نزار قبّاني، شاعر الغضَب والسكينة…

كان نزار قبّاني شاعرًا دمشقيًّا استطاع أن يجتاز الحدود ليكون شاعر العامة والنُخبة، بلغةٍ بسيطة مِطواعة ومُفردات منتقاة وجُملٍ سيّالة البوح قال بما عجز عن وصفه كثيرين، كان يرسُم بالكلمات ويُنتج رسائل الحب بزخم شعريّ. حافظ في شعرِه على موسيقى الشعر الداخليّة، كتب قصائد عموديّة والكثير من قصائد التفعيلة، وغنّى له العديد من المغنّين العرب المشهورين نذكر منهم عبد الحليم ونجاة الصغير فيروز وكاظم الساهر.

استطاع أن يصنع مجده الشخصيّ بدبلوماسية فاخرة، الكتابة عن نزار قباني قد لا تأتي بجديد، وقد تعيد اجترار ما قيل عنه، ولكن يمكن للمتتبّع أن يلمس هذا الشغف بإعادة إنتاج القول.

كتب نزار ما يقارب الـ 35 ديوانًا، نذكر منها: (قالت لي السمراء، حبيبتي، قصائد متوحّشة، لا غالب إلا الحب، هوامش على دفتر النكسة…) والكثير من كتب النثر التي نذكر منها كتابين عن سيرة حياته وعن علاقته بالشعر ” قصتي مع الشعر” “من أوراق المجهولة”. ونزار الذي شبع من حبّ أمّه كان مقدامًا في إبداع القصيدة وفي حبكِها وتوزيعها حتى أسّس دارًا للنشر في بيروت مختصًا بنشر دواوينه وكتاباته.

حياة في سيرة

هو ابنُ مدينة دمشق  العريقة في القدم، (1923- 1998) جدّه خليل القباني من روّاد المسرح العربيّ، نشأ في جوّ أسريّ مفعم بالحبّ، عاش طفولة هانئة ، يقول في سيرته: “كنت أعيش في بحر من الألوان أرسم على الأرض وعلى الجُدران..”  كانت والدته “فائزة” من أصول تركيّة سكنت في وجدانه وفي شعره.

 وكان بيت العائلة مزارًا للشعراء وللمقاومين فكان والده توفيق قباني يفتح بيته للمقاومة الوطنية ضد الانتداب الفرنسيّ يستقبلهم في بيته. نشأ محباً للفن بأشكاله من رسم وخط فترجم ذلك في شعره “الرسم بالكلمات”، حفظ أشعار الأقدمين، وتتلمذ على يد الشاعر “خليل مردم بك” الذي علّمه أصول النحو والبلاغة.

عايش مأساة انتحار شقيقته من أمّه عندما كان طفلًا، صدمة فتحت قريحته على وضع النساء في العالم العربيّ وعلى الظُلم اللاحق بهن، لذا اتخّذ من مأساة المرأة صوتًا شعريًّا بثه عواطفه وجلالة الأثر

درس الحقوق في الجامعة السوريّة، وعُيّن في السلك الدبلوماسيّ الذي أتاح له التنقّل بين العواصم والاحتكاك بالسياسيين، حتى استقالته في العام 1966. استقرّ في لبنان متفرغًا للشعر العام 1966 وأسّس دار نشر خاصة به “منشورات نزار قبّاني”، تزوج من ابنة خاله زهراء وأنجب منها هدباء وتوفيق، ثم انفصل الزوجين، وكان زواجه الثاني من بلقيس الراوي وهي عراقيّة كانت تصغره بعقدَين، وأنجب منها عمر وزينب.

بعد مقتل بلقيس بحادثة انفجار السفارة العراقية في بيروت العام 1982، غادر لبنان واستقرّ في لندن حتى مماته.

وفي الحب كان دفّاقًا، عاشقًا ومعشوقّا، ولم يرض أن يكون مُهانًا، بل أفسح طريق الخضوع والتذلّل للمرأة، فكان عاشقًا لذاته قبل عشقه للمرأة، يتغزّل بنفسه باسم المرأة.

كان لحرب النكسة الأثر الأعمق في نفسه، فعافى الشعر الرومنسي “مالحةُ في فمنا القصائد..” ودخل عالم السياسة المظلم، قادحًا وذامًا هوان حال الأمّة وزيف خطاباتها.

، ونعى ابنه توفيق في قصيدة” إلى الأمير الدمشقيّ توفيق قبّاني”:

 ” يهاجمنا الموت من كل صوب..

ويقطعنا مثل صفصافتين

فأذكر، حين أراك، عليا

وتذكر حين تراني، الحسين..

أشيلك، يا ولدي، فوق ظهري

كمئذنة كسرت قطعتين..”

توفي في 30 نيسان بأزمة قلبية العام 1998. ودُفن في الرحم الذي علّمه الشعر وأبجدية الياسمين “دمشق”.

