الفنّ كبصمة إنسانيّة لا تتكرر

لكل شيء في الحياة بصمة خاصة، فبصمة الإصبع الثابتة لطالما خدمت التحقيقات الجنائية وهناك بصمة العين التي تحتوي على الخطوط الدقيقة والألوان التي تميّز شخصًا من آخر. أمّا في الإبداع فهناك لمسة فريدة تشبه العصا السحرية التي تصنع شبكة تامة من العلاقات بين الأشياء وتحولها إلى عالم من الإبداع، إنها تلك الروح التي لا يمكن استبدالها. فالشجرة التي تمنح ظلها تترك أثرها لسنوات طويلة، وكذلك الإنسان حين يترك أثره في العالم. أما إذا غابت هذه اللمسة الخاصة، فسيصبح العمل مجرد نسخة مشوهة بلا روح، وبلا طابع خاص يدلّ عليه، تمامًا مثل النسخات المقلّدة لأشهر اللوحات في العالم.

لقد رحل فان غوخ، لكنه ترك إرثًا لا يُقدَّر بثمن، وما زلنا حتى اليوم نُشيد برسوماته ولوحاته وألوانه التي انتشرت في العالم. فلوحة النجوم الأشهر مثلًا، تنطبق معانيها على كل إنسان مرهف يتأملها ليجد نقاط التلاقي مع فان غوغ عبر الانفعال وحالة الدوران التي يعيشها. فهذا الأثر أصبح منقوشًا في الذاكرة البصرية من خلال الألوان التي تشكل لغة خاصة تركت بصمة الفنان. كذلك الأمر بالنسبة إلى المتنبي، ما زال إرثه الشعري حاضرًا، وكل من يقرأه يدرك بصمته الإبداعية الفريدة. يكفي هذا البيت ليثبت الأثر والنقش الخاص بالمتنبي حين يقول:

أنا الذي نظرَ الأعمى إلى أدبي                      وأسمعتْ كلماتي من به صَمَمُ

ومن أبيات الفخر التي لم يأت مثلها عبر التاريخ:

 الخيلُ والليلُ والبيداءُ تعرفني                        والسيفُ والرمحُ والقرطاسُ والقلمُ

فمن يقرأ هذه الأبيات يشعر وكأنه أمام خطاب إنساني يعكس قوة الروح التي تنتقل إلى القارئ، وهذا الأثر وما زال متجددًا إلى عصرنا الحديث.

أما ما يحفر في الأذهان فهو الطابع الشعبي الذي يعدّ إرث الأجداد، وأكبر مثل عليه روايات نجيب محفوظ التي تجسدت أفلامًا مانحة الإرث ذاكرة مغايرة، ما يعبّر عن انفتاح الأجناس الأدبية على بعضها البعض وتقاطعها لبلوغ المعنى.

وهنا يطرح السؤال نفسه: هل عبر تاريخ البشرية وُجدت بصمات متطابقة؟ حتى في أقرب العلاقات الإنسانية، كالعلاقة بين الأم وولدها، على الرغم من ارتباطهما بالحبل السري، يبقى لكل منهما تفرده وبصمته الخاصة. وما تلك البصمة سوى ختم ربّانيّ كدليل على فرادة كل روح وهويتها الخاصة.

إن هذه البصمة تشبه “العين السحرية” التي تشهد على تحولات العالم. فالأشجار تشبه الكاتب؛ جذورها تمتد وأثرها يظل حاضرًا في الذاكرة، حتى لو غاب حضورها المادي.

والكاتب بدوره يشبه الفلاح، يفلح الأرض ويزرع أثره في تربة خصبة عبر امتدادات الحضور والغياب، وتولد لمسته من التجربة التي تتراكم في الذاكرة، وتتجلى في اختياراته وزاوية نظره، لتصنع من الزمن مسارًا موازيًا ينمو في الذاكرة. وهذه اللمسة كقطعة ذهبية تلمع في الظلال.

من جهة أخرى، لا يخفى الأثر الفني الذي تركه الأخوان الرحباني، المدموغ بنبرة فيروز النادرة، والممتد آفاقًا من الإبداع اللامتناهي، المفتوح على احتمالات الحياة، جيلًا بعد جيل. بالحديث عن فيروز، نستذكر وصف أنسي الحاج لصوتها بأنه صوت تجاوزي -والتجاوز بجوهره هو مرادف الأثر- شكّل بنفسه لغة تنفذ إلى الروح وقد عدّه الحاج صوتًا شاملًا، فهو صوت وموسيقى وشعر، بل أكثر.

من هنا، لست من الذين يعتقدون بحلول الذكاء الاصطناعي محل الكاتب المبدع. فهذه الأدوات قد تساعد الإنسان في أعماله، ولكنها لا تعوض ما يعتمد على الروح. لأن الفن والشعر ينبعان من التجربة الداخلية والوجدان، حيث تتشكل الكلمات من عمق شعوري لا يخضع للبرمجة وحدها، تلك البرمجة القائمة على خوارزمية التعلم الذاتي عبر تقليد الأسلوب والمضمون من البيانات الضخمة المتوافرة له، ما يجعل نتاجه الأدبي ضائع الهوية من دون طابع متميّز متفرّد.

فالكاتب هو “خياط المعنى”، ينسج الكلمات لتصبح جوهر الشعر وسرًا من أسرار الكينونة، يحمل نبضًا خاصًا وإيقاعًا لغويًا مميزًا، يتجلى في التوتر والانفعال وزوايا الإدراك، وفي الشحنات العاطفية التي لا يمكن استبدالها في أثناء الكتابة، والتي تحمل أبعادًا وجدانية عميقة.

والخيال الشعري هو تلك القوة الحية التي تحدث عنها سامويل تايلور كولريدج، بينما نرى عند هيغل أن الفن، هو تجلٍّ لـ”الروح المطلقة” الأصل في اللغة. أما بالنسبة إلى ت. س. إليوت فالتجربة الشعرية هي امتزاج الفكر بالإحساس، أي عمل عقلي شعوري يتجسد داخل بنية اللغة. ومن الأمثلة الحية والأحدث كذلك، الشاعر عباس بيضون في قصيدته “صور – الصراخ لغة” حين يقول: “اشتريت مدينة بقصيدة/ هل نقلت الحجارة إلى كلمات/هل وجدت بحرًا لها/لست بناءً ولا بحّارًا”… ولكنّه بنى “صور” جديدة في قصيدته التي اتّسمت بالمفارقة بين “صور الطفولة” حين كان في عمر العشر سنوات، و”المدينة الآن هذا الصراخ الذي لا يتوقف ركامه” وهذا ليس سوى صرخة الأثر التي توثّق لحربٍ ستغلبها مدينة صور كعادتها.

وفي النهاية، يبقى من الحق أن نقول إنّ الفنان هو من يجبل المواد الخام ويلقي بها في مخيلة تدور في دائرة من الإبداع ليخرج بذلك الخليط الجوهري الموحي الملهم، حيث يلتقي الفكر والوجدان لقاءً عظيمًا متفردًا، لا تتكرر بصمته. أما الفن، فهو الحامل الحقيقي لتلك اللمسة السحرية والبصمة المميزة التي تشكل جوهر معناه.