لندن تبتعد عن واشنطن: هل سقط البريكست؟

بريطانيا تلوّح بالخيار الأوروبي بعد خلاف مع الترامبية

كشفت الانتخابات المحلية البريطانية التي جرت في أيار (مايو) الماضي عن تزعزع في الهياكل التقليدية للطبقة السياسية التي تحكم بريطانيا منذ عهود. غادر الناخبون الأحزاب التاريخية الكبيرة لصالح أحزاب صغيرة أو مستجدة. مُني حزبا “المحافظون” المعارض و”العمال” الحاكم بهزيمة كبرى، فيما صبّت الأصوات في حسابات “الليبراليون الديمقراطيون” و “الخضر” يسارا، ودفعت حزب “إصلاح بريطانيا” اليميني الشعبوي إلى الصدارة مكتسحا صناديق الاقتراع. وبعدما شهدت بريطانيا في السنوات الأخيرة تراجعا حادا في العلاقة مع الولايات المتحدة برئاسة دونالد ترامب، فإن الحكومة العمالية بدأت تعتبرأن هذا البعد بات نهائيا، وراحت تعلن الاقتراب من الاتحاد الأوروبي من دون أن تعترف بالتخطيط للعودة إليه وإنهاء قطيعة فرضها “البريكست”.

حرب إيران: بريطانيا ليست حليفا لأميركا

على نحو مغاير لسلوك بريطانيا المتماهي مع الولايات المتحدة في حروب سابقة، كشفت واشنطن أن لندن رفضت السماح باستخدام القواعد البريطانية لشن هجمات على إيران. وفيما اشترط رئيس الحكومة البريطاني كير ستارمر لاحقا استخدام بعض القواعد لأغراض دفاعية فقط، أعرب الرئيس الأميركي عن إحباطه من الموقف البريطاني. ففي 2 مارس 2026، عبر الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن إحباطه الشديد من قرار ستارمر الأوليّ برفض استخدام القواعد البريطانية، معتبرا ذلك مسألة غير مسبوقة في العلاقات بين البلدين. واعتبر ترامب موقف ستارمر “انقساما” بين الحليفين التاريخيين، خاصة مع تصريح ستارمر لاحقا بأن بريطانيا لا تدعم “تغيير نظام من السماء”.

قال ستارمر: “عبّر الرئيس ترامب عن معارضته لقرارنا بعدم المشاركة في الضربات الأولية، لكن من واجبي تقييم ما يصبّ في مصلحة بريطانيا الوطنية، وهذا ما فعلته، وأنا متمسك بقراري”. أضاف أن السماح باستخدام القواعد (مثل دييغو غارسيا) يهدف إلى “حماية الحلفاء والبريطانيين” في الخليج ضد الصواريخ الإيرانية، مع التأكيد على أن أي عمل يجب أن يكون “قانونيا ومحدودا”. وأشار إلى أن إيران أصبحت “أكثر تهورا” بعد مقتل المرشد علي خامنئي، لكنه رفض أي تورط في “حرب تغيير نظام”. وانتهى إلى القول إنه لا يريد تكرار الأخطاء التي ارتكبت خلال غزو العراق في عام 2003، عندما انضمت بريطانيا إلى العملية الأميركية للإطاحة بنظام الرئيس صدام حسين، والتي تم تبريرها بادعاءات كاذبة بأن العراق يمتلك أسلحة دمار شامل.

الترامبية والتميّز البريطاني

لفت خبراء في الشؤون البريطانية إلى أن موقف ستارمر يمثل قطيعة مع سياسة بريطانيا حيال الولايات المتحدة التي لطالما اعتبرت تابعة لأجندات واشنطن في السياسة الخارجية. أضاف هؤلاء أن الطبيعة البريطانية الأطلسية الموالية للولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية هي التي دفعت الرئيس الفرنسي الراحل شارل ديغول إلى اعتبار بريطانيا “حاملة طائرات أميركية في قلب أوروبا” ورفض انضمامها إلى ما أصبح لاحقا الاتحاد الأوروبي.

وتلفت مصادر دبلوماسية إلى أن موقف رئيس الحكومة العمالي كير ستارمر يأتي على النقيض من موقف رئيس الحكومة العمالي توني بلير الذي قاد مشاركة بلاده آليا إلى جانب الولايات المتحدة في حرب أفغانستان عام 2001 والعراق عام 2003.

