تصدعات أزمة قطر تكشف تصدعات سياسية وأمنية وعسكرية تهدد ديمومة البيت الخليجي هل انتهت صلاحية مجلس التعاون الخليجي؟

هل انتهت صلاحية مجلس التعاون الخليجي؟

محمد قواص*

أيا تكن مآلات الأزمة الخليجية الحالية مع قطر، فإن جدية النزاع ودراماتيكيته ستترك ندوبا داخل مجلس التعاون الخليجي على نحو يستدعي إعادة تحديث بنى هذا الصرح الإقليمي، وتفعيل مؤسساته بترسانة من القوانين والتشريعات التي تقيه رياح الأزمات التي تهد وحدته وحتى ديمومته. ولئن يتعرض الاتحاد الأوروبي حاليا إلى تجربة صعبة بسبب البريكسيت البريطاني وبسبب ما سيتمخض عن المفاوضات بين لندن وبروكسل، مركز المفوضية الأوروبية، فأن ما يتعرض له مجلس التعاون الخليجي يعد تهديدا بنيويا يتجاوز بمراحل تلك التي يتعرض لها الأوروبيون.

وتثير الأزمة الخليجية مع قطر مسألة لزومية ونجاعة مجلس التعاون الخليجي، كما تثير أسئلة حول مستقبل هذا التجمع الإقليمي لجهة انتفاء المشترك فيه لحساب ما يتناكف مع المصالح الخاصة للدول الست الأعضاء، ذلك أن انفجار الخلاف داخل صفوف الدول الأعضاء يجري خارج جدران المجلس وأعمدته، على نحو يوحي بعجز المؤسسة السياسية الخليجية الجامعة على حل خلاف داخل البيت الخليجي بأدوات وسبل قانونية وسياسية وحتى ثقافية خليجية.

مجلس التعاون الخليجي: أنجح تجربة تكاملية في العالم العربي

مجلس التعاون الخليجي: أنجح تجربة تكاملية في العالم العربي

في الخوض في تلك المسألة هناك من يعتبر أن ولادة المجلس أتت للرد على لحظة تاريخية معينة، وأن زوال تلك اللحظة يزيل رد الفعل عليها. ووفق هذا المنطق فإن لجوء الخليجيين للتكتل عام 1981 ردا على ما اعتبروه أخطارا تبثها أجندات الجمهورية الإسلامية في إيران بعيد قيامها عام 1979 واحتلال الاتحاد السوفياتي لأفغانستان عام 1979، بات متقادما، وبالتالي فإن مهمة المجلس قد انتهت أو فقدت صلاحيتها.

على أن هذه التجربة الخليجية، وإن سلمنا بحوافزها التاريخية، فإنها طوّرت من خلال دينامياتها تصوراً جديدا آخر لكيفية بناء صرح إقليمي على قاعدة المصالح وتفعيل ما هو مشترك، على نحو يطيح بكل المحاولات الإقليمية العربية التوحيدية السابقة، سواء في شكلها الاندماجي في الحالة المصرية-السورية والتي أجهضت عام 1961، أو في ظهورها العرضي المؤقت في حالة اتحاد المغرب العربي بين الجزائر والمغرب وتونس وليبيا وموريتانيا، الذي اقيم رسميا عام 1989، او مجلس التعاون العربي بين العراق والأردن ومصر واليمن )الشمالي( مثلاً. وقد جرت كل هذه المحاولات وغيرها وفق قواعد أيديولوجية بليدة أو ظرفية متعجّلة لا تتفق مع الواقعية والعناصر العملية لتقاطع الأمم.

وفيما أن المواطن العربي من مشرقه إلى مغربه لم يشعر يوما بتأثير قرارات جامعة الدول العربية على يومياته ومستقبل مصيره، فإن تجربة مجلس التعاون الخليجي أقامت ثقافة وشيّدت تقاليد سياسية وقانونية وإدارية لم يعد بالنسبة للمواطن الخليجي نفسه من السهل التغاضي عنها واعتبارها حادثا عابراً في تاريخه الحديث.

