بلا ذئاب
هؤلاء البشعون في البلد الجميل. يصنعون من أشجاره القليلة منابر لصياحهم اليوميّ.
مشهد لا يستحق النظر، لأن الورقة البيضاء أفضل، الشاشة البيضاء، الكلمات العفوية الملبية نداء الغياب. كلمات مثل تنفّس قليل، أقلّ من كٍاف. كلمات لا تخاف المطر ولا الغبار.
البشعون على منابر خشبية كانت أشجاراً. يصعدون الى مجد قسوتهم، يفتقد العالم حرية العشب و الأشجار وبشرًا قليلين مثل خراف قليلة، في الحد الأدنى للخراف أي بلا ذئاب.
حرية
حرّ وليس لي سيد.
ألعب بخوف مثل كرة. اقذفه عالياً فيسقط ما وراء السور. ليس الجوع خطرًا.
انه نوع من الحمية. وليس الأمن حاجة لأننا نرقص مع الذئاب. وليست المعرفة إضافة بعدما توقفت عند أناشيد الجهل الصاخبة.
حرّ وليس لي سيد. مات الأصدقاء أو رحلوا وبقيت لي مساحة زمن. مساحة ربحتها حين نجحت في القفز من قطار العميان وفتحت عينيّ على الفرح. قلت إن بشراً بعيدين لا بد أسعد حالًا وأكثر حرية ولهم أسياد، ولكن غير جاهلين.
حرّ على شاطئ البحر المتوسط، افتح دفاتر النسيان غافراً لهذا السيد أو ذاك أو ذلك، وأنظر الى عليائهم كأنني أنظر من عليائي. تكفيني الحرية نافورة ماء في حقل يابس.
هواء البحر
يتخطى بحر بيروت حدوده هذه الأيام، تنتشر رائحته في الأزقة وتقتحم النوافذ إلى الغرف القصية.
رياح البحر الربيعية، البحر الأخضر أو الداكن الزرقة أو البني المتدرج أو الأصفر الزعفراني، يلبس وشاح الزبد الأبيض، بحر السفن الغرقى والناجية، مناديل الوداع وتلويحة الأيدي لراحلين بلا عودة. بحر المغامرة وغصة الأمهات يربين أبناءهن لبنات الأجانب في المقلب الآخر من الأرض، الأمهات الحزينات يؤدين ما يشبه غناء الفادو البرتغالي، لا يسمعهن أحد.
بحر بلا شواطئ، بلا أشجار وبلا طفولة عابثة. بحر بلا رمل، بلا خطوط على الرمل، وآثار الأقدام لا يمحوها ماء ولا عصف رياح.
عند الشاطئ جلسنا، لم نشعر بالزمن أو أنه كان سريعاً، نراقب بلا ملل حركة الماء وصوت الموج وبقع الضوء ممزوجة بالرذاذ.
بحر يتسع أمامه كل ضيق، لا يقيم حدوداً، فيشرح الصدر هذا الهواء المحمل بالعطر وبراءة الخلق، نتحد به لتنطلق أحلامنا بلا حدود، ونقول إن الآخر جزء من تكويننا.
بحر بيروت يغمرها برائحة أعشابه، يطلب من المدينة أن تصحح وقفتها وأن لا تدير ظهرها له، فالوجه يحلو أمام الماء الكبير ويتجعد أمام الأرض القاحلة، ومعه الفكر يتجعد وينكفئ ويضيق.
الاعتراف
تمسك بيدي مسرعة إلى الحقل المطل على البحر، إلى ذلك الحيز حيث حطام الفخار وحجارة متناثرة كانت، على الأرجح، مدرجاً صغيراً، تؤكد وجوده الباحة الصخرية الملساء في آخر الحطام.
ألحق بها، بحركتها في الحقل، تقطف أعشاباً برية لإعداد الطعام، وأسمعها تدندن لا تغني، تكتفي بالإيقاع.
يدها صارت تراباً وصوتها ضائعاً في الفضاء، وأمشي الآن وحيداً نحو الحقل، مسرعاً أمشي وكل شيء في مكانه، لا أقطف عشباً إنما أدندن مقلداً إيقاعها.
