في شهر مايس من عام 2026 قام الرئيس الأمريكي ارنولد ترامب بزيارة رسمية للصين الشعبية استمرت ليومين. وقد اجمع جل الرأي على أن هذه الزيارة كانت ناجحة على نحو واضح. أن هذا النجاح متفاعلا مع مخرجات معطيات العلاقة الأمريكية-الصينية الراهنة يدفع الى سؤال مهم، هو: كيف يمكن، أو يحتمل، أن تكون مستقبلات العلاقة الثنائية بين الدولتين: الولايات المتحدة الأمريكية والصين في زمان ما بعد المستقبل المتوسط ، إي الزمان الممتد لأكثر من عقدين ابتداءً من الحاضر.
وقبل محاولة الاجابة على هذا السؤال، يعد ضروريا تناول المدخلات التي تمهد لهذه الاجابة. وتفيد العناوين الفرعية ادناه بمضامين هذه المدخلات. وبصدد استشراف مستقبلات موضوعنا أعلاه ، لنتذكر تأكيد دراسات المستقبلات على أنها لا تنصرف إلى التنبؤ القاطع بما سيكون، وإنما إلى الاستشراف العلمي للمشاهد البديلة، الممكنة أو المحتملة أو المرغوب فيها، للمستقبل انطلاقا من المعطيات المؤكدة والمؤثرة التي يفيد بها واقع حاضر موضوع الاهتمام سبيلا لتحديد المشاهد البديلة لمستقبل هذا الموضوع، ومن ثم ترجيح المشهد الأكثر احتمالا منها.
أولا، قانون الصعود والافول للدول في السياسة الدولية
منذ نحو منتصف القرن الماضي صعودا، والعالم يتغير وبمعدل سرعة غير مسبوقة وبمخرجات أفضى بعضها إلى اقتران التفاعلات الدولية بأفعال مجاميع متعددة ومتنوعة من اللاعبين الدوليين التقليديين والجدد . ومع هذا التطور المهم، إلا أنه لا يلغي حقيقة دولية مفادها أن الدولة ستبقى بمثابة اللاعب الأساس في التفاعلات الدولية ولزمان طويل قادم . ويؤكد هذه الاحتمالية المرجحة العديد من المؤرخين والمستقبليين، ومثالهم الأمريكي، بول كنيدي في كتابه المهم: الاستعداد للقرن الحادي والعشرين.
بيد أن هذه الاحتمالية ، لا تلغي حقيقة تباين الدول المعاصرة في إمكاناتها الموضوعية والذاتية، ومن ثم في تأثير أنماط سلوكها السياسي الخارجي. ولهذه الحقيقة الموضوعية تعددت الاجتهادات ذات العلاقة بتصنيف الدول. ومنها ذاك الذي انطلق مثلا من نوعية الامكانات الموضوعية والذاتية للدول لتصنيفها إلى سبع مجاميع: دول عظمى، وكبرى، واساسية، ومتوسطة، وفرعية، وصغرى، وعادية. وبالقدر الذي يتعلق بنا، نرى أن الاخذ بمعيار قوامه نوعية العلاقة بين الفاعلية الداخلية للدولة وفاعليتها الخارجية يفضي إلى تصنيفها ،خماسيا ،إلى: دولة، أو دول، عظمى، ودول كبرى، ومتوسطة ، وصغيرة، وصغرى.
على الرغم من تعددية التصنيفات للدول المعاصرة، بيد أنها ليست بمعزل عن تأثير قانون صعود وأفول الدول. فهذا القانون، الذي كان لصيقا بالتاريخ الدولي منذ عهد دول المدن في اليونان ما قبل الميلاد، يذكرنا بحقيقة أن بداية صعود ثمة دولة كبرى إلى قمة الهرم الدولي كان قد تزامن على الدوام مع بداية افول دور دولة عظمى أو كبرى أخرى، ومن ثم نزولها من هذه القمة. ولنتذكر مثلا الصعود الدولي الأمريكي مقابل الافول البريطاني بعد الحرب العالمية الثانية . والشيء ذاته ينسحب على بداية الافول الأمريكي التدريجي مقابل بداية الصعود الصيني التدريجي كحالة معاصرة.