وإذا ما كان مجلس التعاون الخليجي كمؤسسة عاجزا، بناء على آلياته الذاتية، عن فرض حل للأزمة المتعلقة بقطر، فذلك أن لُبنات هذه الأزمة ومسوّغاتها تعكس علّة بنيوية تقف وراء الشلل الذي يصيب »المؤسسة« ويمنع حيويتها كما يهدد مستقبل وجودها. بكلمة أخرى، فإن في طبيعة المجلس التوافقية الإجماعية ما يتيح تفرّد الدول الأعضاء في النزوع نحو خيارات ذاتية تصبّ في حساب المصالح الخاصة، ليس على حساب ما هو مصلحة جماعية يفرضها منطق التكتلات فقط، بل في حساب الإضرار بمصالح بقية أعضاء المجلس.

وقد لا يكون من الحكمة استخدام حجّة لا لزومية مجلس التعاون الخليجي للتبرير لتفرد في سياسات الدول الأعضاء، وكأنها عودة إلى ما هو أصل في تفرّق الخليجيين، لتجاوز ما هو فرع في قيام مجلس الخليجيين منذ 36 عاماً.

وتكشف الأزمة الخليجية الحالية عن انتقال مجلس التعاون الخليجي من طور الوحدة مهما كان الثمن، إلى طور وضع أثمان لبقاء المجلس وديمومته. وإذا ما تقادمت الضرورات الأمنية الداهمة التي فرضها قيام الجمهورية الإسلامية في إيران وفق العقيدة الخمينية وقيام الاتحاد السوفياتي باحتلال أفغانستان، فإن ديمومة المجلس ولزوميته يجب أن تبنى على أسس تبتعد عما هو ارتجال متعجّل، وتتأسس على معايير سياسية واقتصادية وقيّمية تؤهل الدول الأعضاء لوجاهة هذه العضوية من عدمها.

 الاتحاد الأوروبي طوّر آلياته ومعاييره لضمان صلابته وديموته

الاتحاد الأوروبي طوّر آلياته ومعاييره لضمان صلابته وديموته

بكلمة أخرى، يرتقي مجلس التعاون الخليجي، رغم أزمته، من حقبة »التآلف البيولوجي« التي تتأسس على خطاب القرابة القبلية والتماثل الانتروبولوجي، إلى حقبة تعيد تعريف تلك الوحدة بمعايير حديثة عقلانية تبتعد عن بدائية عشائرية جعلت من اللغة والدين وصلة الدم أساساً لما قد يقترب من بنيان عنصري شوفيني في عناصره ومبرره الأخلاقي. وفي ذلك المثال الأوروبي، الذي بدأ رحلته في مطلع خمسينيات القرن الماضي، ما يفيد عن انتقال الأوروبيين من وحدة الضرورة »بمن حضر« إلى فرض معايير يجب على العضو المرشح أن يتحلى بها حتى يدخل هذه الحلبة الأوروبية الجامعة.

وما الأزمة الخليجية الظاهرة على هذا النحو الدراماتيكي، إلا رأس جبل لما كان غارقاً تواطأت كافة دول المجلس الأعضاء في إخفائه خلال أكثر من ثلاثة عقود. ذلك أن المصالح الذاتية متكئة على فلسفات إجتماعية وسياسية حفرت يوما بعد يوما شقوقا عميقة لا تتفق مع الخطاب العلني الممعن في تقديم وجبة خليجية وحدوية يشوبها كثير من التمظهر الشكلي على حساب مضمون فاعل خلاق.

قد يجوز المغامرة في القول إن حرص الخليجيين على إنقاذ ماء وجه المجلس أتاح سلوكاً يتيح ذهاب الأعضاء، أو بعضهم، إلى خيارات تتناقض مع روح العمل الجماعي من جهة، لا بل تذهب مذاهب معادية، ليس فقط لأبجديات العمل المشترك الذي تقوم عليها الاتحادات الإقليمية الكبرى، بل معادية لأمن ومصالح دول الخليج سواء كان المجلس موجوداً أو غير موجود. وبالتالي فإن ما كان تمرداً مارسته كافة الدول الأعضاء على بعضها البعض ينهل زاده من فراغ قانوني ومعرفي ودستوري وفلسفي أتاحه المجلس كفكرة ومؤسسة وورشة تدوير للزوايا وتأجيل الصراعات.

وفي بديهيات الأزمة الخليجية الحالية ضد قطر ما ينقل السؤال إلى مطرح يدفع باتجاه قراءة وجودية مجلس التعان ولزوميته وقواعد بقائه.