وقد أجرت بريطانيا مراجعة لهذه التجارب، خصوصا بعد ثبوت تقديم بلير حججا غير صحيحة لتبرير المشاركة في حرب العراق، وقد أدى الجدل حول الحرب وملفات داخلية أخرى إلى استقالة توني بلير عام 2007 بعد 10 سنوات من الحكم. وفي عام 2016 تم نشر تحقيق حول حرب العراق استمر 7 سنوات قادته “لجنة تشيلكوت” انتهى إلى خلاصات أهمها:

1- بريطانيا اختارت الانضمام إلى الغزو “قبل استنفاد الخيارات السلمية” لنزع السلاح، ولم تكن العملية العسكرية “الملاذ الأخير”،

2- صدام حسين “لم يشكل تهديدا عاجلا” للمصالح البريطانية ولم يكن هناك دليل قاطع على استمرار برامج أسلحة دمار شامل.

3- الحكومة (خاصة توني بلير) بالغت في تقديم التهديد للبرلمان والرأي العام.

4- عملية تحديد الأساس القانوني للحرب كانت “بعيدة عن الرضا”، وبريطانيا والولايات المتحدة قوضتا سلطة مجلس الأمن الدولي.

5- التخطيط لما بعد الغزو كان “غير كاف تماما”، مما أدى إلى فشل في تحقيق الأهداف، وتفاقم الفوضى والطائفية.

6- بريطانيا “بالغت في تقدير قدرتها على التأثير” في قرارات الولايات المتحدة.

7- الحرب لم تحقق أهدافها الاستراتيجية، وأدت إلى خسائر كبيرة (179 جنديا بريطانيا قتلوا).

ويرى باحثون في شؤون العلاقات الأميركية البريطانية أن تباعد علاقات بريطانيا والولايات المتحدة قد يكون سببه ترامب نفسه لعوامل متعددة أهمها:

1-لعب ترامب قبل وأثناء ولايته الأولى دورا محرضا على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي تحت عنوان “استعادة البلد لسيادته” مع الوعد بأن تكون الولايات المتحدة حاضنا وداعما.

2-لعب ترامب دورا مشجعا لرئيس حكومة المحافظين الأسبق بوريس جونسون بالإمعان في القطيعة مع الاتحاد الأوروبي مقابل الوعد بإبرام اتفاق تجاري واسع أميركي بريطاني تستغني به بريطانيا عن السوق الأوروبي.

3-أجبر ترامب جونسون على إلغاء عقد استراتيجي مع الصين لاستخدام شبكة G5 للاتصالات ما أساء لعلاقة لندن ببكين.

4-تخلّف ترامب عن إبرام الاتفاق التجاري الواسع مع حكومة المحافظين واضطر بشق النفس إلى إبرام اتفاق تجاري محدود مع حكومة ستارمر.

5-تعامل ترامب مع بريطانيا بنفس مستوى تعامله مع بلدان العالم في مسألة الرسوم الجمركية من دون الأخذ بالاعتبار ما يوصف بالعلاقات “الاستثنائية” بين البلدين.

6-لم يأخذ ترامب بعين الاعتبار هواجس بريطانيا الأمنية حيال ما تعتبره لندن أخطار روسيا، واستنتجت لندن اهتمام ترامب بالرواية الروسية لحرب أوكرانيا.

ويأتي موقف لندن مختلفا عن موقفها حيال العملية العسكرية الأميركية ضد الحوثيين في اليمن (2024-2025) حين لم تجد واشنطن إلا لندن شريكا عسكريا وحيدا في تلك الحملة. ويعتبر مراقبون بريطانيون أنه، إضافة إلى سعي ستارمر لتثبيت أخذ مسافة من واشنطن، فإن ضغوطا انتخابية داخلية تدفع ستارمر إلى الأخذ بالاعتبار مزاج الكتلة الناخبة اليسارية الرافضة للالتحاق الآلي بحروب الولايات المتحدة، لا سيما بعد استنتاج تسرّب الناخب اليساري نحو حزب الخضر. ويضيف هؤلاء أن موقف ستارمر يعتمد الخيار الدفاعي عن مصالح بريطانيا وحلفائها في الخليج من دون المشاركة في حرب “تغيير النظام من السماء”.