لم أحاول الغناء، كأنها تمنعني، تقول: هذه حجارة بناء روماني، فإما أن تغني باللاتينية أو لا تفعل.
وحدها الموسيقى تنجينا من عزلة اللغة، تؤكد ملكيتنا حضارات أقامت في بلادنا ثم زالت.
ومع الدندنة، يمكنني أيضاً أن أمثل في بقايا المدرج، أؤدي مونودراما، ولكن بلا جمهور.
في الحقل المطل على البحر حيث آثار الآثار، تعلمت الاعتراف العابر الزمن، علمتني إياه السيدة التي أمسكت بيدي ذات يوم.
قبل التجربة
عصفور من النافذة يوقظني، لا طلقة رصاص ولا خطبة قائد.
قبل شروق الشمس هدأة الأزرق والرمادي، في ما يشبه الصلاة، لكن الطبيعة في خفتها وحلمها تتهيأ للتجربة، لنهار رصاص وخطب.
خارج الصورة
لا متسع لي في الصورة.
تزاحموا فملأوا إطار المكان وأنا وراء المصور واقفاً بلا دعوة. أرى الصورة على الحائط. أذكُرُهم واحداً واحداً ولا يذكرونني حين ينظرون إليها في بلادهم الجديدة المتباعدة.
الياقات المنشّاة وربطات العنق المناسبة لبزات من الجوخ الإنكليزي أنجزها خياط واحد يثقون به في بناية اللعازارية، يقفون في الحديقة الصغيرة لاستوديو “فاهيه” ملبين أوامر المصور في طريقة الابتسام ووجهة العيون، إلى أن يبهرهم الضوء ويتم التأكد من إنجاز الصورة.
حملوها معهم حين رحلوا وبقيت وحدي خارج الصورة، بل إن إطار مسكني مزقته الحروب، لم يبق ملائماً لأي صورة.
كتابة المدينة
تعيش المدن بسلام حين يلزم الأفراد حدودهم، يتكلمون على حيزهم الخاص مكاناً وزماناً، وتتهدد المدن بالدمار حين ينسب البعض إلى نفسه النطق باسمها أو القبض عليها، على ما يظنه نبضها السري.
والكتابة مدينة، تسقط أنت في الامتحان حين تدعي القبض عليها، تدخلها الأبدية، تدفعها إلى الدمار حين تعتبرها رسالتك الخالدة.
الكتابة الباقية تواضع.
خطوط محفورة على عمود.
حكاية شخصية جداً في مكان الآخرين المفتوح.
أما الكتابة الرسولية فمعناها الوحيد موتُ المدينة طلباً لبعث لن يكون.
بحر لغيرنا
البحر يضخ أمواجه عالياً: هنا الحياة لا يعرف سرها أحد.
البحر المتهم بالزرقة. بحر أبيض أو أخضر أو رمادي يقارب السواد.
البحر في سكونه ساحة بلا نهاية. نقف تحت الضوء ولا نلمح مدى المياه المدعومة بالكون.
تحت الضوء صوت الأرغن يعزفه أعمى.
تحت الضوء جسد الراقصة يلمع والبحر يخفي عينيه تحت المياه.
لنا البحر ولغيرنا أيضاً.
كل شاطئ وله شاطئ مقابل، فلا وطنية للبحر ولا هوية.
بحر يشبه السفن الضائعة. تفقد السفينة وطنها حين تبحر ولا يسعف العلم المرفوف. بحر السفن والغرقى ليس لنا وحدنا، بحر الوداع وتلويحة الأيدي والمنديل الأبيض الذي كان.
بحر المغامرات غير المحسوبة وغصة الأمهات. تتأكد وحدته وقسوته بعيداً من الشواطئ، بلا أصداف ولا طفولة ولا خطوط على الرمال.
كم كان يقدّم إلى شواطئه عدوى الغموض، وعدوى الشتات، إلى مدن تبدل سكانها كل مئة من السنين، تستقبل الغرباء حتى الاستئناس ثم يرحلون من جديد.
لم يفقد البحر سحره في عصر الطائرات، وداعاته العاطفية في عصر الانترنت.
بحر لغيرنا ويبخل علينا بنعمة الغرق.