أول تلك البديهيات هو تشريح مدى ارتباط مصالح الدول الأعضاء ببعضها مقارنة بمصالحها مع العالم، وتحليل مدى ارتباط أمن واستقرار هذه الدول بأمن المجلس واستقراره كأمر سابق على ارتباط ذلك بأمن وأجندات عواصم بعيدة عن المجلس.

وقد يكشف انتقاد الدول المقاطعة لقطر علاقاتها غير العادية مع إيران أو ارتباط الدوحة بعلاقات ما فوق خليجية مع تركيا أو صلات قطر مع جماعات الإسلام السياسي دون غيرها من بقية الدول الأعضاء، جوانب من حالة التصدّع في القواعد المؤسسة لروحية الخليج في مقاربته المؤسّسة للمجلس.

غير أن عجز المنظمة الخليجية الإقليمية عن إجتراح حل مؤسساتي جماعي للنزاع مع قطر بصفته معضلة خليجية بحتة، لا ينزع عن مجلس التعاون وجاهة حضوره وحيوية ومحورية منظومته داخل الحياة السياسية والاقتصادية والامنية لدول المنطقة.

تكفي ملاحظة عجز العواصم الدولية عن حمل أي حل للأزمة الراهنة مع قطر، وبالتالي عجز الدول النافذة الكبرى عن إختراق المقاربة الخليجية لأي حل والمتمثلة بإجماع الخليجيين كما المجتمع الدولي برمته بالوساطة الكويتية في هذا المضمار.

على الخليجيين الانتقال من »التآلف البيولوجي« إلى المعايير الحديثة

على الخليجيين الانتقال من »التآلف البيولوجي« إلى المعايير الحديثة

وفيما يتسرب من شقوق الأزمة الراهنة أصوات خليجية تنذر باندثار المجلس وانتهاء حضوره، فإن العالم أجمع بات، وبمناسبة الأزمة مع قطر، مسلّماً بالحفاظ على وجود مجلس التعاون ووحدته، ليس كرمى لعيون الخليجيين، بل لأن الأمر أصبح من الضرورات الاستراتيجية للأمن والسلم العالميين، بحيث لا تتناقض في ذلك باريس ولندن وواشنطن كما موسكو وبكين.

وربما أن التجربة التي يمر بها الخليجيون هذه الأيام تدفع بالماء إلى طواحين مجلس التعاون الخليجي وإزدهاره فكرة ومؤسسة ووجوداً، وتقوّض من حجج النادبين على راهن هذا المجلس والمشككين بعناصر وديناميات بقائه. فالواضح أن العلّة التي يعيشها الخليجيون هي خليجية لا تنفع بها علاجات وزراء الخارجية الذين يتوافدون من واشنطن ولندن وبرلين وباريس وأنقرة وغيرها، وإن التعويل على العلاجات المستوردة يعكس جهلاً واستخفافا بالقماشة الخليجية التي صانت وما زالت قادرة على صون الخصوصية الخليجية وحساسياتها.

قد تكشف المواقف الدولية التي سعت للتأثير على بيتية الأزمة وخليجيتها، لا سيما تلك المقاربة التي حملها ريكس تيليرسون وزير الخارجية الأميركي من خلال ملامسة الأزمة من خلال مذكرة ثنائية بين واشنطن والدوحة لمكافحة تمويل الإرهاب، عن تبدّل في المشهد الدولي العام الذي لم يعد يتيح للإرادات الكبرى فرض أجندتها على وجهات العالم.

والأمر في هذا لا يتعلق فقط بشأن النزاع الخليجي مع قطر، بل ينسحب على كافة النزاعات الدولية، لا سيما تلك التي يشهدها الشرق الأوسط في بقاع بركانية عديدة. غير أن كثافة المواقف والجهود والزيارات التي تجري للمساعدة على حلّ الأزمة مع قطر، كشفت أيضا على نحو لافت عقم ما هو فوق خليجي بانتظار أن يعود للعلاجات الخليجية وحدها احتكار رسم خريطة الطريق للخروج من عنق الزجاجة حتى لو استغرق ذلك الرسم زمنا طويلا يحتاجه أي طبخ خليجي.