وبالقدر الذي يتعلق ببداية أفول الولايات المتحدة الامريكية، يرى العديد من أصحاب الاختصاص أن الجسد القومي الأمريكي يعاني منذ زمان من اثار مخرجات هيكلية سلبية. ، لنتذكر مثلا أن المؤرخ والمستقبلي الأمريكي بول كنيدي كان قد تكلم عما اسماه بالمعضلة الأمريكية في كتابة: الاستعداد للقرن الحادي والعشرين، ورأى ان مخرجات هذه المعضلة تفضي إلى أن تكون ” …الولايات المتحدة أمة في طور الأفول” ( ص361) .ويجد مثل هذا الاستشراف, على الرغم من مناهضته أمريكيا, دعما لدى تيار من المفكرين داخل الولايات المتحدة ذاتها وكذلك خارجها . فهذا التيار ينطلق من فكرة مفادها أن مصير الإمبراطوريات، بمعنى القوى العظمى، كان عبر التاريخ واحدا هو الانكماش والتراجع أولا، ومن ثم الاضمحلال والزوال لاحقا. بيد أن مضمون دالة الشعار الذي رفعة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في ولايته الأولى والثانية، وهو:” اجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى” (Make America Great Again) يعترف ضمنا بالمعضلة الأمريكية التي قال بها بول كنيدي.
وكما هو الحال مع سلوك قوى دولية تراجعت سابقا، من المرجح ان تبقى الولايات المتحدة مستمرة في تبني مختلف السياسات الداخلية التي تتيح مخرجاتها احتواء الاختلالات الهيكلية في جسدها القومي، وكذلك السياسات الخارجية الهادفة إلى إنهاك تلك القوى الدولية البازغة، ولاسيما المنافسة منها وخصوصا الصين، سبيلا للبقاء متربعة على قمة الهرم الدولي السائد كقوة عظمى وحيدة. وتجربة التاريخ لا تؤكد انها ستستطيع.
واما عن الصن، يؤكد كثير من أصحاب الاختصاص، ومنذ زمان، أن الصين تُعد من بين أبرز مجموعة تلك الدول السائرة في طريق النمو وبوتائر سريعة. وجراء مخرجات هذا النمو، قيل مثلا: أن الصين هي:” … المنافس المحتمل لمقارعة القوة الأمريكية والتفوق عليها.”, أوهي:” … من ستنهي القرن الأمريكي”, أو هي: التي” … ستقفز إلى المقدمة كأحد العوامل الأساسية التي ستحدد صورة هذا العالم ( عالم القرن الحادي والعشرين)”.
وتدعم هذه الاقوال وسواها مخرجات المؤتمر العاشر للحزب الشيوعي الصيني في عام 1976. فهذه المخرجات شكلت نقطة البداية لعملية نهوض صيني لازالت مستمرة. وتفيد حصيلة هذه العملية أن الصين استطاعت ان تحقق نموا متراكما ومتصاعدا في نوعية قدراتها الداخلية، وعلى شتى الصعد، وأن كمية ونوعية هذا النمو انعكس إيجابا على نوعية سياستها الخارجية، ومن ثم على دورها الدولي في النظام الدولي. فالصين أضحت موضوعيا بمثابة القوة الدولية الأقدرعلى منافسة للولايات المتحدة الأمريكية.
أن ما تقدم، لم يكن بمعزل عن رؤية مستقبلية بعيدة المدى تمتد إلى عام 2050, أي العام الذي سيشهد مرور قرن وعام على اعلان ميلاد جمهورية الصين الشعبية في عام 1949. وقد اقترنت هذه الرؤية بتخطيط استراتيجي انطلق من اتجاهيين أساسيين أصبحا يشكلان المهمة القومية الأولى للصين منذ المؤتمر الثاني عشر للحزب الشيوعي الصيني عام 1977.
فأما عن الاتجاه الآول، فقد أقترن بتبني الاستراتيجية الواقعية في التعامل الدولي سبيلا لتحقيق التنمية الشاملة . أماعن الاتجاه الثاني، فهو يكمن في تغليب الآخذ بسياسة التعاون الدولي على سياسة الصراع الدولي سبيلا لإدارة علاقاتها الدولية. لذا لم تعد لا الأيديولوجية، ولا العزلة السياسية الخارجية النسبية تتحكم في أنماط التعامل الدولي الصيني كما كان عليه الحال خلال عهد ماو تسي تونغ وحتى وفاته عام 1976.
.ثانيا، ماضي وحاضر العلاقة الأمريكية- الصينية
يفيد تاريخ السلوك السياسي للولايات المتحدة حيال الدول المنافسة له، وتبعا لنوعية علاقاتها مع هذه الدول، اقترانه بواقع التذبذب بين أما التعاون، أو المنافسة، أو الصراع، أو بجميع هذه الخصائص في أن. ولنتذكر مثلا واقع التذبذب الذي مرت به السياسة الأمريكية حيال الاتحاد السوفيتي السابق خلال مرحلة الحرب الباردة (1947-1990), وما بعدها.