قصيدة في الحبّ

في قصيدة إلى تلميذة من ديوان “الرسم بالكلمات”، والتي بُنيت على بحر الكامل وغنّاها الفنان كاظم الساهر، وكما في الكثير من قصائده يتبدى نزار نرسيس ذاته، هو المعشوق فالقصيدة بعنوانها “إلى تلميذة” تبدأ بإشكالية العمر والخبرة، فالتصوّر الأوّل للمُرسَل إليها أنّها فتاة تُرجعنا إلى قصيدة عمر ابن ربيعة الذي كان من المؤثرين في شعر وتفكير نزار، ولعلّ نزار تلبّس لبوسه فكان يرى نفسه مقصودًا من قبل النساء ومتيّمًا به: “قالت الصغرى وقد تيّمتها.. قد عرفناه وهل يخفى القمر؟!” وهنا يحيلنا العنوان إلى نزار المعلّم والمُرشد يدخل باب القصيدة بالنصح، فالتلميذة العاشقة تكادُ تنهار متذلِلةً “قل لي ولو كذبًا كلامًا ناعمًا” والمعشوق “قد كاد يقتلني بك التمثال” يترفّع عن هذا الحُب، ولا يتفاعل مع مشاعرها، فهي طفلة ومبتدئة في الحب، وبينها وبينه أبحر وجبال من فارق العمر والخبرة، ولكن نزار هنا يناقض نفسه، ” لن تستطيعي أن تتفهّمي أنّ الرجال جميعهم أطفال؟” هو يريد امرأة تعامله كطفلها تعتني به وتُهديه العشق والحنان وليس مستعدًا أن يقوم هو بدو الأمّ في الحب، وما تتطلبه هذه الصغيرة من اعتناء واهتمام وتفاعُل، فهو لا يستطيع أن يكون محتالًا ينسج الكلمات ليرضي غرور الأنثى فيها، ولكن في وقفة تأمل يصمت ” فالصمت في حرم الجمال جمالُ” يريد نزار هنا ان يبرز كفارس يختار الصمت كفعل مقاومة اتجاه هذه العاشقة الصغيرة، التي تفتقد للخبرة وتعيش في هوامات الحب المراهقة، “قصص الهوى قد أفسدتك فكلها غيبوبة وخرافة وخيالُ”، وهو العارف المتمكّن من فنّ الحب الناضج يدرك أن “الحب ليس رواية.. في ختامها يتزوج الأبطال”.

 يبدو نزار خائفًا ما قد يترتب عليه هذا الحب من متطلّبات، فالصغيرة بفطرتها ترى أنّ الحب يعني الزواج، ونزار يريد أن يكون متحرّرًا من أيّ ارتباط أو ثمن، بينه وذاته يعيش هذا الحب البريء: “هو أن تظل على الأصابع رعشة وعلى الشفاه المطبقات سؤالُ” فالحب في حالته هذه:” إبحار دون سفينة، رعشة الأصابع، شفاه مطبقة، جدول أحزان، نموت نحن وتزهر الآمال، يأس، شك، كف….”.

ويدور في حلقة النُصح والشرح، ليقول “لا تجرحي التمثال” مما يعني أنّه متلبّسٌ لهذا الدور ويعيشه ولكنه لا يفتقد للشعور، يبادلها الحب ولكن بينه وذاته “إني أحبك من خلال كآبتي.. وجها كوجه الله ليس يطالُ”.

يعكس صراعًا يؤدي فيه دور التمثال والتلميذة هي العاشقة الولهى، هو الناضج الذي يختار الصمت ترفعًا وفروسيّة وهي الطفلة المدللة التي تتعامل مع فكرة الحب كرواية رومنسيّة، هي التي يُرهقها صمته فتجود بوحًا، وهو الناضج المُتعالي وفي الحب يريد أن يكون طفلًا بمعنى أن لا يكلّفه الحب مسؤولية.

بهذه البساطة اللغويّة بصور بلاغيّة جميلة ودفّاقة والروح الشعريّة العالية رمسن نزار هذا الحب، وسرد لنا بثمانية عشر بيتًا قصة حب يائسة، وعلى بؤسها تحمل براءة الشعور واستحالة البوح يبدو الحب هنا كتجربة روحية يترفّع فيها عن الحسّ، متبنيًّا قيم الفروسيّة من الشهامة والترفع عن ما قد يسببه الاعتراف من أذى.

من الحُب إلى النكسة

انشغل نزار في مرحلة من مسيرته الشعريّة الطويلة بالشعر الموجّه للمرأة وباح بمكنوناتها، وانغمست مفرداته بتفاصيلها الجسديّة والأنثويّة، وكال الحُب بمكيال التفعيلة والقافية، حتى وقعت النكسة في العام 1967 فأُصيب بسكتةٍ عاطفيّة، نتيجة واقع سياسيّ وعسكريّ واجتماعيّ سحق العرب والعروبة، فكانت قصيدة “هوامش على دفتر النكسة” بيانه الشعريّ الحاد.

