رفع لبنان لمستوى التفاوض لم يحقق نتيجة 

مفاوضات واشنطن لا تُسمن ولا تُغني من جوع

  لم تحقق اجتماعات واشنطن الثلاثة الاولى بين سفيرة لبنان ندى حمادة معوض وسفير كيان الاحتلال يحيئيل ليتر بحضور اميركي وازن، اي نتائج فعلية لوقف العدوان الاسرائيلي المتمادي على لبنان من جنوبه الى بقاعه، ذلك ان الرئيس الاميركي دونالد ترامب لم يقتنع بعد  على ما يبدو، بأن وقف اطلاق النار في لبنان يحتاج ضغوطاً فعلية على نتنياهو وضمانات فعلية منه شخصياً بوقف الهجمات الواسعة التدميرية على القرى واستهداف المدنيين، قبل الشروع في مفاوضات واسعة ومعمقة حول كل القضايا العالقية مع كيان الاحتلال. بينما قادة الاحتلال السياسيين والعسكريين يعلنون صبح مساء ان لا وقف لإطلاق النار في لبنان ولو توقف في ايران!

  بدا  من سير العمليات العسكرية خلال الشهر الماضي، ان ترامب ما زال يؤيد توجيه ضربات موضعيه لعناصر حزب الله كما قال، لكن الضربات تجاوزت الخط الاحمر والخط الاصفر اللذين حددهما جيش الاحتلال لعملياته في الجنوب وصولا الى الضاحية الجنوبية لبيروت التي سبق وتم الاعلان عن تحييدها، ولو ادت الى الى تدمير منازل ومقتل مدنيين ومسعفين وتدمير بنى تحتية خاصة ورسمية.

 ومع ذلك استمر لبنان بالطلب من الادارة الاميركية ومن خلال الاتصالات مع الدول العربية والاوروبية المعنية بالوضع اللبناني، وقف العدوان قبل الشروع بأي تفاوض جدي وفعلي على المسائل غير الامنية. وحسب معلومات “الحصاد” من القصور الرئاسية، فقد حدد لبنان خريطة طريق جديدة للتفاوض الامني التمهيدي بعدما خفّف من اندفاعته الرسمية نحو التفاوض المباشر بدون ضمانات، تتعلق اولاً بوقف الاعتداءات وعدم توسيعها والانسحاب من الاراضي التي احتلها جيش الكيان الاسرائيلي، وبلغت حسب معلومات رئيس الحكومة نواف سلام اكثر من 60 قرية جنوبية منها نحو 22 قرية على خط الحدود المباشر مع فلسطين المحتلة باتت مدمرة بالكامل، وتتعلق ثانيا بتطبيق باقي بنود اتفاق واشنطن بين السفراء او ما قبله من اتفاقات، وإلّا لن تستقر الامور ويتحقق الهدؤ من دون وقف هذا العدوان الهستيري على المدنيين، والذي يترك اثاره الكبيرة والخطيرة على لبنان كله اقتصادياً ومعيشياً وحياتياً، والذي دفع حزب الله الى العودة لتنفيذ عمليات مدروسة ومؤثرة ضد جنود الاحتلال وتجمعاتهم ومواقعهم ومستوطنات شمال فلسطين المحتلة.

 ومع ذلك، ما زالت مصادر رسمية تؤكد لـ “الحصاد” أن الرؤساء جوزاف عون ونبيه بري ونواف سلام يواظبون على الاتصال بكل الدول والجهات المعنية، من أجل إلزام كيان الاحتلال، ولو بحد أدنى من الإجراءات التي تكفل مواصلة المفاوضات بهدوء، لا تحت النار. وتقول المصادر إنه لا يمكن إلزام الاحتلال بهذه الخطوات من دون رفع الغطاء الأميركي، وممارسة ضغوط فعلية على إسرائيل، كما فعل ترامب حين ضغط عليها لوقف الحرب على إيران، فالتزمت بذلك رغماً عنها.

