من تاريخنا ان اردنا نعرف درس التجربه وكيف ننهض

هل يمكننا ان نلمح  ضوءا في نهاية هذا النفق ؟

نتأمل حالنا اليوم ونتعجب، فنحن نضرب من اكثر من جهة ، ايران تضرب دول الخليج،وسبقتها  اسرائيل وضربت قطر،بهدف اغتيال قادة حماس الذين اجتمعوا من اجل بحث المفاوضات مع اسرائيل،ولكن لاشيئ اصبحت له شرعيه ،والتقاليد التي كانت تحكم المفاوضات،اندثرت ولم يكن ذلك بداية الكوارث والنكبات، فمنذ سنوات جرى تنشيط عملية الاعتراف بالكيان الصهيوني،دون كلمة واحده عن القضية المقدسة (فلسطين)، ووقعت اتفاقات ابراهام ،واسدل الستار عن المبادرات العربيه لأقامة صلح متوازن ،ونعني مراعاة حقوق شعب فلسطين ،وقبل ذلك بعشرات السنين ،كان هناك مايسمى (الصراع العربي – الأسرائيلي) ولكنه تحول بعد ذلك الى الصراع الفلسطيني – الاسرائيلي ،ثم جرت مياه كثيره تحت الجسور،لكي نصحي على (الصراع الفلسطيني – الفلسطيني) اي بين (فتح وحماس) واليوم نسمع عن خروج دولة الأمارات من منظمة (أوبك) التي نشأت عام 1960 وشكل تأسيسها نقطة تحول نحو السياده العربيه على الموارد الطبيعيه ،واصبحت تبعا لذلك قرارات (اوبك) تلعب دورًا بارزًا في محيط سوق النفط العالمي. لكننا نفاجأ بخروج دولة الامارات لترفع شعار (الأمارات اولا) وليس كلنا اولا بالطبع.نتأمل ايضا مهاجمة البعض لمنظمة جامعة الدول العربيه ،وكأنها الملامة ،بينما هي الضحية الاولى لبعض القرارات العربيه. هنا يثور السؤال الصعب :هل يمكن ان نعبر تلك المرحله،بكل ما صاحبها من تداعيات،ام اننا سنظل اسرى لها ، ونرمي الاتهامات هنا وهناك، مع ان الدرس كان واضحا امام اعيننا،وان كنا لم نستوعبه بالقدر الكافي.الدليل على ذلك تلك الكلمه الحرام ،التي تصاحب النغمه النشاز،التي ما فتأ البعض يرددها ،وهو ان سبب بلائنا ومصائبنا كان هزيمتنا الفادحة التي اطلقنا عليها اسم النكسة عام 67، ومازلنا نعزف الحانها، نتعبد في محراب الهزيمه ونوكل لها كل مصائبنا،وقصورنا عن الابداع. نعم حدثت نكسة خطيره، ولكننا استردينا العزيمه، وكان يومي 9،10 يونيو هو المفتاح .خسرنا الكثير الكثير من الاسلحه،ولكننا لم نفقد ارادة القتال،وارادة القتال امضي من السلاح نفسه،واقوى من اي نكسة أو هزيمة،وان كان  التشنج وفقدان البوصله للنجاح هو الهزيمة بعينها .واوثرهنا ان اذكر،فقد تنفع الذكري، واشير الى  تلك البصمات لارادة القتال في السطور التاليه،وقبل ان ابدأها لابد ان انبه أن مؤسسة الجامعه العربيه،التي نصب عليها كل اللعنات،وكأن الأمر يتعلق بتلك الجدران،وليس بمن سطروا ميثاقها وحرصوا على تفريغها من مضمونها،و هم المسؤولون ،حتى تصبح حبرا على ورق،وتبقى هي محط اللوم والتقصير ان لم يكن العجز بكل حروفه ومدلولاته.ارادها الاستعمار حين سمح بوجودها في عصر الاحتلال جرعة تسد عطشا للوحده، وليست مجرى يروي ظمأ وينبت زهرا. ويعلم الله كم اشفق على تلك الجامعة للدول العربيه،وكم ادعوه – جل شأنه- ان يبقيها ويرعاها.وارجو واتمنى على من يقرأ تلك السطور،ان لايحمل كلامي معنى السخرية ،أو – معاذ الله – الاستهزاء. فهي مازالت رغم كل المحن التي – صادفناها ونصادفها – تجمع العرب حتى في اوهي الصور، واضعف الخيوط، ما زالت هي الرمز،وبقي معها الأمل ان  ينقشع زمن الرده،الذي اصاب الأمة العربيه، ويذهب الى زوال،وزمن الصحوة لا بد ان يعود، بل ونوقن أنه اّت،مهما كانت  الغفوة عميقه،والتحدى عظيم وكثيف،والضربات من الاهل قبل الخصوم عاتيه ،ومتواليه،وشرسه الى مالا حد. الصحوة في تاريخ العرب متكررة،وذات صدى،وناجحه في أكثر من ميدان،وعظيمه في اكثر من موقف،وان كانت هناك اجيال لم تعش تلك الفترة الخصبه ولم تعاصر احداثها،فذلك ادعي ان تكون دائما تحت اعينناـ بل ،ينبغي علينا  ان نعرض لتلك الفترة التي كانت  فيها الثقة في المستقبل تحكم الخطوات، وكان فيها الكبرياء شامخا وسيد كل قرار.ولذلك أوثر ان  اعرض في عجالة  نماذج من سياسات تلفها العزة الوطنيه ،ومواقف تعرف مسؤوليات الحكم ،وكرامة الأمه، والمعنى الحقيقي لكلمة الحرية،و لكل تراب الأمه،على امتداد أرضها.