وعلى الرغم من محاولة استخدام الحكومة البريطانية القوة الناعمة من خلال قيام الملك تشارلز الثالث بزيارة دولة إلى الولايات المتحدة في نيسان (إبريل)، إلا أنه، وعلى الرغم النجاح الكبير للزيارة والانطباع الإيجابي الذي تركة الملك البريطاني لدى كامل الطبقة السياسية في الولايات المتحدة، غير أن جلّ الباحثين يجمعون بأن تصدّعا أصاب علاقات البلدين وحكومتي البلدين وحتى الكيمياء الشخصية بين ترامب وستارمر، وأن رأب هذا الصدع يحتاج إلى قراءة جديّة أو ربما انتظارا لنهاية ولاية ترامب الحالية لاستنتاج ما إذا كان تباعد البلدين ظرفيا أو هيكليا نهائيا.

هل من عودة إلى الاتحاد الأوروبي؟

تُظهر لندن مؤشرات متدافعة تعيد قراءة تجربتها بعد البريكست الذي أنهى عضوية المملكة المتحدة داخل الاتحاد الأوروبي. فرغم أن استفتاء عام 2016 انتهى بجنوح، بأغلبية ضئيلة، باتجاه خيار “الطلاق” مع أوروبا، إلا أن المناصرين لهذا الخيار والمنظّرين له، لأسباب أكثرها عقائدية، قد وعدوا، إضافة إلى استعادة استقلال البلاد وسيادتها، بانتعاش اقتصادي ونسج شبكات من العلاقات الثنائية مع دول العالم. بيد أن علم الأرقام كما فشل الاستعاضة السياسية والاقتصادية ببدائل ناجعة، يدفع الحكومة العمالية في لندن إلى مراجعة عامة وصلت إلى حدّ يكاد يعترف بالندم، ويلمح إلى احتمالات العودة عما بات يعتبر خطأ.

ويعكس توجه بريطانيا نحو التقارب مع الاتحاد الأوروبي تحولا تدريجيا في السياسات الخارجية البريطانية بعد البريكست، حيث أصبحت حكومة حزب العمال تبحث عن إعادة بناء جسور مع بروكسل في ظل تحديات اقتصادية وأمنية متزايدة. ويأتي هذا التوجه بعد سنوات من التوترات الناجمة عن خروج بريطانيا من الاتحاد في عام 2020، والذي أدى إلى إعادة ترتيب العلاقات التجارية والأمنية.

من أبرز مؤشرات قراءة لندن لعلاقاتها مع الاتحاد الأوروبي ما جرى في أيار (مايو) 2025. فقد عقدت قمة بريطانية-أوروبية أولى من نوعها بعد البريكست، أسفرت عن اتفاقيات في مجالات الدفاع والتجارة، ما أشار إلى بداية مرحلة جديدة من التعاون. ولا يعني التقارب المسجل أو ذلك الموعود عودة فورية إلى الاتحاد، لكنه يحمل إشارات إلى ندم متزايد على البريكست، وجهود لتخفيف آثاره السلبية، مع التركيز على فوائد اقتصادية وأمنية محتملة قد تؤدي تدريجيا إلى علاقات أقرب قد تقود في المستقبل إلى مناقشات حول العودة.

من بين المواقف البارزة للمسؤولين البريطانيين، موقف رئيس الوزراء كير ستارمر كشخصية رئيسية في دفع هذا التوجه. في تشرين الأول (أكتوبر) 2024، التقى ستارمر برئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، حيث اتفقا على تعزيز التعاون في مجالات الدفاع والأمن، مع التأكيد على عقد قمم منتظمة ابتداء من عام 2025. وخلال قمة أيار (مايو) 2025 في لندن، وصف ستارمر الاتفاقيات الجديدة بأنها “لحظة تاريخية”، مشددا على أنها ستقلل من الروتين الإداري وتعزز الاقتصاد البريطاني، مضيفا أن “بريطانيا عادت إلى المسرح العالمي”. وفي كانون الثاني (يناير) 2026، أشار ستارمر إلى إمكانية تقارب أعمق إذا كان ذلك في “المصلحة الوطنية”، محذرا من “المناقشات القديمة البالية” حول البريكست.

انسحب هذا التوجه على أصحاب الرأي، فأعرب توم بالدوين، كاتب سيرة ستارمر، عن إمكانية الاقتراب “جدا” من السوق الموحدة الأوروبية دون الانضمام الكامل، مشيرا إلى فرص جديدة في التقارب الاقتصادي. كما كتب مارتن دونيلي، وهو مسؤول حكومي سابق، في حزيران (يونيو) 2025، عن ضرورة الانضمام إلى قطاعات محددة من السوق الموحدة مثل السلع الزراعية والكهرباء، مقابل مساهمات مالية في ميزانية الاتحاد.