يذكر الدكتور فاضل محمد عبدالله الزبيدي في مبحث بعنوان: “جذور الشعر السياسي عند نزار القباني” أنّ نزار كان يستشيط غضبًا أمام النُقاد والصحفيين مطالبًا أن يخرجوه من قارورة شاعر المرأة الضيقة،  مٌعلنًا أنّ دوره كشاعر يتعدى إسعاد القارئ وترفيهه، بل دفعه للمشاركة في موجة غضب تشمل كلّ الوطن العربيّ، ودفعه للوعيّ السياسيّ دفعًا. ظلّ قباني متابعًا للوضع الحركيّ السياسيّ العربيّ وكان مهتمًا بولادة العمل الفدائيّ الفلسطينيّ، فلم يفقد بوصلته فيها حتى مماته.

ويذكر أنّه؛ انتقدّ الحكام العرب، انتقد جمال عبد الناصر الذي كان زعيمًا وممثلًا أوّل للوعيّ العربي ورثاه في موته، وانتقد أثرياء العرب لانشغالهم بمصالحهم وملذاتهم الدنيويّة، وانتقد الشعب العربي بعنف، في “قصائد مغضوب عليها”:

 “لا تسر وحدك بين أنياب العرب

يا صديقي رحم العرب”.

ويشرح الزبيديّ كيف كان نزار ناقمًا على الذات العربيّة، متحاملًا على بؤسها وانكسارها، ساخرًا من عدميّة خطاباتها، ناكرًا وجودهم كقوم “ليس في معاجم الأقوام.. أقوام اسمها عرب” كان صوت العرب في غفلتهم، وشجاعته في العلن كانت ما يخشون قوله، لذا ظلّ العرب يقرأون نزار لأنّهم يدركون أنّ ما يقوله هو غضبٌ ممزوج بالعتب، وقهرٌ غلبه الحزن.

يقول الكاتب اليمني ناصر يحيى في تقرير جاء على موقع الجزيرة نت، عن حياة نزار قباني وشعره:

 ” انتشر هوامش على دفتر النكسة في دنيا أمّة نامت على أغاني النصر وهدير أحمد سعيد في إذاعة صوت العرب يبشر بتحرير فلسطين، واستيقظت على فاجعة الهزيمة..”.

من قصيدة “هوامش على دفتر النكسة”:

“إذا خسرنا الحرب لا غرابة

لأننا ندخلها

بكلّ ما يملكه الشرقي من مواهب الخطابة،

بالعنتريات التي ما قتلت يوما ذبابة

لأننا ندخلها بمنطق الطبلة والربابة.

السر في مأساتنا

صراخنا أضخم من أصواتنا

وسيفنا أطول من قاماتنا.”

ويقول:

  “ما دخل اليهود من حدودنا

وإنّما تسربوا كالنمل من عيوبنا”.

في حوار مع مجلة الهلال المصريّة عدد يونيو 1994 يُظهر نزار ندمًا على شعره السياسي، معللًا أن الشعر السياسي العربي لا ديمومة له ولا ثبات، لأن الواقع العربي شديد الاهتزاز، فيقول:

 “وبكل صراحة أعلن أمامكم أن كلّ الملاحم السياسية التي ملأنا بها الدنيا قرقعةً وضجيجًا لم تكن أكثر من ريبوتاجات صحفيّة وضعها التاريخ في سلة المهملات”.

 كان نزار مسكونًا بالحُب، حُب الأرض وحبّ الوطن العربيّ، وكان شاعرًا بارًا بوطنه الأمّ، حافظًا لتاريخ دمشق عاصمة الحضارة العربية في العهد الأمويّ، ولم يكن شاعرًا متعصّبًا أو مذهبيًّا، فكان يذكر من التاريخ شخصيات سياسيّة بمعناها السياسيّ، وشخصيات دينيّة بما تحمله من معاني العزّة والخلق. وفي حبّ لبنان كان وفيًّا ومعطاءً حتى جاد في حبّ بيروت بقصيدة: “ياستّ الدنيا يا بيروت”، وفي حبّ الجنوب اللبناني لا زلنا نستحضر قامته الشعرية في كلّ مرّة يتوجّع فيها الجنوب من العدوان الإسرائيليّ الغاشم، فنختم بمقطعٍ من قصيدته “السمفونية الجنوبية الخامسة” التي كتبها بعد العدوان الإسرائيلي على لبنان في نيسان 1996 .

“سميتكَ الجنوب

يا لابساً عباءةَ الحسين

وشمسَ كربلاء

يا شجرَ الوردِ الذي يحترفُ الفداء

يا ثورةَ الأرضِ التقت بثورةِ السماء

يا جسداً يطلعُ من ترابهِ

قمحٌ وأنبياء

سميّتُك الجنوب

يا قمر الحُزن الذي يطلعُ ليلاً من عيونِ فاطمة

يا سفنَ الصيدِ التي تحترفُ المقاومة..

يا كتب الشعر التي تحترف المقاومة..

يا ضفدع النهر الذي

يقرأ طولَ الليلِ سورةَ المقاومة

سميتك الجنوب….”