اولا:قصة(الباخره كليوباترا) في عام1960 حملت الباخره (كليوباترا) 80 طنا من القطن المصري الى ميناء في منطقة (بروكلين) في نيويورك،فامتنع العمال في الميناء عن تفريغ الباخره،بدعوى ان مصر تخالف قرار مجلس الامن،و لا تجعل اسرائيل تمر في قناة السويس،مما يؤثرعلى مصالح العمال الامريكيين في استقبال البواخر الاسرائيليه في المواني الامريكيه ،ولجأت الباخره الى القضاء الأمريكي العاجل ضد نقابة العمال الامريكيين ،لكن المحكمة اقرت العمال في اضرابهم عن تفريغ الباخره،وهنا القى عبد الناصر في القاهره خطابا ،وتساءل اين (اتحاد العمال العرب،)وما هو موقفه من ذلك ،علما ان مصر ستنفذ قرار مجلس الأمن في حالة واحده ان تنفذ اسرائيل قرار مجلس الأمن عام 1947 وترد للفلسطينيين حقوقهم .اجتمع الاتحاد العام للعمال العرب برئاسة (سالم شيتا) ليبي الجنسيه و(اسعد راجح) يمني الجنسيه  ،وأخذ قرارا فحواه ان لم يتم تفريغ الباخره كليوباترا في مده محدده ، ستمتنع المواني العربيه عن خدمة جميع البواخر الامريكيه،وبالفعل تم الاضراب العام عن خدمة كل السفن الامريكيه على امتداد المواني العربي،وكان العمال العرب يستقبلون كل سفينه امريكيه بمظاهره ،يرددون فيها ( لا تفريغ ولا شحن ولا طعام ولا وقود ،الا اذا تم تفريغ السفينه المصريه (كليوباترا) .وهنا قام (بول هول)رئيس نقابة عمال البحر الامريكيين باصدار امر،بفض الاضراب ،و تفريغ السفينه وتقديم الخدمات اللازمه شارحا ( انه مقابل عدم تفريغ كل سفينه واحده عربيه ،يتم عدم تفريغ 30 سفينه امريكيه يوميا في المواني العربيه. قام جمال عبدالناصربمنح اتحاد العمال العرب اعلى وسام في (الجمهوريه العربيه المتحده ) تقديرا للدور الذي قام به .

