هل يتجه العالم اليوم نحو مزيد من الحروب؟

أنظر إلى هذا العالم الغريب الحافل بالحروب والمصائب في غير بقعة من بقاعه الشاسعة، فأتساءل بيني وبين نفسي عما إذا كان الإنسان مفطوراً على الحرب أم على السلم، فأتذكر قول الفيلسوف الألماني فاغنر “إن العالم سيبقى دائما عالم لصوص ومجرمين وأوغاد”. وإذا كانت هذه هي طبيعة الإنسان فما الفائدة من الأديان إذن، إذا كانت هي نفسها سببا من أسباب الصراع، كما الحال في “الشرق الأوسط”، الذي يشهد صراع “الكتب المقدسة”. وما الذي فعلته الأديان، المفترض أن ترشد الناس إلى العمل الصالح ويكونوا بشرا كاملين كما جاء في الإنجيل؟

في غمرة هذا التساؤل تعود إليّ الآية القرآنية “ونفسِ وما سوّاها فألهمها فجورها وتقواها” وتأخذني، إلى مزيد من التساؤل: إذا كان “الله” في القرآن يريد الناس وأن تجعلهم مؤمنين مسالمين، فلماذا أوجد الفجور في النفس البشرية؟ هل يريد من ذلك أن يمتحنهم؟

منذ أن بدأ الإنسان يدوّن تاريخه، والحرب ترافق مسيرته كما يرافقه حلم السلم. فقد عرفت البشرية الإمبراطوريات الكبرى، والثورات، والغزوات، والحروب العالمية، لكنها في الوقت نفسه، عرفت أيضاً فترات طويلة من التعايش والتعاون وبناء الحضارات. لهذا ظل السؤال الفلسفي قائماً: هل الإنسان بطبيعته كائن عدواني مفطور على الحرب؟ أم أنه يميل أصلاً إلى السلم، لكن الظروف السياسية والاقتصادية تدفعه إلى الصراع؟

لقد اختلف الفلاسفة والمفكرون حول هذا السؤال اختلافاً عميقاً. الفيلسوف الإنكليزي توماس هوبز رأى أن الإنسان أناني وعدواني بطبعه، وأن “الإنسان ذئب لأخيه الإنسان”، لذلك فإن الحياة دون قوانين وسلطة تتحول إلى صراع دائم، وهذه الفكرة لا تزال حاضرة في كثير من التحليلات السياسية الحديثة.

في المقابل، اعتبر الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو أن الإنسان يولد مسالماً، وأن المجتمع بما يحمله من ظلم وتفاوت هو الذي يفسده ويدفعه إلى العنف. فالطفل الصغير لا يعرف الحقد أو الكراهية بالفطرة، بل يكتسبها من بيئته وتجربته الحياتية.

والحقيقة أن الإنسان يحمل الاستعدادين معاً: القدرة على العنف، والقدرة على الرحمة. في داخله غريزة البقاء والدفاع عن النفس، لكنه يمتلك أيضاً العقل والأخلاق والتعاطف، لهذا يمكن أن يتحول إلى محارب شرس في ظروف معينة، أو إلى صانع سلم في ظروف أخرى.

ولو تأملنا التاريخ الإنساني لوجدنا أن الحروب لم تكن دائماً نتيجة طبيعة بشرية خالصة، بل كانت غالباً نتيجة الطمع السياسي والاقتصادي والصراع على النفوذ والثروات. فالحروب الكبرى قامت بسبب الأرض أو الموارد أو السيطرة أو الهيمنة الفكرية والدينية. وحتى اليوم ما تزال المصالح الاقتصادية والاستراتيجية سبباً أساسياً في معظم النزاعات الدولية. وقد أشار كثير من المحللين المعاصرين إلى أن الحروب الحديثة أصبحت أكثر تعقيداً وتشابكاً مع الاقتصاد والتكنولوجيا والإعلام.