وهذا التذبذب ينسحب ايضا على السياسة الأمريكية حيال الصين بعد اعلان ميلاد الدولة الصينية عام 1949. فعدم الاعتراف الرسمي بالدولة الصينية الجديدة، ومن ثم دعم السياسة الأمريكية لحكومة فرموزا/ تايوان/, كممثل وحيد للصين، متفاعلا مع التوجه العقيدي للسياسة الخارجية الصينية آنذاك المعادي للولايات المتحدة، فضلا عن التحالف الصيني مع الاتحاد السوفيتي السابق، لم يؤد إلى بقاء العلاقة الرسمية بين البلدين حتى عام 1972 مقطوعة فحسب، وإنما إلى أن تتسم أيضا بخاصية التوتر الشديد.
بيد ان السياسة الخارجية الأمريكية حيال الصين بدأت بالتحول التدريجي نحو التعاون النسبي وخصوصا بعد أن أصبحت في عام 1964 دولة نووية، وأخذت علاقاتها مع الاتحاد السوفيتي السابق بالتدهور. على أن هذا التحول لم يصبح واقعا ملموسا ألا بعد زيارة الرئيس الأمريكي الأسبق: ريتشارد نيكسون للصين عام 1972.فهذه الزيارة، هي التي أدت الى الاعتراف الأمريكي الرسمي بدولة الصين، وتبادل التمثيل الدبلوماسي معها، فضلا عن جعل المقعد المخصص للصين في مجلس الآمن الدولي للصين الشعبية بدلا عن الصين الوطنية/تايوان/ ، ناهيك عن بدء تطور العلاقات التجارية وسواها.
وقد استمرت العلاقة الأمريكية-الصينية في عهود الرؤساء جيمي كارتر، وبل كلنتون، وباراك أوباما، تتميز في العموم باستمرارية خاصية التعاون النسبي. بيد ان هذه الخاصية كانت مؤقتة. فاستمرار نمو الفاعلية الداخلية للصين وانعكاساتها الإيجابية على سياستها الخارجية أدى إلى انتشار رؤى أمريكية حيال الصين توزعت على تيارين أساسين:
فأما عن التيار الآول، فقد أدرك دعاته من صناع السياسة والرأي أن مخرجات النهوض الصيني ” …تستوي والتهديد الاستراتيجي على المصالح الأمريكية في اسيا خصوصا والعالم عموما. كما ان هذا التيار رأى ان الصين ليست كالاتحاد السوفيتي السابق: قوة عسكرية ذات اقتصاد ضعيف ، وإنما هي دولة ذات اقتصاد قوي وينمو باضطراد ومن ثم قادر على بناء قوة عسكرية مؤثرة.” وقد تم تشبيه الواقع الصيني بمثله الالماني في أواخر القرن التاسع عشر حتى اندلاع الحرب العالمية الثانية عام 1945. لذا لم يستبعد هذا التيار احتمال اندلاع الصراع العسكري بين الدولتين خصوصا عندما يتفاقم تناقض المصالح بينهما.
وقد وجد هذا التيار استجابة لدى إدارات أمريكية لاحقة لإدارة نيكسون ومن بعده، منها إدارة جورج بوش الابن. فهذه جعلت الصراع الكامن والعلني معها محور سياستها الخارجية حيال الصين. وكذلك هو الحال مع الإدارة الأولى لرونالد ترامب. فرؤيته للصين بمثابة العدو دفعت به إلى أن يجد في سياسة الاحتواء السبيل الأمثل للتعامل معها.
واما عن التيار الثاني، فهو يذهب الى العكس. إذ دعا، ولايزال، إلى الانفتاح على الصين وبناء علاقة تعاون معها، هذا انطلاقا من مخرجات التطبيقات العملية لأولويات السياسة الخارجية الصينية السلمية بعد عهد ماو. وجراء هذه التطبيقات التي يؤكدها السلوك السياسي الخارجي الصيني استمر هذا التيار في ادراكه ان هذه التطبيقات تحول دون أن تشكل الصين تهديدا جادا للولايات المتحدة.