ثانيا عام 1956 اثر تأميم قناة السويس ،قامت اسرائيل بمهاجمة مصر في 29 اكتوبر عام 1956، وحين تصدى لها الجيش المصري في سيناء ،تقدمت  بريطانيا وفرنسا بتوجيه انذار لمصر ان تبتعد عن قناة السويس، ،حيث ستنزل القوات البريطانيه والفرنسيه على ضفاف القناة لحمايتها، وكان المقصود الاستيلاء على قناة السويس، ورفضت مصر الانذار، ووقفت بقواتها في مدن القناة وعلى ضفافها لصد العدوان،واشتعلت الأرض العربيه بالرفض والتنديد ،وتطوع بعض الامراء السعوديين للدفاع عن الارض المصريه،وتأهب الجيش الاردني للدخول الى المعركه ،رغم مناشدة عبدالناصر،بالأقتصار حاليا على الجيش المصري ،حتى لا يتسع العدوان،وان تطور الامر يمكن بحثه بعد ذلك،وقامت سوريا بتدمير خطوط النفط التي تمر بأرضها لتصل بالأمداد الى اوروبا ،وقامت الأمم المتحده برفض العدوان،و قدم سكرتير الامم المتحده في ذلك الحين (داج همرشولد) استقالته احتجاجا على الهجوم على مصر دون اذن من الامم المتحده،وناشده عبدالناصر بالعدول عن الاستقاله فالموقف في حاجة الى كل شريف ان يكون في مكانه يمارس مسؤولياته، وذلك ضمان لقضية الحريه،والألتزام بالقواعد التي اقرتها الأمم المتحده .وتنتصر الارادة الشعبيه المتمثلة في المقاومه وعدم الاستسلام،كما تنتصر الشرعيه الدوليه بادانة العدوان.توقف العدوان ،وانسحبت الجيوش البريطانيه والفرنسيه من بور سعيد كما انسحبت اسرائيل من سيناء،وعادت القناة مصريه بالكامل .

 ثانيا :يحدث العدوان الاسرائيلي في الخامس من يونيه عام 1967،وتحتل اسرائيل كامل (سيناء) كما تحتل (الضفة الغربيه وغزة وكامل مدينة القدس) وتحتل كذلك (هضبة الجولان). وتحت اطار (جامعة الدول العربيه) حدث مؤتمر القمه التاريخي في العاصمة السودانيه (الخرطوم) واسفر عن قرارات تاريخيه، ويقف المغفور له جلالة الملك فيصل، ليعقب على خطاب الرئيس الراحل جمال عبدالناصر،وكان على خصومة معه ،بسبب حرب اليمن،ويقول (ان خطاب الرئيس عبدالناصر هو جدول اعمال بالنسبة لنا) فهل هناك حكمة اكثر من ذلك واتخذت القرارت باللاّت الثلاث المعروفه (لا صلح ولا اعتراف ولا تفريط في حقوق شعب فلسطين)،وبدأ الاستعداد لبناء القوة الذاتيه العربيه،ومن ثم بدأت ( حرب الأستنزاف) وهي الحرب المجهولة في وسائل الاعلام،واستمرت واحدثت اثرها،وتم تنصيب قواعد الصواريخ على طول جبهة القتال،لحماية الجنود عند عبورهم لقناة السويس حين تدق ساعة الحرب،ويتحرك الجيش لبداية عملية التحرير.

ثالثا: قامت كلا من مصر وسوريا عام 1973 بالتخطيط لحرب (أكتوبر) المجيده،وقد تم الاتفاق على على ان يكون موعدها الساعه الثانيه مساء يوم السبت (عيد الغفران اليهودي ) بتاريخ السادس من اكتوبر،وقد تقدمت القوات المصريه بعبور قناة السويس، وتحطيم خط ( بارليف) المحصن على طول الجبهة،وتم تجريف كثبان الرمال العاليه عن طريق (خراطيم المياه) وهي تجربة قامت بها مصر في عملية بناء السد العالي وكانت ناجحة تماما ،وقام سلاح الطيران بطلعاته الميدانيه في بداية المعركه ،وقد شاركت مجموعة من الدول لالعربيه بدعم عسكري وهي:

الدول العربية المشاركة بدعم عسكري:

العراق: أرسل قوة جوية وبرية كبيرة، شاركت طائراته من اليوم الأول، ووصلت قواته البرية للجبهة السورية.

 الأردن: شارك بقوات لواء مدرع على الجبهة السورية. المغرب: أرسل تجريدات عسكرية (جنود ودبابات) للجبهة السورية.

 الجزائر: أرسلت طائرات ومدرعات وقوات دعم للجبهتين.

السعودية: أرسلت قوات (لواء مشاة) للجبهة السورية، بالإضافة للدعم المالي وقطع النفط.