وتكشف الأزمة الخليجية الحالية عن انتقال مجلس التعاون الخليجي من طور الوحدة مهما كان الثمن، إلى طور وضع أثمان لبقاء المجلس وديمومته. وإذا ما تقادمت الضرورات الأمنية الداهمة التي فرضها قيام الجمهورية الإسلامية في إيران وفق العقيدة الخمينية وقيام الاتحاد السوفياتي باحتلال أفغانستان، فإن ديمومة المجلس ولزوميته يجب أن تبنى على أسس تبتعد عما هو ارتجال متعجّل، وتتأسس على معايير سياسية واقتصادية وقيّمية تؤهل الدول الأعضاء لوجاهة هذه العضوية من عدمها.

يرتقي مجلس التعاون الخليجي، رغم أزمته، من حقبة »التآلف البيولوجي« التي تتأسس على خطاب القرابة القبلية والتماثل الانتروبولوجي، إلى حقبة تعيد تعريف تلك الوحدة بمعايير حديثة عقلانية تبتعد عن بدائية عشائرية جعلت من اللغة والدين وصلة الدم أساساً لما قد يقترب من بنيان عنصري شوفيني في عناصره ومبرره الأخلاقي. وفي ذلك المثال الأوروبي، الذي بدأ رحلته في مطلع خمسينيات القرن الماضي، ما يفيد عن انتقال الأوروبيين من وحدة الضرورة »بمن حضر« إلى فرض معايير يجب على العضو المرشح أن يتحلى بها حتى يدخل هذه الحلبة

المجتمع الدولي أظهر حرصا على وحدة مجلس التعاون الخليجي لكونه بات ركنا من أركان السلم العالمي

المجتمع الدولي أظهر حرصا على وحدة مجلس التعاون الخليجي لكونه بات ركنا من أركان السلم العالمي

الأوروبية الجامعة.

وفيما يتسرب من شقوق الأزمة الراهنة أصوات خليجية تنذر باندثار المجلس وانتهاء حضوره، فإن العالم أجمع بات، وبمناسبة الأزمة مع قطر، مسلّماً بالحفاظ على وجود مجلس التعاون ووحدته، ليس كرمى لعيون الخليجيين، بل لأن الأمر أصبح من الضرورات الاستراتيجية للأمن والسلم العالميين، بحيث لا تتناقض في ذلك باريس ولندن وواشنطن كما موسكو وبكين.

كادرات

أوروبا-الخليج: حوافز التكتل

استأثرت كل من قارة أوروبا ومنطقة الخليج العربي، ومنذ سنوات طويلة خلت وحتى الوقت الحاضر بأهمية استثنائية وعلى كافة المستويات، حيث كانت أوروبا مركزاً للتطور الحضاري في التاريخ المعاصر، وتبلور فيها النظام الاقتصادي الرأسمالي، وبرزت منها دول كإمبراطوريات مثل بريطانيا، وفرنسا، وإسبانيا والبرتغال والتي فرضت سيطرتها السياسية والاقتصادية على العديد من دول العالم. أما منطقة الخليج العربي، وبحكم عبقرية الزمان والمكان، ووفرة النفط بهذه الأوطان، أضحت مجالاً لسيطرة بعض الدول الأوروبية حيناً، ومعبراً وميداناً لتجارتها في أحيان أخرى، وتطورت تدريجياً لتصبح مركزاً لجذب الأنشطة الاقتصادية والاستثمارية على الصعيدين العربي والعالمي.

وقد شجعت هذه الأهمية عدداً من المفكرين والقادة اللامعين من السياسيين وغيرهم في تلك المنطقتين )أوروبا والخليج العربي( للتفكير ملياً لتجاوز الخلافات الثنائية وترصين عناصر القوة الاقتصادية المتاحة، وذلك من خلال تأسيس )الهيئة الأوروبية للفحم والفولاذ( عام 1951 والتي شكلت نواة للاتحاد الأوروبي لاحقاً. فيما تأسس )مجلس التعاون الخليجي( عام 1981 والذي أرسى المقدمات الأولية للوحدة المنشودة لدول الخليج العربي.