لندن: أوروبا جائزة اقتصادية

تشكل العوامل الاقتصادية دافعا رئيسيا لهذا التقارب، حيث أدى البريكست إلى خسائر تجارية كبيرة. وفقا لتحليلات مركز الإصلاح الأوروبي في فبراير 2026، انخفضت صادرات السلع البريطانية بنسبة 20 بالمئة منذ 2019، وكانت ستكون أعلى بنسبة 30 بالمئة لو استمرت معدلات النمو قبل البريكست. كما أشارت دراسات أخرى إلى أن التقارب الأعمق كان يمكن أن يزيد الناتج المحلي الإجمالي البريطاني بنسبة 1.7 بالمئة إلى 2.2 بالمئة على المدى الطويل. 

في أيار (مايو) 2025، أبرمت بريطانيا والاتحاد اتفاقيات لتقليل الحواجز التجارية في الغذاء والزراعة، وربط أنظمة التجارة في الانبعاثات، بالإضافة إلى ترتيبات للصيد حتى عام 2038، مما يوفر حوالي 80 مليون جنيه إسترليني سنويا للصيادين البريطانيين. كما أعلنت المفوضية في تشرين الثاني (نوفمبر) 2025 عن مفاوضات لربط أسواق الغذاء الزراعي، مما يعكس حاجة بريطانيا إلى تعزيز الوصول إلى أكبر شريك تجاري لها. وتأتي هذه العوامل في سياق ارتفاع التضخم ونقص اليد العاملة بعد البريكست، مما دفع الحكومة إلى البحث عن اتفاقيات تخفف من التكاليف الإدارية والجمركية.

وأتت أدق التصريحات المتخصصة بشأن التقارب مع أوروبا من راشيل رييفز، وزيرة المالية البريطانية. ففي حديثها يوم 11 شباط (فبراير) 2026، أكدت على:

1-التقارب الأعمق مع الاتحاد الأوروبي يمثل “الجائزة الأكبر” للاقتصاد البريطاني.

2-الجاذبية الاقتصادية تجعل نصف التجارة البريطانية مرتبطة بالاتحاد الأوروبي.

3-دعت إلى تقليل الحواجز التجارية الناتجة عن البريكست من خلال التوافق على القواعد والمعايير.

4-أكدت أن الحكومة مستعدة لكل التوافقات مع التركيز أيضا على التعاون في الإنفاق الدفاعي الأوروبي.

5-اعتبرت أن مستقبل بريطانيا مرتبط ارتباطا وثيقا بأوروبا في الاقتصاد والأمن، وأنها تدعم التوافق القطاعي لتعزيز النمو الاقتصادي.

الأمن والدفاع:

تعد الدوافع الدفاعية البريطانية للتقارب مع الاتحاد الأوروبي محورية في تشكيل السياسة الخارجية البريطانية في السنوات الأخيرة، خاصة في أعقاب حرب أوكرانيا التي اندلعت في عام 2022 واستمرت تأثيراتها حتى يومنا هذا. يأتي هذا التقارب كرد فعل على التهديدات الأمنية المتزايدة في أوروبا. فقد أدى الغزو الروسي إلى إعادة تقييم الأولويات الدفاعية، مما دفع بريطانيا إلى البحث عن شراكات أقوى مع الجيران الأوروبيين لتعزيز القدرات الدفاعية المشتركة وتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة.

في هذا السياق، أكد رئيس الوزراء كير ستارمر في خطاباته المتكررة على أهمية “تعزيز الشراكة الأمنية مع الاتحاد الأوروبي” لمواجهة “التهديد الأكبر الذي تواجهه أوروبا منذ أجيال”، مشيرا إلى أن التعاون يمثل “خطوة أولى نحو مشاركة بريطانيا في برامج الاستثمار الدفاعي الأوروبي”. ويعكس هذا التحول مخاوف من عدم اليقين في التزام الولايات المتحدة بأمن أوروبا، خاصة بعد عودة دونالد ترامب إلى الرئاسة في كانون الثاني (يناير) 2025، الذي هدد بإعادة تقييم دعم ناتو وطالب أوروبا بزيادة إنفاقها الدفاعي إلى مستويات أعلى، مما أثار مخاوف من انسحاب أمريكي محتمل أو تركيز واشنطن على آسيا بدلا من أوروبا.

