في زمنٍ تتسارع فيه هيمنة التكنولوجيا ويتعاظم دور الذكاء الاصطناعي في تسهيل الحياة البشرية، تبدو المفارقة صارخة أمام مشاهد الدمار التي تعصف بالإنسان. فبينما تُرفع شعارات العدالة والقيم الإنسانية، تستمر الحروب في إنتاج الألم، لا كحالة عابرة، بل كواقع يومي يهدد جوهر الإنسان نفسه. وهنا يبرز سؤال جوهري: من ينتشل الإنسان من هذا السقوط البطيء نحو فقدان المعنى؟
في قلب هذا المشهد، يقف الشاعر بوصفه شاهدًا لا يكتفي بالمراقبة، بل يغوص في عمق التجربة الإنسانية، حيث يتحوّل الألم إلى مادة إبداعية. غير أن هذا الألم لا يمرّ من دون أن يترك أثرًا، فهو بقدر ما يهدد الشاعر بالانكسار، بقدر ما يمنحه القدرة على التعبير. إنها مفارقة “حرب الألم” التي يخوضها الشاعر: صراع داخلي بين الانهيار والخلق.
بهذا المعنى، إذا عدنا إلى الأدب العالمي، نجد في رواية المسخللكاتب فرانز كافكا نموذجًا صارخًا لهذا التحول. فالبطل الذي يستيقظ ليجد نفسه قد تحوّل إلى كائن غير إنساني(حشرة كبيرة/مسخ) ، ما يجسّد انهيار الهوية تحت وطأة واقع لا يحتمل. “حين أفاق “غريغور” ذات صباح من أحلام مزعجة، وجد نفسه وقد تحوّل في فراشه إلى حشرة ضخمة.” إلّا أنّه “لم يكن ذلك حلمًا” هذا “المسخ” ليس بعيدًا عمّا تفعله الحروب اليوم، إذ لا تكتفي بتدمير الجسد، بل تمتد لتشوّه الداخل الإنساني، فتسلبه حسّه الأخلاقي وقدرته على التعاطف مع أخيه الإنسان… كلّ هذا التّشوّه والقبح الأخلاقيّ، ليس حلمًا بل واقعًا ملموسًا، وحقيقة نتألّم لمواجهتها.
وإذا كان الأدب الحديث قد صوّر هذا التشوّه النفسي، فإن الأدب القديم لم يكن أقل حضورًا في توثيق العنف. ففي ملحمة الإلياذة الّتي نسبت إلى هوميروس، تتجلى الحرب بوصفها ساحة لصناعة الأبطال، لكنها في الوقت ذاته فضاء للدمار والمعاناة. هناك، يتحوّل الإنسان إلى أداة قتل، وتختزل القيم في منطق القوة، بينما تهمَّش الأرواح التي تُسحق في طريق المجد الزائف.
أمّا بالنّسبة إلى الشعراء، عبر العصور، فإنّنا ننتبه إلى أنّهم لم يكونوا مجرد ناقلين لهذه الوقائع، بل صاغوا منها رؤى إنسانية عميقة. بعضهم شارك في الحروب، والبعض الآخر نقل من قلب المعركة صورًا صادمة عن عبثية الحرب وقسوتها. كما أنّ هناك من كتب من خارج الحدث، لكنه حمل آثاره في وجدانه، محاولًا فهمه وتفكيك بنيته الخفيّة. فالحرب بالنسبة إلى هؤلاء الشعراء ليست بمعناها الظاهري، بل هي تجربة وجودية تطرح سؤال الإنسان ومصيره المحكوم بثنائية الخير والشر. من هنا تتنوّع الصّور في الكتابة وكأنّ الشعر إعادة تأويل الخراب في أزمنة متعددة ومختلفة.
إذًا الشعر، في هذا المجال، لا يقتصر على كونه انعكاسًا للمعاناة، بل يتحوّل إلى أداة مقاومة. فهو يعيد تشكيل الألم، ويمنحه معنى، ويخرجه من دائرة الصمت إلى فضاء التعبير. قد يزيد الشعر من حدة الحزن، لكنه في الوقت ذاته يفتح باب الوعي، ويمنح الإنسان قدرة على مواجهة جراحه بدلًا من الهروب منها.
وهكذا، يصبح الشاعر في مواجهة مزدوجة: مع العالم الذي ينهار، ومع ذاته التي تحاول ألا تنكسر. ومن خلال هذه المواجهة، تتولد القصيدة بوصفها فعل شفاء طويل، لا يلغي الألم والشّقاء الإنسانيّ، بل يروّضه ويعيد توجيهه لعلّه يسير متمسّكًا ببوصلة الحياة.
في هذا الإطار، يمكنني أن أقول إن الشعر ليس ترفًا في زمن الحروب، بل ضرورة إنسانية. إنه الذاكرة التي تحفظ ما يراد له أن ينسى، والصوت الذي يرفض الصمت، واللمسة التي، على الرغم من هشاشتها، تظل قادرة على ترميم ما تهدّم في الداخل.
من هنا ينبثق السّؤال: كيف نحيا في بلاد الحرب؟ قد تكون الإجابة مناسبة للتّعبير عن الذّات، في هذا النّصّ الّذي كتبته إثر الاعتداء الوحشيّ الإسرائيليّ على بيروت في عمليّة أطلقت عليها “عمليّة الظّلام الأبدي”، وذلك يوم الأربعاء الأسود في 8 أبريل 2026:
كيف تحيا في بلاد الحرب،
وأنتَ معلّق على قارعة الوقت الأخيرة؟
نصفك يطلّ من شرفة الدخان،
ونصفك الآخر يلوذ بالحبر.
كأنك لست هنا تمامًا،
أشياؤك تلمع تحت الركام،
وتناديك من غيابها.
كيف تحيا
وأنتَ تدرّب حواسك على عدّ العابرين
تختبئ منك، ولا نجاة…
أعود إلى أسئلة كثيرة تستحضرني حين أفكّر في جدوى الكتابة، وخصوصًا الشّعر في فترات الحرب الّتي لم تبارح الإنسانيّة يومًا… من أين يأتي الشّعر ولماذا نكتب؟ وماذا نسمّي هذا الاندفاع نحو الحبر وسط المعاناة؟
أكتب عن طفل سألني: لماذا الحرب؟
عن روائح الدم، عن الأرواح المظلومة،
سأكتب.. ولن تجدوا في كتابتي نفعًا
حتى الكلمات صارت أشباحًا ترفرف في الفراغ
فما جدوى الكتابة؟ وما جدوى الحرب؟
قد يأتي الشّعر من حيث لا ندري ليكون رفيقنا في الخسارة والنّصر، أو ليحمل متناقضات مكوّنة من ثنائيّات الحياة التي تختزل الألم والنّهوض، ليبني الشّاعر حالات من التّخطّي ويتجاوز المأساة، أو ليخلق ذاتًا أخرى يوثّق من خلالها علاقته بالكون. هكذا ينطلق الشّعر بالإنسان في رحلة يعيد فيها ترتيب داخله ليتجاوز الألم، مرمّمًا ما تهدّم، وهو فعل نضال في مواجهة من فقد إنسانيّته.
يبقى الشعر فعلًا نواصل به البقاء، وهو المرتهن بقوّة خفيّة تنبثق من بذور الأمل في لحظات الظلام الحالك، ويبقى الشّعر الكلمة التي تتحوّل إلى مقاومة في حرب الألم.