تجربة الإتحاد الأوروبي

مرت التجربة الأوروبية بتطورات تاريخية خلال العقود الستة الماضية، وتحديداً منذ عام 1950 وحتى الوقت الحاضر، ومن أهم تلك التطورات الآتي:

1ـ التأسيس: بتاريخ 9/5/1950 اقترح وزير خارجية فرنسا روبرت شومان خطة لتجاوز تراكم الخلافات الفرنسية الألمانية، التي حصلت أثناء الحرب العالمية الثانية باقتراحه توحيد إنتاج الفحم والفولاذ في كل من فرنسا وألمانية الاتحادية، وعُرفت هذه الخطة )بخطة شومان(. وفي 8/4/1951 وقعت في باريس اتفاقية لتأسيس الهيئة الأوروبية للفحم والفولاذ من 6 دول هي: فرنسا، ألمانيا، إيطاليا، بلجيكا، هولندا، ولوكسمبورغ، وعرفت باسم )اتحاد الفحم والفولاذ(.

بدأ الاتحاد الأوروبي بست دول والآن وصل إلى 27 دولة

2ـ السوق الأوروبية المشتركة: بتاريخ 25/5/1957 وقعت الدول الست الأعضاء في اتحاد الفحم والفولاذ في روما اتفاقية لتأسيس )السوق الأوروبية المشتركة( والتي دُمجت لاحقاً مع اتحاد الفحم والفولاذ ومنظمة الطاقة الأوروبية النووية، لتشكل مجتمعة ما أطلق عليه )المجموعة الاقتصادية الأوروبية(. وفي 1/7/1968 ألغيت جميع الجمارك بين الدول الأعضاء في المجموعة الاقتصادية الأوروبية، وتم اعتماد تعريفة جمركية موحدة تجاه الخارج، وهي خطوة مهمة نحو السوق الداخلية الأوروبية الموحدة.

3ـ التعاون النقدي الأوروبي: في 1/1/1983 بدأ تطبيق النظام النقدي الأوروبي ووحدة الصرف الأوروبية، واعتماد آلية تفصيلية للتدخل في أسواق النقد بهدف التحكم بأسعار الصرف لعملات الدول الأعضاء وتقديم الدعم للعملات التي تتعرض للضعف أو التذبذب. وقد تضمن النظام النقدي الأوروبي ثماني عملات هي: المارك الألماني، الفرنك الفرنسي، الفرنك البلجيكي، الجليدر الهولندي، الكرون الدنماركي، الليرة الإيطالية، الجنيه الإيرلندي، وفرنك لوكسمبورغ. ووفقاً لهذا النظام يُسمح لكل عملة أن تتذبذب مقابل العملات الأخرى في الدول الأعضاء بحدود )2.52 في المائة( من سعر العملة بالنسبة لوحدة النقد الأوروبية.

4ـ معاهدة ماسترخت والعملة الأوروبية الموحدة: في 9 و10 و11/12/1991 تم عقد قمة المجموعة الأوروبية في مدينة )ماسترخت( الهولندية وفيها اتفق على تحويل المجموعة الأوروبية من مجموعة اقتصادية إلى وحدة سياسية ذات عُملة واحدة أطلق عليها لاحقاً تسمية اليورو. وشملت الخطوط العريضة لمعاهدة ماسترخت ما يأتي:

1- تحديد أسعار الصرف بشكل لا رجعة فيه لإصدار عملة موحدة.

2- متابعة السياسات الاقتصادية ضمن خطوط إرشادية وإنشاء جهاز للمتابعة والمراقبة مع صندوق مالي لمساعدة الدول الفقيرة ضمن الاتحاد.

3- اشترطت المعاهدة على الدول للانضمام للمجموعة الأوروبية ضرورة تخفيض عجز الموازنة الحكومية إلى )3 في المائة( من إجمالي الناتج القومي، وخفض المديونية الحكومية إلى )60 في المائة( من قيمة الإنتاج السنوي للدولة.

 وحددت معاهدة ماسترخت ثلاث مراحل للوصول إلى الوحدة المالية والاقتصادية وهي إصدار عملة أوروبية موحدة، وإنشاء البنك المركزي الأوروبي، ووضع معايير محددة للانضمام للوحدة النقدية في مقدمتها، أن لا يزيد معدل التضخم النقدي بأكثر )1.5 في المائة( على معدل التضخم في أفضل ثلاث دول بالمجموعة، وأن لا يتجاوز عجز الموازنة )3 في المائة( من إجمالي الناتج القومي، وأن لا تزيد نسبة الفائدة على القروض الطويلة الأجل على )2 في المائة(، وأن لا يكون قد جرى انخفاض سعر صرف العملة الوطنية أمام عملة دولة أخرى عضو في غضون العامين السابقين على الأقل.