من الناحية الاستراتيجية، أدت حرب أوكرانيا إلى زيادة كبيرة في الإنفاق الدفاعي الأوروبي، حيث ارتفع إنفاق الاتحاد الأوروبي على الدفاع بنسبة 30 بالمئة بين عامي 2021 و2024، ليصل إلى 326 مليار يورو، مع خطط لإنشاء صناديق دفاعية ضخمة مثل صندوق “الأمان الأوروبي” (SAFE) بقيمة 150 مليار يورو لتعزيز القدرات الدفاعية بسرعة.

وتسعى بريطانيا إلى الانضمام إلى هذه الصناديق لتعزيز صناعتها الدفاعية، التي تواجه تحديات مثل نقص المهارات وسلاسل التوريد الضعيفة، حيث يمكن للشركات البريطانية الاستفادة من عقود طويلة الأمد وعمليات شراء مشتركة.

ويرى مراقبون أن هذا التعاون يعزز الردع ضد روسيا ويضمن دعما مستمرا لأوكرانيا، حيث كانت بريطانيا والاتحاد الأوروبي من أكبر الداعمين، مع تقديم الاتحاد أكبر مساعدات مالية والمملكة المتحدة ثالث أكبر مساعدات عسكرية.

بالإضافة إلى ذلك، أدى الغموض في الانفتاح على الصين إلى تبني أوروبا استراتيجية “تقليل المخاطر” لتقليل الاعتماد على بكين في التكنولوجيا والمواد الحرجة، مما يدفع بريطانيا إلى التنسيق مع الاتحاد لتعزيز الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي. ففي مارس 2025، قادت بريطانيا وفرنسا “ائتلاف البلدان الراغبة” للدفاع عن أي اتفاق سلام في أوكرانيا، مع توقيع إعلان نوايا في يناير 2026 لنشر قوات متعددة الجنسيات للتدريب والتخطيط، مدعومة بشبكة مراكز عسكرية في أوكرانيا.

يعكس هذا الائتلاف الرغبة في تعزيز التعاون خارج إطار الناتو. كما وقعت بريطانيا والاتحاد اتفاقية الشراكة الأمنية والدفاعية في مايو 2025، التي تسمح بالتشاور الاستراتيجي المشترك في مجالات مثل السيبرانية والفضاء ومكافحة التهديدات الهجينة، معتبرة أن “البيئة الأمنية المتقلبة في أوروبا” تتطلب مسؤولية مشتركة.

معارضة الداخل:

تتباين داخل بريطانيا العوامل الداعمة والرافضة للتقارب مع أوروبا. من جانب الدعم، يأتي حزب العمال كقوة رئيسية، حيث وعد برنامجه الانتخابي في 2024 بـ”إعادة ضبط” العلاقات دون عودة إلى السوق الموحدة أو الاتحاد الجمركي. دعا بعض الوزراء إلى اتحاد جمركي، بينما قال عمدة مانشستر أندي برنهام إنه يأمل في عودة بريطانيا إلى الاتحاد في حياته. من جهتها أظهرت استطلاعات الرأي دعم هذا الخيار. ففي كانون الثاني (يناير) 2026 كشفت دراسة لمؤسسة “يوغوف” أن 50 بالمئة من البريطانيين سيصوتون للعودة إذا أجري استفتاء اليوم، مقارنة بـ31 بالمئة للبقاء خارجها. كما أن 72 بالمئة يشعرون بفقدان السيطرة أكثر مما كان قبل البريكست.

ويأتي الرفض لخيار العودة إلى الاتحاد الأوروبي بشكل أساسي من حزب المحافظين والإعلام اليميني، الذي وصف قمة أيار (مايو( 2025 بـ”قمة الاستسلام”، محذرا من فقدان السيادة وتكاليف مالية إضافية. ويقف حزب “إصلاح بريطانيا” اليميني الشعبوي بقيادة نايجل فاراج ضد أي تقارب مع الاتحاد الأوروبي، معتبرا إياه خيانة للبريكست. وإضافة إلى الرفض اليميني المنطقي بالنظر إلى دوره في الدعوة إلى البريكست، فإن الحكومة العمالية ما زالت حذرة في سعيها للتقارب مع أوروبا ولا تدعو علنا إلى العودة عن قرار البريكست بسبب خشيتها من فقدان شرائح من الناخبين الذين يدعمونها وكانوا صوتوا للبريكست، بعضها شرائح عمالية يسارية تقليدية في دعمها لحزب العمال.

