هو واحد من الجيل الذي حمل على عاتقه، رسالة الطرب،في عالمنا العربي المتغير،فقد شب في زمن،كان فيه جيل العمالقه ينتشر على مساحة عريضه من فن الطرب،كان جيلا يملأ السمع والبصر.. عبد الوهاب وفريد الاطرش وعبدالحليم حافظ ووديع الصافي،وناظم الغزالي ،وغيرهم من الاساطين في عالم الغناء،الذين كانوا يشدون بأصواتهم ،فتتمايل الرؤوس، نغما وطربأ.وتنتعش النفوس نشوة ووجدا .وقد نشأ هاني شاكر في نهايات ذلك العصر من هذا الجيل الذي تشكل من الأفذاذ في عالم النغم سواء في دنيا الكلمه وجمالها ،او اللحن في عالم الموسيقى وسحرها . ينتمي هاني شاكر الى هذا الجيل الثاني الذي تربي على قيمة الرتم ،وجلال النظم والنغم،وقد كان قدر هذا الجيل اللاحق ان يوكل اليه حراسة ذلك المعبد، من الفن الرفيع، وهو ما نطلق عليه (الطرب الأصيل). ذلك الجيل الذي مازال يغنى ويشدو (بصوته )وليس(بقدمه)،كما شاهدنا وتوجعنا ،ونترحم على زمن مضى ان لم يكن تبدد. انه جيل هاني شاكر ومدحت صالح وعلي الحجار،وكاظم الساهر ،وصابر الرباعي. والمغربي المطرب الراحل عبده شريف. ونحن اليوم نودع قطبا كبيرا من تلك المدرسة، الذي اطلق عليه جمهوره (أمير الغناء)
هاني شاكر.. ومسيرته الفنيه
كان اول ظهورلهاني شاكر في فيلم (سيد درويش)عام 1966 الذي قام ببطولته الفنان (كرم مطاوع) وكان هاني شاكرفي ذلك الوقت ،لا يتجاوز سن الرابعة عشر عاما،من عمره،وكان يمثل في الفيلم دور(سيد درويش) في صباه حيث تفتحت موهبته في الغناء وترديد الألحان. ظهر هاني شاكر في لقطات قليله ومحدده، تنبئ في مضمونها ان عملاق الموسيقى الشرقيه (سيد درويش) اصبح نفسا يتردد ،وفي سبيله لصنع ثروة حيه من الموسيقى والالحان يعبر بها مسافات وابعاد، ويشكل بها اذنا جديده للمستمع المصري،خصوصا والعربي عموما، تستمتع باللحن الذي يوضع لكي يصورالكلمات ،وينقل الاحساس للمستمع بجوهر المعنى، وليس فقط بوضع فواصل بين الكوبليهات، من خلال دندنه،ومجرد ترنيمات. كان هاني شاكر ايضا واحدا من مجموعة الكورال التي صاحبت العندليب (عبدالحليم حافظ) في انشودة (بالأحضان) التي كتبها (صلاح جاهين).ولم يكن اختياره صدفة،وانما كان نتيجه طبيعيه لمشاركاته في برامج الاطفال ،وكذلك لتأهيله الفني،فقد كان دارسا في المعهد العالي للموسيقى العربيه (الكونسرفتوار).
بدايات البزوغ والانتشار
كان هاني شاكر على موعد مع الشهره والانتشار،حين غنى اول اغنية،و كانت بذاتها، نقطة الانطلاق في رحلته الفنيه ،كانت الأغنية من خلال حفل أقامته مصلحة الضرائب،وتصادف ان كان تاريخ هذا الحفل يوم 21 ديسمبر 1972)،وكان يوم ميلاده (21 ديسمبر1952) اي انه كان في سن العشرين. كانت الأغنية (حلوه يا دنيا ) من كلمات (فتحي الغندور)ولحن (محمد الموجي)،والموجي كما معروف هو اول من لحن للعندليب (عبد الحليم حافظ) في اغنية(صافيني مره).وتعد اغنية (حلوه يادنيا)هي شهادة الميلاد الفني للمطرب الناشئ (هاني شاكر). تعددت بعدها الاغنيات،وكفلت له نوعا من الذيوع حتى 1974 ،لكي يتخطى مفهوم الانطلاق،ويسجل قفزة جديده في ميدان الطرب،حين اصدر اول البوماته الغنائيه من جانب،وهو البوم( كده برضه ياقمر)،ومن جانب اخر قدم مسرحية (سندريلا والمداح)و هي مسرحيه غنائيه استعراضية بطبيعة الحال مستوحاه من القصة الشهيره في عالم الأدب (وهي قصة سيندريلا) التي كتبها الأديب الروائي الفرنسي (شارل بيرو)،وقامت بدور البطوله امامه الفنانه (نيللي) وكانت نجمه مرموقه وصاعده في ذلك الحين.