وقد اتخذت وسائل تطبيق التكامل الاقتصادي الأوروبي منهجين: الأول، التكامل الاقتصادي الرأسي، وذلك باتباع منهج التدرج بالانتقال من منطقة التجارة الحرة إلى الاتحاد الجمركي )1951 1957(، ثم مرحلة السوق المشتركة )1958 1968(، ثم مرحلة الوحدة الاقتصادية )1985 1992(، وأخيراً مرحلة الاندماج الاقتصادي بعد معاهدة ماسترخت )1992 2009(. وقد اقترنت فترة التكامل الاقتصادي الرأسي بمراحل الازدهار الاقتصادي. أما المنهج الثاني، فقد تمثل بالتكامل الاقتصادي الأفقي، وذلك بدخول أعضاء جدد إلى داخل المجموعة الأوروبية، حيث ابتدأت المجموعة بـ)6( دول وحالياً )27( دولة. وقد اقترنت مراحل فترة التكامل الأفقي بمراحل الضعف الاقتصادي الذي اجتاح أوروبا خلال حقبة السبعينات والنصف الأول من عقد الثمانينات.

تجربة مجلس التعاون الخليجي

1ـ التأسيس: بمبادرة من أمير دولة الكويت الراحل الشيخ جابر الأحمد الصباح ، جرى تأسيس مجلس التعاون الخليجي في اجتماع قمة لزعماء دول الخليج العربي في أبوظبي في 25 مايو 1981 بعضوية ست دول خليجية هي: الكويت، السعودية، الإمارات، البحرين، سلطنة عمان وقطر. وحُددت للمجلس منذ تأسيسه أهداف ذات مضامين وحدوية من خلال التركيز على التنسيق والترابط والتكامل بين أعضائه، ووضع أنظمة متماثلة وإقامة مشاريع مشتركة وفي كافة المجالات وصولاً إلى الوحدة.

2ـ إقامة منطقة التجارة الحرة: بدأت دول مجلس التعاون الخليجي، ومنذ بداية إنشاء المجلس في مايو 1981 باتخاذ الترتيبات اللازمة لإنشاء منطقة التجارة الحرة لدول المجلس عن طريق إبرام الاتفاقية الاقتصادية الموحدة التي تم التوقيع عليها في نوفمبر 1981، وقد دخلت اتفاقية منظمة التجارة الحرة حيز التنفيذ في مارس 1983، واستمرت نحو عشرين عاماً إلى نهاية 2002، حين حل محلها الاتحاد الجمركي لدول المجلس، وخلال فترة منطقة التجارة الحرة )1983 2002( ارتفع حجم التبادل التجاري بين دول المجلس من أقل من 6 مليارات دولار في عام 1983 إلى 20 مليار دولار في عام 2002.

3ـ الاتحاد الجمركي لدول المجلس: شكل قيام الاتحاد الجمركي لدول مجلس التعاون الخليجي في الأول من يناير 2003، نقلة نوعية في العمل الاقتصادي المشترك كونه يقوم بشكل أساسي على توحيد التعريفة الجمركية وإزالة معوقات التبادل التجاري وتوحيد إجراءات الاستيراد والتصدير ومعاملة المنطقة الجغرافية للدول الست الأعضاء كمنطقة جمركية واحدة، وحددت له فترة انتقالية ما بين )2003 2007( لإتاحة الفرصة للدول الأعضاء للتأقلم مع جوانب الاتحاد الجمركي، وبنهاية تلك الفترة يكون تطبيق الاتحاد الجمركي كاملاً على جميع السلع، ويصبح مجلس التعاون منظمة جمركية واحدة.

4ـ السوق الخليجية المشتركة: صدر إعلان الدوحة بشأن إقامة السوق الخليجية المشتركة في ديسمبر 2007. وتهدف السوق المشتركة إلى تحقيق المساواة التامة في المعاملة بين مواطني دول المجلس في ممارسة الأنشطة الاقتصادية وتنقل رؤوس الأموال والاستثمار بجميع أنواعه، والعمل، والاستفادة من الخدمات التعليمية والصحية في جميع دول المجلس.