  وتضيف المصادر: لذلك وضع الرؤساء الثلاثة خريطة الطريق الجديدة للتفاوض، تبدأ بوقف العدوان نهائياً لا جزئياً، وتنفيذ خطوات أخرى، مثل تحرير الأسرى وعودة النازحين وتسهيل اعادة الاعمار، قبل البحث في أي أمر آخر يتعلق بتوقيع اتفاق عدم اعتداء، أو العودة إلى تطبيق اتفاق الهدنة، ولو مع تعديلات تراعي المتغيرات الجديدة؛ فلا تفاوض سياسياً تحت النار الإسرائيلية. وبالتأكيد، سيكون هذا الموضوع بنداً أساسياً في لقاء الرئيس عون مع الرئيس ترامب، إذا تمت زيارة واشنطن. فهل يقبل ترامب ونتنياهو خريطة الطريق هذه؟

وحسب الأجواء الرسمية والسياسية، فإن زيارة عون إلى واشنطن كانت معلّقة على أمرين: تلقي ضمانات أميركية فعلية مسبقة أو من خلال اجتماعات السفراء بوقف التصعيد الإسرائيلي وعدم البحث في أي أمر سياسي تنفيذي. وإقناع الإدارة الأميركية بأن هناك استحاله مطلقه لتحقيق أي اجراء فعلي في المفاوضات يمكن ان يوصل الى الى تسويات دائمة على صعيد وقف الاعمال العدائيه وعقد ترتيبات امنيه او اتفاق عدم اعتداء او حتى تجديد اتفاق الهدنه ، من دون وقف هذا العدوان الاسرائيلي الكبير على لبنان، لاسيما وان ظروف لبنان الداخلية باتت معروفة للاميركي اكثر من غيره . غير ان ما يتواتر من معلومات لم يحسم بعد ما اذا ان الرئيس عون سيزور واشنطن لسبب وجيه هو اصرار الرئيس ترامب على عقد لقاء بين عون ورئيس حكومة كيان الاحتلال نتنياهو.

دور الاميركيين اللبنانيين

وهنا يكمن دور السفير الأميركي في بيروت اللبناني الأصل ميشال عيسى في تدوير الزوايا الحادة للموقف الأميركي المُصرّ على لقاء عون بنتنياهو، والموافق على استمرار التفاوض تحت النار.ولذلك، ستبقى المشكلة قائمة ما لم تقتنع الإدارة الأميركية بخريطة الطريق اللبنانية الجديدة للتفاوض، وما لم يندفع مستشارو ترامب اللبنانيو الأصل، بالحماسة نفسها التي يبدونها تجاه “إسرائيل”، لمساعدة بلدهم الأم، بعيداً عن تصفية الحسابات مع ما يصفونه بـ”أذرع إيران” في لبنان.

  ولا بد من التوضيح، أن خسائر الاحتلال في المواجهات الجارية بينه وبين مقاتلي حزب الله،لم تكن هي السبب في التصعيد، بل هو قرار على المستوى السياسي الاعلى في كيان الاحتلال لتحقيق الاهداف المرسومة عسكريا بالسيطرة الكاملة على جنوب نهر الليطاني وتدمير كل مقدرات المقاومة وفرض الشروط الامنية والسياسية على الدولة اللبنانية. وهو ما ظهر في تصريحات رئيس حكومة كيان الاحتلال  والرئيس الاميركي دونالد ترامب ورئيس اركان جيش الاحتل ايال زامير قبل يومين بأنه “لا وقف لإطلاق النار في لبنان”..

   ولم تنفع تصريحات ترامب الخجولة والتي جاءت من باب رفع العتب بالطلب  من نتنياهو “ممارسة حق الدفاع عن النفس لكن بحذر ووقف تدمير المنازل لأنه يضرّ بصورة اسرئيل”، في منع الاحتلال من مواصلة اسلوبه بارتكاب المجازر والتدمير لإرهاب اهالي الجنوب الصامدين في قراهم وتهجير من بقي منهم. بل ان التوجه الاسرائيلي بات واضحا في مواصلة حرب التدمير للتهجير واقامة المنطقة العازلة الخالية من السكان، حتى اذا انسحب من قرى ما وصفه “الخط الاصفر” يكون قد ضمن برأيه وقف الهجمات الصاروخية المباشرة على جنوده وآلياته ومستوطناته شمالي فلسطين، بينما قد يكون حسابه خاطئأ إذا قرر الحزب توسيع رده بصواريخ اثقل وابعدى مدى ما زال يمتلكها حسب زعم الاحتلال نفسه.  