الكويت أرسلت قوة عسكرية (لواء اليرموك) للجبهة السورية.

 تونس: أرسلت كتيبة مشاة للجبهة المصرية.

السودان: شارك بوحدات عسكرية.

 اليمن: شاركت في الحصار البحري عبر باب المندب.

ولم يقتصر الامر على الدعم العسكري،بل تطرق الى الضغط الاقتصادي ،من اجل صالح المعركه،وكان  
وقف تصدير النفط للغرب وخصوصا للدول الداعمة لإسرائيل،وكان  أكبر دعم نوعى قدمته الدول العربية لمصر وسوريا، وتوقفت الدول المنتجة للنفط مثل السعودية، العراق، الجزائر، الكويت، الإمارات عن تصدير النفط بما أدى لرفع الأسعار العالمية بشكل غير مسبوق، وفى السادس عشر من أكتوبر 1973 اجتمع وزراء نفط دول الخليج الأعضاء بمنظمة الدول المصدرة للنفط “أوبك” فى الكويت، وأقروا زيادة حادة فى سعر النفط وصلت إلى ٪70، كما اتخذ وزراء النفط العرب فى اليوم التالى قراراً بحظر تصدير النفط إلى الولايات المتحدة، وكذلك خفض الإنتاج بنسبة ٪5.
وفى 4 نوفمبر 1973، اجتمع وزراء النفط العرب الأعضاء فى “أوبك” وقرروا زيادة خفض الإنتاج من جديد بنسبة ٪25، وكذلك توسيع دائرة الحظر ليشمل هولندا، كما جرى توسيعه لاحقاً ليشمل الدنمارك وجنوب إفريقيا والبرتغال ودولاً أخرى.
وقد كانت للحظر آثار كبيرة على الاقتصاد العالمي، إذ أدى إلى ارتفاع أسعار النفط بشكلٍ كبير، ما سبب ركوداً فى العديد من الدول الغربية، بينما فقدت بورصة نيويورك للأوراق المالية 79 مليار دولار فى قيمة أسهمها خلال 6 أسابيع. وكشفت وثائق بريطانية أفرجت عنها الحكومة البريطانية عام 2004، عن أن لندن وواشنطن، وقعتا فى صدمة جراء الموقف العربى، خلال أكتوبر عام 1973، بعد أن استبعدتا التجرؤ العربى على وقف ضخ النفط، ووصل حجم الصدمة الى أن الولايات المتحدة،فكرت فى الاستيلاء على حقول النفط فى الخليج بعد فرض الحظر.

                                                      واخيرا

كان هذا هو حال الامة،حين تتوحد كلمتها،في اطار من التاّخي،والحرص على المصالح العربيه المشتركه .كان ذلك سبب الانتصار،وتحقيق الأمال،قبل ان يبدأ العد التنازلي،برفع شعار ( ان 99% من حل قضايانا في يد الولايات المتحده الأمريكيه،وقبل ان يسارع الجميع في الارتضاء بأحكام الولايات المتحده، وكانت اتفاقات (ابراهام) ثم التركيز على ان نكسة عام 1967 هي سبب تلك الكوارث التي نعاني منها،وان الجامعة العربيه هي الضلع الأخر في تكريس ماّسينا .

في الثمانينات من القرن الماضي،كتب الشاعر الأشهر ( نزار قباني) قصيدته الشهيره ( متى يعلنون وفاة العرب ) وقد ثارت ضده الكثير من وسائل الاعلام العربيه،ولم يكن الرجل بالتأكيد اي معنى انهزامي للقضية العربيه بمعناها الشامل،ولكنه ايضا وبالتأكيد كان يقصد اثارة الهمم العربيه ويشحذ كل اسباب القوة لديها،ونعرف ،انها محنه،ومهما كانت اسبابها او دواعيها فسيعرف العرب طريقهم ووسيلة القوة الأساسيه التي يملكونها ،هي وحدتهم في مواجهة كل الأخطار،ولنا في تاريخنا كل العظه ،وكل الدرس،وما التاريخ وانتصاراته سوى قرائته قراءه صحيحه ،فالتاريخ مدرسة لمن يريد ان يتعلم ،أما الجغرافيا فلا يمكن تجاهلها،اوالتنكر لأحكامها أو الأستقالة منها.