5ـ اتفاقية الاتحاد النقدي: اعتمد قادة دول مجلس التعاون الخليجي في قمة مسقط بنهاية 2008 اتفاقية الاتحاد النقدي والمتضمنة الأطر التشريعية والمؤسسية له، كما اعتمد النظام الأساسي للمجلس النقدي الذي سيتحول إلى مصرف مركزي. وكان القادة الخليجيون قد قرروا في الخامس من مايو 2009، أن تكون الرياض مقراً للمصرف المركزي الخليجي المستقبلي، وهي مسألة شكلت مصدر تباينات بين دول المجلس، وقررت دولة الإمارات الانسحاب رسمياً من الاتحاد النقدي الخليجي.

أوروبا-الخليج: تجارب مقارنة

1ـ يعتبر العامل الاقتصادي )الطاقة( هو العامل المشترك الرئيسي الذي دفع بقادة أوروبا، وقادة الخليج العربي لتأسيس الاتحادين، )الاتحاد الأوروبي( و)مجلس التعاون الخليجي( حيث كان الفحم والفولاذ، محوراً للتجمع الأول، فيما كان النفط والغاز محوراً للتجمع الثاني.

2ـ تتميز دول مجلس التعاون الخليجي الست بمجموعة من المشتركات في مقدمتها وحدة الجغرافية والتاريخ، واللغة والدين والقومية بل وحتى طبيعة الأنظمة السياسية مما يعطي لنهجها التكاملي أرجحية متفردة عن الاتحاد الأوروبي، حيث لا تمتلك المجموعة الأوروبية المشتركات التي تتوفر لدول مجلس التعاون الخليجي، ومع ذلك حققت المجموعة الأوروبية تطورات متلاحقة في كافة المجالات.

3ـ يمتلك الاتحاد الأوروبي إمكانيات اقتصادية صناعية وتكنولوجية وزراعية هائلة، كونه ثاني أكبر اقتصاد بالعالم بعد الولايات المتحدة الأمريكية، ويضم كتلة سكانية تتجاوز 300 مليون نسمة وبالمقابل يمتلك مجلس التعاون الخليجي إمكانيات نفطية هائلة حيث يبلغ الاحتياطي النفطي الخليجي نحو 480 مليار برميل من النفط، أو ما يعادل 23 في المائة من الاحتياطي العالمي، ويأتي تسلسله الأول في العالم في هذا القطاع رغم أن عدد سكانه لا يتجاوز 36 مليون نسمة. وساهم تفوقها بهذا الميدان في تنشيط عمليات التنمية الاقتصادية وتحريك التجارة الداخلية والخارجية وتنشيط الأسواق المالية.

4ـ حقق الاتحاد الأوروبي، رغم اختلاف المشتركات إنجازات عملية في مجال التكامل الاقتصادي الرأسي وصولاً لمرحلة الاندماج منذ عام 1992 بعد اتفاقية ماسترخت، وتوسع بتكامله الأفقي من ست دول إلى27 دولة. بالمقارنة حقق مجلس التعاون الخليجي خطوات إيجابية على طريق التكامل الاقتصادي الرأسي ابتداء من تطبيق منظمة التجارة الحرة )1983 2002(، والاتحاد الجمركي )2003 2007( والسوق المشتركة )2007 2009(، في حين لم يتوسع المجلس أفقياً بإضافة أي دولة منذ عام 1981 وحتى الوقت الحاضر، رغم إمكانية وضع آليات أو حتى شروط على غرار الاتحاد الأوروبي لتوسيع دائرة العضوية فيه.

5ـ وعلى الرغم من الاختلافات بين تجربتي كل من الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي، فكلاهما عكس تجربة اقتصادية وسياسية واجتماعية رائدة، وبخاصة أن كلا التجربتين حققت لشعوبها إنجازات اقتصادية وسياسية واجتماعية يشار إليها بالبنان في التاريخ المعاصر. ومع ذلك هناك تباين في مديات التطور الاقتصادي والصناعي بين المجموعتين. وفي الوقت الذي نجد فيه دول الاتحاد الأوروبي تجاوزت عصر التكنولوجيا، ودخلت منذ ثمانينات القرن الماضي إلى عصر المعلومات المستند إلى الاستخدام الواسع للإلكترونيات وبحوث العمليات، والاتصالات وعلى مدى واسع، نجد مستويات التطور في بلدان مجلس التعاون الخليجي، لاتزال في بدايات عصر التكنولوجيا، رغم وجود استثناءات لبعض دول الخليج للتعامل بشكل واسع مع ثورة المعلومات والاتصالات بالوقت الحاضر.