 ولعل اضطرار ترامب للطلب من نتنياهو تخفيف اندفاعته العنيفة سببه خوفه من انهيار الهدنة في لبنان ووقف التفاوض الذي يسعى اليه، لتحقيق مشروعه السياسي – الاقتصادي في لبنان وباقي دول المنطقة العربية والشرق اوسطية كاملة، بما فيها من خيرات وموارد يريد استغلالها “لإعادة اميركا عظيمة كما كانت” حسب قوله، ولو على حساب شعوب المنطقة بمصالحها ومستقبلها السياسي والاقتصادي.  وكذلك خوفه من انهيار المفاوضات مع ايران التي تخضع ايضا “لوحدة ساحات المقاومة” في الحرب وفي التفاوض والحل،حيث اصرت ايران على ربط اي تسوية مع الادارة الاميركية بوقف الحرب على كل الجبهات ومنها لبنان بشكل خاص.

 …وبعد. ما الذي يمكن ان يتحقق في مفاوضات واشنطن التي قرر الرئيس عون رفع مستوى تمثيل لبنان عبر ايفاد السفير سيمون كرم للمشاركة فيها، كتعبير عن حسن نية مراهناً على ان تقوم الادارة الاميركية بتخفيف الاعتداءات الاسرائيلية، لكن برغم هذه المبادرة لم تلتزم لا اميركا ولا اسرائيل بتخفيف الاعتداءات.

  كل المؤشرات السياسية تؤكد ان مسار مفاوضات اسلام اباد بين اميركا وايران مرتبطة حكماً بمسار التفاوض اللبناني الاسرائيلي في واشنطن. والتقدم الممكن في باكستان ينعكس بالتلازم الموضوعي تقدما مفترضا على جبهة لبنان ما لم يقرر نتنياهو تخريب اي اتفاق ويتجاوز ترامب كما سبق وفعل مرة وقيل ان الرئيس الاميركي وبّخه على تجاوزاته.

كيف يستفيد المفاوضون؟ 

كما يمكن للمفاوض اللبناني ان يستفيد من زخم سياسي داخلي في طرح شروطه خلال التفاوض، من خلال توصيات مؤتمر وطني جامع وحاشد للقوى الوطنية والنهضوية والاسلامة المعارضة للمشروع الاسرائيلي، جرى عقده في 29 نيسان/ابريل الماضي، وصدرت عنه توصيات مواجهة ما يستجد خلال مسار المفاوضات المباشرة او غير المباشرة من تحديات وحساسيات وأفخاخ ومعالجتها تالياً  بإعتماد الضوابط الآتية:

  • لا تفاوض مباشراً بين الحكومة اللبنانية وحكومة العدو الإسرائيلي إلاّ بعد انسحاب قواتها وأجهزتها تماماً من كل الأراضي اللبنانية المحتلة، وإعادة الأسرى ، وعودة اهالي الجنوب وضاحية بيروت الجنوبية الى بلداتهم وقراهم ، وإقرار حكومة العدو بإلتزامها قراراً من مجلس الأمن الدولي بهذا الشأن.
  •  – لا يجوز خلال المفاوضات مع حكومة العدو الموافقة على عقد إتفاق سياسي معها بل الإكتفاء بعقد إتفاق هدنة جديد يحلّ محل إتفاق الهدنة المعقود سنة  1949 وذلك بغية التقيّد  بالحدود المعترف بها دولياً واحترام احكامها .

      -لا يجوز تضمين إتفاق الهدنة الجديد أيّ نصّ يتعلّق بحلّ تنظيمات المقاومة  او بنزع أسلحتها لكون ذلك أمراً يتعلّق بسيادة الدولة اللبنانية ويعود لها وحدها حق البتّ به.

– وجوب تضمين أيّ بيان للتوافق الوطني بين القوى السياسية اللبنانية قبل بدء المفاوضات او بعدها نصّاً يقضي بوضع خطة متكاملة للدفاع الوطني تتضمن الحق بتسليح الجيش اللبناني من جميع المصادر المتاحة ، كما يتضمن وضع تشريع لتنظيم حرس  شعبي من المتطوعين يكون رديفاً للجيش اللبناني ولقوى الأمن الداخلي في حماية أمن المواطنين ومؤسسات الحياة العامة، على ان يجري تحريكه واستخدامه عند الحاجة بقرار من مجلس الوزراء او من مجالس المحافظات ذات الصلة .

كما يمكن للمفاوض اللبناني ان يستفيد مما تقوم به المقاومة من تصدٍ لقوات الاحتلال وتوقع به خسائر يومية، لرفع مستوى شروطه ورفض شروط الاحتلال. فهل يستفيد من هذين العنصرين؟