ثالثا، مشاهد مستقبلات العلاقة الأمريكية -الصينية
تفيد معطيات ماضي وحاضر هذه العلاقة بثلاثة مشاهد مستقبلية بديلة محتملة، هي: مشهد التعاون ، ومشهد المنافسة والصراع، ومشهد الوفاق. ادناه، سنتناول كل من هذه المشاهد باختصار:
1.3 مشهد التعاون
يعبر هذا المشهد، الذي تقترن به السياسة الدولية ضمن سواه، عن أسلوب من التفكير والاستراتيجية تتبناه ثمة دول سبيلا إلى ألا تؤدي بالمحصلة مخرجات افعالها المتبادلة، إلى أن تكون ثمة دولة هي الرابحة، والدولة ألاخرى هي الخاسرة . ومن هنا ينطوي هذا المشهد على استمرار الحوار بين ثمة دول بشأن القضايا المختلف عليها بقصد الوصول إلى توافقها وتحقيق رضاها المشترك. ومما يساعد على اقتران العلاقة بين دولتين بهذا المشهد تأثير ثمة متغيرات مساعدة.
وكثيرة هي الشواهد التي تفيد بانسحاب ما تقدم على العلاقة الأمريكية- الصينية، ومثالها التعاون الواسع على الصعيد الاقتصادي، متجسدا مثلا في التجارة والاستثمار والاقراض، فهذا قد يفضي إلى نوع من العلاقة تستوي” والتبعية المتبادلة ” كما أسماها أحد الآراء، والتي لا تسمح أهمية عوائدها، متعددة المضامين، التضحية بها لصالح اهداف سياسية.
3. 2 مشهد المنافسة والصراع
علميا، يفيد مفهوم المنافسة بسعي ثمة دولة إلى تحقيق ثمة مصالح منشودة من قبلها، ولكن دون أن يفضي هذا السعي إلى تضاربه مع سواها. وعادة تجري المنافسة ضمن بيئة مفتوحة تتيح للدول المعنية السبيل لتحقيق المصالح المنشودة عبر سياسة التعايش السلمي مع بعض. بيد أن المنافسة السلمية قد تتحول إلى صراع عندما تعمد إحدى الدول المتنافسة إلى الحيلولة دون تحقيق الدولة المتنافسة الآخرى لمصالحها المنشودة. والتاريخ الدولي ينطوي على أمثلة عديدة تؤكد ما تقدم.
والشيء ذاته ينسحب على موضوعنا. فالولايات المتحدة والصين يتنافسان سلميا في كثير من أقاليم العالم. ومنها مثلا إقليم الخليج العربي الذي لكل من الدولتين الأمريكية والصينية فيه مصالح مهمة وواسعة. بيد أن هذه المنافسة قد تضحى مدخلا يدفع للصراع بينهما، عندما تدرك الصين أن الولايات المتحدة تسعى، عبر هذه السياسة أو تلك، إلى تعطيل تحقيقها لمصالحها في هذا الإقليم، ومن ثم تعمد هي الى الشيء ذاته حيال المصالح الأمريكية فيه. ولنتذكر ان الصراع الدولي. يعبر عن بتفاعل منسق بين دولتين في الأقل تتميز أنماط سلوكها المعلنة بنزوعها إلى تحقيق مصالح متناقضة عبر أدوات تعكس نوعية قدراتهما المتاحة على الفعل، وبمخرجات قد تفضي أما إلى ربح احداهما وخسارة الآخر (اللعبة الصفرية)، أو إلى ربحهما أو خسارتهما معا في أن (اللعبة غير الصفرية). والصراع، بهذا المعنى قد يكون حقيقيا تفيد به ممارسات سلوكية عملية أو قد يكون كامنا عندما تتميز مصالح أطرافه بتناقضها وإدراك هذه الأطراف لهذا التناقض، ولكن دون أن يفضي هذا التناقض والادراك إلى الآخذ بأنماط من السلوك تفضي إلى اندلاع الصراع عمليا.
ويتكرر القول أن العلاقات الأمريكية- الصينية مرشحة إلى أن ينسحب عليها فخ المفكر اليوناني ثيوسيديدس، الذي استخلصه من الحرب البيلوبونيسية (431-421 قبل الميلاد) بين دول المدن اليونانية ولاسيما أثينا وإسبارطة . ويفيد هذا الفخ أن هذه الحرب تندلع بين دولتين جراء تحدي قوة صاعدة لقوة أخرى مهيمنة. ولان إسبارطة أدركت، في وقته، أن مخرجات صعود أثينا تنطوي على تهديد لهيمنتها، ذهبت إلى الحرب معها لوقف صعودها. وعلى مدى القرون الخمسة الماضية افضت 12حالة من بين 16 حالة مماثلة إلى اندلاع الحرب بين دولتين.
