالمية شاملة، بل حالة وسطى أصبحت مع الوقت نمطًا دائمًا للحكم والإدارة والحضارة القلقة. إنها منطقة رمادية تتآكل فيها الحدود التقليدية بين السلم والحرب تستمر المفاوضات فيها بالتوازي مع الاستعدادات العسكرية، وتُبرم اتفاقات التهدئة بالتزامن مع بناء عناصر المواجهة المقبلة، ويصبح الاستقرار حالة مؤقتة تحتاج أبداً إلى إدارة مستمرة بديل أن يصبح واقعًا راسخًا. يمكنني البوح بأننا أبناء أنظمة الأزمات الدائمة حيث لا صراعاً يُحسم أو يخرج عن حدود إقليمية ودولية معينة. تجد المجتمعات أجيالها عالقة في أزمنة سياسية لا تستطيع العودة بسهولة إلى ما قبل الحروب ولا الوصول فعلاً إلى السلام بالألف واللام ما بعدها.
ولو سألت هنا عن جوهر القانون الدولي والمؤسسات والمنظمات الدولية، يبدو لي تراكم محاولات تحويل القوة إلى قاعدة والاستثناء إلى نظام، والعنف إلى مسؤولية خاضعة للمحاسبة كلاماً دولياً وإعلاماً مرصودا لكن فعالياته بقيت وستظل رهينة إرادة سياسية كبرى وآليات تنفيذ قادرة مرحليا على فرض الالتزام. لكن حذارِ، عندما تغيب هذه العناصر، يتحول القانون الدولي إلى مرجعية أخلاقية إعلامية أكثر منه قوة منظمة للعلاقات الدولية. هكذا تتعرّى المفارقة الكبرى إذ أنّ
4
كل الأطراف تروح تتحدث بمنطق الشرعية، لكن الوقائع على الأرض تستمر في التحرك تغذّيها بمنطق القوة.
تعب التاريخ من تلقيننا أن الصمت العسكري ليس مرادفًا للسلام. تتوقف البنادق؟ صحيح. لكنّ الأسباب التي أطلقتها باقية. ستنتهي هذه المعارك فيما تبقى البنى المنتجة للصراع العربي الإسرائيلي على حالها. السلام الحقيقي لا يبدأ عندما تصمت المدافع والتراشق بالصواريخ وحمم الطائرات العسكرية وحسب، بل عندما تفقد الحرب وظيفتها العسكرية والسياسية ويصبح اللجوء إليها خيارًا غير مجدٍ استراتيجيًا للشهوات المُقيمة قي أشداق العظمة الدولية لكأنه غير مقبول اجتماعيًا وهو صار غير محتمل اقتصاديًا.
لا يتوقف مستقبل الشرق الأوسط على قدرات في اجتراح المزيد من اتفاقات وقف النار، بل على اجتراح الانتقال من إدارة الأزمات والحروب إلى معالجة أسبابها البنيوية لأنّ الحروب تتغذى من اختلالات أعمق تتعلق بالسلطة والهوية والعدالة والتنمية والشرعية والتفاهمات الإستراتيجية العربية والإسلامية والعالمية.
لست أدري كم حلمت وأحلم بطمر مفهوم الهدنة أو الهدن من لسان العرب لكونها لحظات سكون فوق بحور دماءٍ تاريخية ما عرفت السلام، فيما تستمر التيارات الدول العميقة في دفع المنطقة نحو دورات جديدة من عدم الاستقرار.
