مكة في كتابين: كتاب لألماني مسلم وآخر لأميركي صهيوني

                                                    (2من 2)

هذا المقال هو عن الكتاب الثاني المتصل بمكة وعنوانه “العودة إلى مكة”. مؤلفه أميركي يهودي صهيوني الهوى واسمه دانيس آفي ليبكين. هذا الكتاب يختلف تماماً في الطرح والخلفية عن كتاب مراد هوفمان. ليبكين كاتب ومحلل سياسي إسرائيلي أمريكي، ويُعرف بمواقفه الداعمة لإسرائيل وقراءاته الجيوسياسية ذات الطابع الديني السياسي.  ينطلق ليبكين من فرضية أساسية مفادها أن الشرق الأوسط يعيش تحولات عميقة تتجاوز البعد السياسي التقليدي، وأن لهذه التحولات جذوراً دينية وأيديولوجية لا يمكن فهمها فقط عبر أدوات التحليل السياسي الكلاسيكي. ويرى أن الإسلام السياسي، بمختلف تياراته، يمثل قوة صاعدة لها مشروع عالمي، وأن تجاهل هذا البعد يؤدي إلى سوء تقدير استراتيجي خطير. الكتاب لا يركّز على مكة بالمعنى الجغرافي فقط، بل يستخدم العنوان رمزياً للدلالة على مركز الثقل الروحي والسياسي في العالم الإسلامي، وعلى فكرة “العودة إلى الأصل” كحركة تعبئة أيديولوجية عابرة للحدود.

أحد أعمدة الكتاب هو التأكيد على أن الفصل الغربي التقليدي بين الدين والسياسة لا ينطبق، برأي ليبكين، على كثير من المجتمعات الإسلامية، حيث يشكل الدين إطاراً شاملاً للحياة العامة. وفي نظره أن التحليل الذي يتجاهل هذا البعد يظل قاصراً. لا بل يذهب أبعد من ذلك، فيربط بعض التطورات السياسية بقراءات نبوئية توراتية، معتبراً أن للصراع بعداً روحياً يتجاوز الحسابات المادية. هذا المزج بين التحليل الأمني والرؤية الدينية يمنح الكتاب طابعاً خاصاً، ويجعله أقرب إلى أدبيات التيار الإنجيلي الصهيوني في الولايات المتحدة. يضع ليبكين إسرائيل في مركز تحليله، معتبراً أنها تمثل خط المواجهة الأول في صراع أوسع بين الغرب وما يسميه “الراديكالية الإسلامية”. ويرى أن استقرار إسرائيل وأمنها مرتبطان مباشرةً بالسياسات الغربية في الشرق الأوسط.

كما ينتقد ما يعتبره تهاوناً، أو سوء تقدير، من قبل بعض الحكومات الغربية في التعامل مع الحركات الإسلامية، محذراً من أن ذلك قد يؤدي إلى تهديدات أمنية داخلية في أوروبا وأمريكا الشمالية. ويتناول قضية الهجرة إلى أوروبا، ويطرحها ضمن سياق أوسع يتعلق بالهوية الثقافية والأمن القومي. ويعبّر المؤلف عن مخاوف من أن يؤدي ضعف الاندماج إلى توترات اجتماعية وسياسية طويلة المدى. هذا الطرح يعكس رؤية جدلية ومثيرة للنقاش، إذ يعتمد على قراءة تعتبر أن التحولات الديموغرافية قد تُحدث تغيرات عميقة في بنية المجتمعات الغربية. أسلوب الكتاب مباشر وتحذيري، يميل إلى الخطاب التحليلي المدعوم بأمثلة سياسية وأمنية. لا يعتمد على السرد الذاتي كما في كتاب مراد هوفمان، بل يتبنى نبرة استراتيجية تستهدف صناع القرار والجمهور المهتم بالشؤون الأمنية.

الكتاب يعكس تياراً فكرياً يرى العالم من زاوية صراع حضاري طويل الأمد، ويضع الدين في قلب التحليل الجيوسياسي. لذلك تبدو العناصر البارزة في الكتاب مزجاً بين التحليل السياسي والرؤية الدينية التوراتية. لا يكتفي بقراءة الوقائع الجيوسياسية، بل يربط بعض التطورات بما يراه تحققاً لنبوءات دينية، خاصة في ما يتعلق بمكانة إسرائيل في المنطقة، ويتماشى مع التيارات الإنجيلية الصهيونية في الولايات المتحدة التي تنظر إلى الصراع في الشرق الأوسط من منظور روحي تاريخي ممتد لا يأخذ في الاعتبار حقهم الفلسطينيين التاريخي والقانوني في أرضهم، لذلك تحتل إسرائيل موقعاُ مركزياُ في طرح ليبكين؛ إذ يعتبرها خط المواجهة الأول في صراع أوسع بين الغرب والحركات الإسلامية الراديكالية. ويرى أن السياسات الغربية تجاه الشرق الأوسط يجب أن تُبنى على فهم عميق لهذا البعد، محذراً من أن أي تساهل أو سوء تقدير قد يؤدي إلى نتائج استراتيجية خطيرة. في هذا السياق، يدعو إلى يقظة أمنية أكبر وإلى تبني مقاربة أكثر صرامة في التعامل مع ما يصفه بالتهديدات الأيديولوجية.

أسلوب الكتاب يغلب عليه الطابع التحذيري. لا يعتمد على السرد الذاتي أو التجربة الشخصية، بل يتوجه إلى القارئ بصفته مهتمًا بالشؤون الاستراتيجية وصنع القرار. وتبدو اللغة أحياناً مشحونة بقلق واضح من المستقبل، ما يعكس رؤية تعتبر أن العالم يقف أمام تحولات كبرى قد تعيد رسم الخريطة السياسية والثقافية. ومع ذلك، يظل الكتاب مثيراً للجدل. منتقدوه يرون أنه يتضمن تعميمات واسعة، وأنه يربط الإسلام كدين يعتنقه أكثر من مليار إنسان، بتيارات سياسية محددة، بما قد يعزز الصور النمطية أو يغفل التنوع الكبير داخل المجتمعات الإسلامية. يُؤخذ عليه أيضاَ اعتماده على منظور أيديولوجي واضح قد يؤثر في حيادية التحليل.

يخصص ليبكين مساحة واسعة لتحليل صعود الحركات الإسلامية منذ سبعينيات القرن العشرين، معتبراً أن إخفاق المشاريع القومية والعلمانية في المنطقة فتح المجال أمام تيارات دينية لتملأ الفراغ السياسي والاجتماعي. ويرى أن هذه الحركات لا تعمل بمعزل عن بعضها، بل تتقاطع فكرياً وتنظيمياً ضمن شبكة أوسع تتجاوز الحدود الوطنية. ويذهب إلى أن هذا التشابك يمنحها قدرة على التأثير الدولي، سواء عبر النشاط السياسي أو عبر وسائل أكثر صدامية. يربط بين التحولات الديموغرافية والهجرة إلى أوروبا وأمريكا الشمالية وبين ما يراه تغيراً تدريجياً في موازين القوى الثقافية والسياسية. ويعبّر عن مخاوف من أن يؤدي ضعف سياسات الاندماج أو تجاهل البعد الأيديولوجي لبعض الحركات إلى تحديات أمنية داخل المجتمعات الغربية. هذا الطرح يعكس رؤية جدلية، إذ يعتمد على قراءة تعتبر أن التحولات السكانية قد تكون عاملاً استراتيجياً مؤثراً على المدى الطويل.