وعلى الرغم من أن تناقض المصالح الامريكية -الصينية، هنا وهناك، كما هو الحال مثلا في بحر الصين الجنوبي وكذلك الشمالي، قد يفضي خلال الزمان الممتد إلى عام 2050 إلى اندلاع صراع بين الدولتين: الصين والولايات المتحدة ربما أشد من الصراع الأمريكي-السوفيتي في زمان تفاقمه. بيد أن هذه الحرب ستبقى، جراء تأثير ثمة مدخلات مهمة، تحت السيطرة الثنائية. ونرى أن أبرز هذه المدخلات يكمن في الآتي:
أولا، ريادة العلاقات الاقتصادية الصينية- الامريكية. وتكمن هذه الخاصية في واقع الاعتماد الاقتصادي المتبادل وشبه الشامل بين الدولتين، وغني عن القول ان مخرجات مثل هذا الواقع لا تسمح إلا بعلاقة سلمية حتى وأن انطوت على توترات وازمات متكررة. إذ أن الخسارة الاقتصادية الباهظة الناجمة عن استخدام القوة العسكرية هي التي تعطل اللجوء الى هذا الاستخدام معا.
ثانيا، تجنب الدول النووية استخدام سلاحها النووي ضد بعضها الآخر سبيلا لفض صراعاتها. فالخشية من الدمار المؤكد وشبه الشامل الناجم عنه هي التي تفضي ألي تغليب التسوية الدبلوماسية على سواها لحل صراعاتها. ولعل أبرز الأمثلة التي تؤكد ذلك هي ازمة الصواريخ بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي السابق عام 1962. فهذه الآزمة كادت تؤدي ألي اندلاع الحرب العالمية الثالثة لولا حكمة إدارتها.
لذا، من غير المرجح ان تعمد الولايات المتحدة والصين إلى استخدام سلاحهما النووي ضد بعضهما الآخر حتى في حالة تصاعد صراعهما. ولا يلغي هذا الترجيح تفوق الولايات المتحدة على الصين من حيث عدد الرؤوس النووية التي تملكها. فالدمار المؤكد والشامل للضربة الثانية الصينية، لن يكون اقل تأثيرا من الضربة الأولى الامريكية. ومن هنا يتكرر القول: إن السلاح النووي هو للردع وليس للاستخدام العملي.
3.3 مشهد الوفاق
تفيد خبرة السياسة الدولية عبر الزمان ان تقارب المصالح المنشودة من قبل الدول أو تضاربها هو المدخل الأساس لتعاونها أو لصراعها ، ضمنا أو صراحة. بيد أن هذه المصالح لا تقترن دوما بهذه الثنائية: التقارب أو التضارب فقط، وإنما أيضا بهما معا، ولكن بنسب قد تكون متباينة. وفي هذه الحالة يتأسس التفاعل بين دولتين على التعاون والصراع معا . وتُقدم العلاقة الأمريكية- السوفيتية خلال الحرب الباردة وما بعدها أحد الأمثلة الحديثة على هذا النمط من التفاعل المزدوج. فبينما كان الصراع الضمني والصريح في العموم هي الخاصة الأساس لهذه العلاقة خلال الحرب الباردة، كان الوفاق، والتعاون الناجم عنه، هو أساس هذه العلاقة بعد تلك الحرب.
وبالقدر الذي يتعلق بمستقبلات العلاقة الأمريكية-الصينية ، يمكن أن يتأسس مشهدها الثالث على مثل تلك المعطيات الذي تأسست عليه سياسة الوفاق الأمريكية- الروسية، ولاسيما حاجتهما لتوظيف مخرجات سياسة الوفاق لتحقيق اهداف متباينة بعيدة المدى. ونرى أن هذه المخرجات تكمن أمريكيا في توظيفها لتعطيل عملية أفولها الدولي. أما صينيا، فبهذه يراد دعم ريادتها وارتقائها الدولي. ونكرر القول ان الصين تتطلع إلى أن تكون في عام 2050 ، وكما كانت أيام إمبراطوريتها 1360-1840م، قوة دولية عظمى.
وفي ضوء ما تقدم، نرى، اننا نحن العرب، بحاجة إلى تبني دراسات المستقبلات سبيلا للتعامل الموضوعي مع مخرجات مشاهد العلاقة الامريكية – الصينية. ففي عالم يتغير على نحو غير مسبوق لابد من الوعي المسبق بمخرجاته والاستعداد لها.