يعترف خبراء الشؤون البريطانية بالمازق، ربما غير المسبوق، الذي تعيشه بريطانيا ما بين خياراتها الداخلية واستراتيجياتها الخارجية. فضحت أزمة حزب العمال بعد هزيمة الانتخابات المحلية عن ارتباك وتشتت تدفع ثمنه بريطانيا هذه الأيام بعد ست سنوات من الخروج الرسمي من الاتحاد الأوروبي. دفعت بريطانيا، كما بقية دول أوروبا، تكاليف غير محسوبة فرضتها الحرب التي شنتها روسيا على أوكرانيا عام 2022. أتت جائحة كوفيد لتزيد الأعباء على بلد كان يمني النفس بخلاص من “العبء” الأوروبي واستعادة للسيادة الكاملة على قرار لندن. وفيما تنعمت بريطانيا دون غيرها من دول القارة الأوروبية بعلاقات لا سيما وصفت بالتاريخية والاسراتيجية المتميّزة مع الولايات المتحدة، فإن واشنطن، على الأقل في ولايتي ترامب الأولى والحالية، أنهت هذا التميّز وراحت تعامل بريطانيا معاملة بقية الدول الأوروبية سواء في فرض الرسوم الجمركية، أو في قراءة حرب أوكرانيا قراءة روسية منحازة للرئيس فلاديمير بوتين، انتهاء بتهديد ترامب برفع الحماية عن الحليف الأوروبي بما في ذلك التلويح بالانسحاب من حلف شمال الأطلسي (ناتو).

وعلى الرغم من أن الانتخابات في أيار (مايو) الماضي كانت محلية لها حساباتها المناطقية ولا ترقى إلى ما تعنيه انتخابات تشريعية شاملة، إلا أنها أعطت مؤشرا قابلا للجدل بشأن احتمال تحقيق حزب “إصلاح بريطانيا” (المعادي للعودة إلى الاتحاد الأوروبي كإيديولوجية بنيوية) فوزا يؤهله لحكم المملكة المتحدة بعد انتخابات عام 2029 التشريعية. ولئن شكّلت الانتخابات الأخيرة زلزالا سياسيا داخل البلاد، فإن استراتيجيات التقارب مع أوروبا قد تتأثر سلبا طالما أن غالبية كبرى من الكتلة الناخبة البريطانية صوتت لصالح التيار السياسي الذي يرفض هذا الخيار.

دفعت الطبيعة البريطانية الأطلسية الموالية للولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الرئيس الفرنسي الراحل شارل ديغول إلى اعتبار بريطانيا “حاملة طائرات أميركية في قلب أوروبا” ورفض انضمامها إلى ما أصبح لاحقا الاتحاد الأوروبي.

تعامل ترامب مع بريطانيا بنفس مستوى تعامله مع بلدان العالم في مسألة الرسوم الجمركية من دون الأخذ بالاعتبار ما يوصف بالعلاقات “الاستثنائية” بين البلدين ولم يأخذ بالاعتبار هواجس بريطانيا مما تعتبره أخطارا روسية.

يأتي موقف لندن الرافض للمشاركة مع واشنطن في حرب إيران مختلفا عن موقفها حيال العملية العسكرية الأميركية ضد الحوثيين في اليمن (2024-2025) حين لم تجد واشنطن إلا لندن شريكا عسكريا وحيدا في تلك الحملة.

رغم استخدام لندن القوة الناعمة من خلال زيارة الملك تشارلز الثالث لواشنطن والانطباع الإيجابي الذي تركة لدى كامل الطبقة السياسية في الولايات المتحدة، تنتظر لندن نهاية ولاية ترامب الحالية لاستنتاج ما إذا كان تباعد البلدين ظرفيا أو هيكليا نهائيا.

أدى الغزو الروسي إلى إعادة تقييم الأولويات الدفاعية، مما دفع بريطانيا إلى البحث عن شراكات أقوى مع الجيران الأوروبيين لتعزيز القدرات الدفاعية المشتركة وتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة.

شكّلت الانتخابات الأخيرة زلزالا سياسيا داخل البلاد، فإن استراتيجيات التقارب مع أوروبا قد تتأثر سلبا طالما أن غالبية كبرى من الكتلة الناخبة البريطانية صوتت لصالح التيار السياسي الذي يرفض هذا الخيار.