الانفتاح واّثاره المدمره فنيا
ينسب الى مؤسس علم الاجتماع المفكر العظيم (ابن خلدون) قوله (حين تتراجع الحضاره فان اول ما يتأثر بها هو فن الغناء) ونجد مصداقية لهذا القول في ما حدث لقطاع الفن بشكل عام وفن الغناء بشكل خاص ،بعد عبور اكتوبر المجيد عام 1973،واعلان الرئيس السادات سياسة (الأنفتاح الأقتصادي)،واصدق تعبير في وصف هذا الانفتاح، واّثاره المدمرة،مقال نشره الكاتب الكبير (احمد بهاء الدين) تحت عنوان ( هذا الأنفتاح السداح مداح) عدد فيه تبعاته الكارثيه،وهو يجري دون ضوابط، وقواعد مدروسه، مما اثار غضب الرئيس السادات الى حد بعيد ،فقد اعتمدت سياسات الأستيراد من الخارج دون تحويل عمله،كما جرت ايضا عمليات بيع منظمه ومخططه لشركات القطاع العام ،واعلان الرئيس السادات شعاره الشهير ان الولايات المتحده الامريكيه تملك (99%) من حل مشاكلنا،تاركا للارادة الوطنيه،وكافة العناصر الأخرى 1%، وكانت العودة عن انتهاج سياسة ترتكز على الارادة الوطنيه،واستقلال القرار الوطنى اثرها على دور الفن، بمعناه الشامل،والفن بطبيعته شديد الحساسية في التعبير والانفعال ،ومواكبة حركة التحرر الوطنى ووهجها العارم ،كما قال (ابن خلدون) .بدأت سلسله من الأفلام السينمائيه تهاجم حقبة التحرر الوطني ،ومنها ،الكرنك، واسياد وعبيد، واحنا بتوع الاتوبيس،وفي اطار ذلك المسخ الفنى، الذي يخاصم ضمير المشاهدين،ظهرت موجة جديده من الفنر الاستهلاكي الرخيص ،وهو( افلام المقاولات ) وهي افلام تعتمد على تلفيق الموضوعات ،دون قصة حقيقيه،والاعتماد على الضحك بشكل مبتذل ،مما ضاعف من حجم الاحباط العام، ،ثم فاقم من حجم التأثير السلبي لذلك الفن الهابط ،تلك القواعد الجديده في فن اللحن والغناء ،الذي تولى وضع اسسها في تلك الفتره الموسيقي (حميد الشاعري) وهي موجة من الموسيقى الصاخبه وترديد اغاني بلا مضمون والهدف الأيقاع الراقص، الذي ترافقه حركة الأقدام على الارض، دون الانشغال بالمعنى او صدق المشاعر والاحساس،أو الانفعال بأي معنى اجتماعي او رومانسي .مثل اغنية ( اخطف واجري) ووصلت تلك الموجه الى حد ان الموسيقار عبد الوهاب قال أنه (الغناء بالأقدام وليس بالأصوات) وكانت اشهر اغنية في تلك الفترة زمن الثمانينات اغنية( لولاكي) للمغنى (على حميده ) وقد قلبت موازين الموسيقى في ذلك الزمن، وكما حلل ايضا الموسيقار الخالد عبدالوهاب في تقييمه لتلك المرحله بقوله ( ان الاغنية تقوم على تلاثة اضلاع الكلمه واللحن والأداء او المغنى،واستطرد قائلا وانا اضيف ضلع رابع ،وهو الجمهور، ثم اردف قائلا (يبدو ان الجمهور الاّن لم يعد له وجود) . كانت حركة الفن في تلك الفتره من منتصف السبعينات حتى نهاية الثمانينات تقريبا، تموج بتلك التيارات الغريبه والمهوشة ،وتحمل الفنان هاني شاكر،وصفوة اخرى من خيرة المطربين الذين انحازوا الى قواعد (الطرب الأصيل) بمفهومه التقليدي وأهم ملامحه هو التركيز على الكلمة وسموها ،واللحن وتصويره وتعبيره من خلال انغام تهيم المشاعر بايقاعاتها،واصوات تشجو الآذان بأوتارها، بديلا عن حركات السيقان وايقاعات الاحذيه،ولذلك لم يندهش احد لموافقة الفنان الكبير عبد الوهاب على ان يقوم المطرب هاني شاكر، بغناء مقطوعته الاخيره (من غير ليه) وهي لفته تؤكد كم حجم الثقة بموهبة هذا المطرب (هاني شاكر) وامكانات صوته الحالم،وقد قدم الكثير من الاغاني والالبومات الناجحه،وتصدر اسمه الكثير من الشرائط الغنائيه،واطلق عليه لقب ( امير الغناء العربي) ونذكر هنا أسماء اشهر اغانيه ( علي الضحكايه،ولا كان بأمري،و تخسري) في اطار حفاظه على نهج الاغنيه ذات الأضلاع الأربعه التي سبق وان أشار اليها الموسيقار محمد