لكن إذا كان الإنسان يميل إلى الحرب بطبيعته، فكيف نفسر وجود الحضارات والقوانين والمؤسسات الدولية؟ وكيف نفسر أن أغلب البشر في العالم يريدون حياة آمنة ومستقرة؟ إن ملايين الناس يعملون يومياً من أجل بناء أسرهم وتعليم أبنائهم وتحقيق مستقبل أفضل، لا من أجل خوض الحروب. وهذا يدل على أن السلم ليس مجرد حلم مثالي، بل حاجة إنسانية عميقة.

لقد نشأت القوانين والأديان والأخلاق أصلاً من أجل الحد من العنف وتنظيم العلاقات بين البشر. فكل الحضارات تقريباً مجّدت قيم التعاون والعدل والتسامح، واعتبرت القتل والحروب شراً يجب تجنبه إلا في حالات الضرورة القصوى، ومع ذلك فإن العالم اليوم يبدو كأنه يعيش مرحلة جديدة من التوتر وعدم الاستقرار. فالحروب لم تعد فقط مواجهات عسكرية تقليدية، بل أصبحت تشمل الحروب الاقتصادية والإلكترونية والإعلامية والسيبرانية. وهناك أزمات مشتعلة في غير من منطقة من العالم، إضافة إلى سباق التسلح والتنافس بين القوى الكبرى. إن العالم يشهد تصاعداً في بؤر الصراع والتوترات الجيوسياسية، ومع ذلك، لا يعني هذا بالضرورة أن العالم يتجه حتماً إلى حرب عالمية شاملة. فهناك عوامل جديدة تمنع ذلك، أهمها الترابط الاقتصادي العالمي والخوف من الأسلحة النووية. فالدول الكبرى تدرك أن أي حرب شاملة قد تؤدي إلى خسائر كارثية على الجميع، ولهذا غالباً ما تُدار الصراعات بشكل غير مباشر أو عبر حروب بالوكالة، كما أن التكنولوجيا الحديثة جعلت العالم أكثر ترابطاً، فأزمة في دولة ما تؤثر اقتصادياً وسياسياً على دول بعيدة جداً، لهذا أصبح السلم مصلحة مشتركة أكثر من أي وقت مضى، كما أن وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي تنقل صور الحروب والمعاناة لحظة بلحظة، مما يزيد وعي الشعوب بخطورة الصراعات.

ومن اللافت أيضاً، أن كثيراً من النقاشات الشعبية الحديثة على شبكة المعارف “الإنترنت” تعبّر عن خوف حقيقي من تصاعد الحروب، لكنها في الوقت نفسه تؤكد أن أسباب الصراع ما تزال قائمة: الطمع، والهيمنة، والخوف، والتنافس على الموارد. من هنا، لا يبقى السؤال الحقيقي: هل الإنسان مفطور على الحرب أم على السلم، بل: أي جانب من طبيعته نغذّي؟ فإذا تربى الإنسان على الكراهية والتعصب والخوف، أصبح أكثر ميلاً إلى العنف، أما إذا تربى على الحوار والعدالة والاحترام، فإنه يصبح أكثر قدرة على التعايش.

لقد أثبت التاريخ أن الإنسان قادر على ارتكاب أبشع الحروب، لكنه قادر أيضاً على بناء أعظم الحضارات. فبعد الحربين العالميتين المدمرتين، استطاعت أوروبا أن تتحول من ساحة صراع دموي إلى نموذج للتعاون والوحدة السياسية والاقتصادية. وهذا دليل على أن السلم ليس مستحيلاً، بل يحتاج إلى إرادة سياسية وثقافة إنسانية واعية.

وفي النهاية، يمكن القول إن الإنسان ليس مخلوقاً حربياً بالكامل، ولا مسالما بالكامل، بل هو كائن يحمل إمكانات متعددة. والحروب ليست قدراً محتوماً، لكنها تظل احتمالاً قائماً ما دامت أسباب الظلم والطمع والصراع موجودة. أما مستقبل العالم، فإنه سيتوقف على قدرة البشر على تغليب العقل والحوار على القوة والعنف. ورغم كثرة الأزمات الحالية، يبقى الأمل في السلم قائماً، لأن الإنسان، مهما خاض من حروب، يظل يبحث في أعماقه عن الأمن والاستقرار والحياة الكريمة.