عبدالوهاب (الكلمه واللحن والأداء والجمهور). ظهر هاني شاكر أيضا من خلال الدراما التلفزيونيه (الناس يضربون عنتر، ويوميات مدرسه) كما امتد نشاطه الى السهرات التلفزيونيه ومنها (عيون لا تري الحب،وتجربة الفوازير مع نللي ومنها الخاطبه ) وفتحت له السينما أبوابها في عدد من الأفلام منها (عندما يغني الحب)،و(عايشين للحب) ، و(هذا أحبه وهذا اريده ). هنا نشير الى تعليق لأحدى الناقدات لفن السينما ،والأفلام الغنائيه، قالت فيه ان هناك مشكله بالنسبه للمطربين والمطربات مع السينما، وهو أمر في حاجة الى قدر من التأمل والتفكير، فان عبدالوهاب مثلا لم يظهر على شاشة السينما الا في سبعة أفلام فقط ، وكذلك للمطربه الكبيره (أم كلثوم) ستة أفلام فقط،بعكس فريد الأطرش الذي ظهر في 31 فيلم، ومحمد فوزى في 36 فيلم ثم عبد الحليم حافظ في 16 فيلم ومحرم فؤاد في 14 فيلم وكذلك محمد ثروت في عدد من الأفلام ،أي انه اصبح هناك نوع من الجذر وليس المد في صناعة الفيلم الغنائي،كما ان الأفلام الاستعراضيه شملها أيضا هذا الانحسار بعد ليلي مراد 27 فيلم وشادية 110 فيلم، فلم نعد نرى الكثير لهدى سلطان وفايزه احمد وورده،حيث تعرضت الساحه الفنية برمتها بقدر كبير من التراجع، بعد ذلك الجيل اللامع صاحب الرصيد البارز من الاعمال الكبيره (عنبر، وقلبى دليلي ،واجازة نص السنه، والنمر) الى اّخر هذا التراث العظيم من الأفلام (الأبيض والأسود) والذي مازال محل اقبال للمشاهده عبر التلفزيون،باعنباره تراث حقبه مضيئه في سماء الفن المصري.لكن هكذا اصبح الحال، بعد ان احبطت السياسه الأمال الكبار،خفتت اَضواء الفن عى اثرها.نتذكر العلاقة الوثيقة التي اشار اليها ابن خلدون بين الفن وعدم انتعاشه،وبين تراجع النهضة
مأساه في حياة هاني شاكر
تعرض الفنان هاني شاكر الى مأساة حقيقيه،حين تعرضت ابنته الى المرض العضال،وهي مازالت في ريعان شبابها،وطاف بها في العديد من المستشفيات،حتى وافاها الأجل،في احدى مستشفيات باريس،وهي لم تتخط سن السابعه والعشرين،وتركت خلفها طفلين تكفل بهما الجد هاني شاكر ،وقد تركت له وصية،وهي ان يظل على الساحة الغنائيه،يملأ مكانه ومكانته، وان لا يتخلى عن فنه الذي وهب له عمره.رحلت عام 2011 ،ليلحق بها الأب هاني شاكر 2026.وقد استجاب لوصيتها،وظل يعطى لفنه وجمهوره حتى اّخر نفس.
اوسمة وجوائز هاني شاكر
حصل هاني شاكر على الكثير من الاوسمه والجوائز في مشواره الفني لعل ابرزها جائزة فلسطين وقلدها اياه السيد صائب عريقات ،ووسام من تونس باسم وسام الاستحقاق ،ووسام من المغرب باسم الوسام العلوي وجائزة لبنان في الدوره السادسة لمهرجان (الزمن الجميل)
وفي النهاية
بقى ان نقول عن هذا الفنان ذو الموهبه الحقيقيه،انه حمل مع كوكبه من المطربين عبق الغناء الذي يصون الكلمه، ويبحث عن جمال النغم ،ويقوم بواجبه في أداء رسالة الطرب ،بكل مافيها من نشوة الغناء التي يرسلها الصوت الرخيم، ويترجمها حس مرهف. ان هذا الفنان بقي صامدا مع رفاق الطريق الذين صاحبوه،في تلك المرحله التي تعثر فيها هذا الفن. فانحدرت الكلمه مع اللحن ردحا من الزمن ،ولكنهم صمدوا في مواجهة تلك العواصف،وبقوا أمناء مع فنهم ورسالتهم يحملون تلك الأمانه ذات الدرجات العالية من المواهب الحقيقيه ويؤدون دورا عظيما في امتاع مستمعيهم ومشاهديهم عبر عقود من الزمن .تحيه لهذا الفنان الذي اجتهد أيضا حين تولى مسؤولية نقابة الموسيقيين فعمل على تطهير فن الغناء من الدخلاء عليه،والذين اختاروا تعريف(مطربوا المهرجانات) وطالبهم بضرورة تسجيل انفسهم واحترام قوانين النقابه،قبل ان يسمح لهم بمزاولة نشاطهم الفني. انها الاصالة في الموهبه والصدق في العطاء.
